مع دخول عام 2026، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط أمام مرحلة مفصلية تتشابك فيها الأزمات المحلية مع صراعات النفوذ الإقليمية والدولية، في مشهد تتراجع فيه حدود الدول لصالح منطق الساحات المفتوحة، وتتصاعد فيه الحروب غير التقليدية كأداة مفضلة لإدارة الصراع.
ولم يعد المشرق العربي، سوريا ولبنان والعراق، فضاء منفصلا عن الخليج، بل بات جزء من معادلة أوسع تشمل التنافس السعودي/الإماراتي، والتمدد الإسرائيلي، والاحتواء الإيراني، والتردد الأميركي.
تشير التطورات في سوريا ولبنان إلى حالة سيولة استراتيجية متزايدة، تُنذر بإعادة إنتاج الفوضى ولكن بصيغ جديدة.
التقارير الإعلامية الغربية والعربية، ومنها تحقيقات بثتها قناة الجزيرة مدعمة بوثائق وتسجيلات، تتحدث عن تحركات منسقة لفلول النظام السوري السابق، تستهدف زعزعة استقرار الدولة السورية الجديدة عبر عمليات أمنية، ومحاولات اغتيال وضرب مراكز القرار.
ولا يبدو أن هذه التحركات معزولة أو عفوية، بل تأتي في سياق أوسع يهدف إلى إنهاك السلطة الناشئة، وإظهارها ككيان عاجز عن ضبط الأمن، بما يعيد فتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
وفي هذا الإطار، يُستبعد أن يكون بشار الأسد هو العقل المدبر المباشر لهذه التحركات، في ظل إقامته في موسكو وخضوعه لرقابة استخباراتية روسية صارمة، ما يرجّح أن شبكات المصالح القديمة باتت تعمل بصورة شبه مستقلة.
وتذهب تحليلات متعددة إلى أن إسرائيل تلعب دورا محوريا في هذا المشهد، من خلال توظيف بقايا النظام السابق، وبعض المكونات الطائفية التي تشعر بالإقصاء، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية.
ولا يقتصر الهدف الإسرائيلي على ضرب الاستقرار السوري فحسب، بل يتعداه إلى استخدام الساحة السورية كرافعة ضغط غير مباشرة على حزب الله في لبنان.
سوريا كمنصة خلفية لاستنزاف لبنان
في هذا السياق، يبرز لبنان باعتباره حلقة تالية في سلسلة التصعيد. فإشاعة الفوضى في سوريا قد تتيح فتح مسارات برية وأمنية جديدة نحو الداخل اللبناني، تُستخدم لاستنزاف حزب الله عبر مجموعات محلية أو غير نظامية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ويعكس هذا النهج إدراكًا إسرائيليًا لكلفة الحرب الشاملة، وسعيًا إلى تحقيق مكاسب استراتيجية بأدوات منخفضة الكلفة السياسية والعسكرية.
في المقابل، تحاول إسرائيل، وفق بعض التقديرات، استمالة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للمشاركة في أي تحرك ضد السلطة الجديدة في دمشق.
غير أن هذا الخيار يصطدم بعقبة تركية حاسمة، إذ ترى أنقرة في أي توسع عسكري أو سياسي للقوى الكردية المسلحة تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وقد أثبتت استعدادها لاستخدام القوة لإجهاض مثل هذه السيناريوهات في كل. من العراق وسوريا.
البعد الخليجي: الصراع السعودي ـ الإماراتي
لا يكتمل المشهد دون إدخال العامل الخليجي، وتحديدا التنافس السعودي ـالإماراتي، الذي بات أحد العوامل غير المعلنة في إعادة تشكيل المنطقة.
على الرغم من الخلاف الذي ظهر في شكل مواجهة بين الرياض وأبوظبي في جنوب. اليمن، إلا أن هذه المواجهة المسلحة هي نتيجة التباينات العميقة خلال. السنوات الأخيرة، خاصة في ملفات اليمن، والقرن الإفريقي، والسودان، وليبيا.
في المشرق العربي، يظهر هذا التنافس بصورة غير مباشرة، فالسعودية تميل إلى مقاربة أكثر تحفظا، تركز على الاستقرار النسبي، ومنع انهيار الدول، وتقليص النفوذ الإيراني دون الانخراط في مغامرات أمنية مفتوحة.
في المقابل ذلك، تبدو الإمارات أكثر استعدادا لاستخدام أدوات غير تقليدية، بما فيها دعم قوى محلية هامشية أو شبكات نفوذ، في إطار سعيها لإعادة توزيع موازين القوة الإقليمية.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن الصراع الاقتصادي والسياسي بين الطرفين، في ظل سعي كل منهما إلى تثبيت موقعه كقوة إقليمية مركزية في مرحلة ما بعد النفط، حيث تلعب الموانئ، والممرات التجارية، ومشاريع إعادة الإعمار دورا استراتيجيا لا يقل أهمية عن البعد العسكري.
إيران والولايات المتحدة: إدارة الصراع عند حافة الهاوية
إيران تراقب هذه التطورات بحذر بال، فهي تدرك أن أي ضربة وجودية لحزب الله تمثل تجاوزا للخطوط الحمراء، لكنها في الوقت ذاته تحاول تجنب مواجهة إقليمية شاملة في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية.
أما الولايات المتحدة، فتبدو على اطلاع كامل بهذه الملفات، لكنها تتعامل معها بسياسة “الإدارة من الخلف”، مكتفية بضبط الإيقاع دون التزام واضح، في ظل انشغالها بملفات عالمية كبرى، أبرزها الصين وتايوان.
خلاصة
عام 2026 لا يبدو عامًا للحرب الشاملة، لكنه بلا شك عام اختبار قاسٍ لتوازنات الشرق الأوسط، فالتشابك بين المشرق والخليج، وتداخل الصراع السعودي/الإماراتي مع الملفات السورية واللبنانية، يجعل المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي.
وبين الاحتواء المؤقت والانفجار غير المحسوب، يبقى مستقبل الإقليم مفتوحا على احتمالات معقدة، قد تعيد رسم خرائط النفوذ لعقد قادم على الأقل.




تعليقات الزوار ( 0 )