شهد الفضاء الإعلامي خلال الأسابيع الأخيرة تداول مضامين متشابهة على عدد من المنصات الإلكترونية، تناولت شكاية موجهة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بسطات، منسوبة إلى أستاذ تعليم عالٍ متقاعد، وقدمتها باعتبارها مؤشرا على “فضيحة” تطال كلية العلوم القانونية والسياسية.
هذا التناول، الذي غلبت عليه نبرة الإثارة، دفع إلى نقاش واسع حول طبيعة الوقائع وحدود المسؤولية، ودور الإعلام في نقلها.
والحقيقة أنه بعد الاطلاع على تفاصيل الملف يتبين أن الوقائع موضوع الشكاية تعود إلى فترة سابقة على تعيين العميدة الحالية للكلية، الدكتورة حسناء كجي.
وهو معطى زمني أساسي، يجعل ربطها بالإدارة الحالية محل تساؤل، إذ إن المسؤولية الإدارية والمؤسساتية تُقاس بالفعل وزمنه والسلطة التي تم في إطارها، وليس بالوضع الاعتباري اللاحق.
أما بخصوص ما جرى تداوله من اتهامات تتعلق بتزوير النقط أو تحريف محاضر المداولات، فإن تحليل الحالات المشار إليها يبين تباين طبيعتها، فبعضها يتعلق بطلبة لم يتبق لهم سوى وحدة واحدة لاستكمال الإجازة، وهي حالات تُعالج في عدد من الجامعات المغربية عبر آليات بيداغوجية استثنائية، مؤطرة تنظيميا، وتهدف إلى التوفيق بين متطلبات الصرامة الأكاديمية وتقليص الهدر الجامعي. ولا تُعد هذه الممارسات، في حال احترام ضوابطها، أفعالا جرمية بالمعنى القانوني.
وتتعلق حالة أخرى بتصحيح خطأ مادي في إدخال النقط داخل المنظومة الرقمية، وهو إجراء تقني معمول به في الإدارات الحديثة، ويتم عبر مساطر واضحة، ولا يكتسي طابعا جنائيا ما لم يقترن بقصد تدليسي أو نية للإضرار، وهي عناصر لا تشير المعطيات المتوفرة إلى توافرها.
فيما ترتبط حالة إضافية بسياق أوسع عرفته الجامعة المغربية خلال مرحلة الانتقال بين أنظمة بيداغوجية مختلفة، وما رافق ذلك من إعادة هيكلة للمعطيات داخل أنظمة معلوماتية جديدة. وعليه، فإن عزل هذه الوقائع عن سياقها العام قد يؤدي إلى قراءة مجتزأة.
من جهة أخرى، تشير معطيات متداولة إلى أن خلفية الشكاية لا تنفصل عن توتر إداري سابق بين الأستاذ المتقاعد وإدارة الكلية، بسبب تأخر متكرر في تسليم نقط الطلبة داخل الآجال القانونية، وهو ما استدعى في إحدى المرات اللجوء إلى مساطر إدارية لحماية حقوق الطلبة وضمان السير العادي للمرفق الجامعي. وهي إجراءات منصوص عليها قانونا، ولا تحمل في ذاتها دلالات خارج الإطار الإداري.
في ضوء هذه العناصر، يبرز أن تقديم الشكاية في قالب “فضيحة” إعلامية يغفل تعقيد الملف وتعدد أبعاده، ويخلط بين الخطأ الإداري المحتمل والمسؤولية الجنائية.
وفي المقابل، أكدت مصادر من داخل الجامعية أن الإدارة الحالية لكلية الحقوق بسطات تشتغل وفق منطق احترام المساطر، وضمان حقوق الطلبة، والحفاظ على استقرار المؤسسة.
إن النقاش العمومي حول الجامعة يظل مشروعا وضروريا، خاصة عندما يتعلق بالمحاسبة والشفافية، غير أن هذا النقاش يفترض التمييز بين الوقائع المثبتة والتأويلات، واحترام مسار البحث القضائي، وتجنب الأحكام المسبقة. فسمعة المؤسسات الجامعية، بما تمثله من رصيد علمي ورمزي، ترتبط ارتباطا وثيقا بثقة المجتمع في التعليم العالي ودوره في تكوين النخب وخدمة الصالح العام.



تعليقات الزوار ( 0 )