ترتبط نشأة الصناعة البترولية بالمغرب باسم الشركة الشريفة للبترول، التي تعود جذورها إلى سنة 1919، تاريخ اكتشاف أول بئر نفطي بمنطقة “سلفات” شرق مدينة سيدي قاسم. وقد شكّل ذلك الاكتشاف حدثاً مفصلياً، إذ اعتُبر آنذاك أول بئر بترولي ليس على الصعيد الوطني فحسب، بل على مستوى العالم العربي. هذا المعطى منح المنطقة مكانة خاصة، ومهّد لتأسيس الشركة الشريفة للبترول في 29 أبريل 1929، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الصناعة الطاقية بالمغرب.
تعزز حضور الشركة في إقليم سيدي قاسم سنة 1934 باكتشاف حقل نفطي جديد بمنطقة عين الحمراء، ما أعطى دفعة قوية لنشاطها الإنتاجي. ومع توالي السنوات، تطورت البنية الصناعية للمصفاة، حيث أُنشئت سنة 1940 أول وحدة لتقطير البترول بطاقة 50 ألف طن سنوياً. وفي سنة 1954 تم رفع طاقة التقطير إلى 100 ألف طن سنوياً، إلى جانب إحداث وحدة لتصفية المواد النفطية بسعة 200 ألف طن سنوياً، مع الشروع في تسويق غاز البوتان.
غير أن نضوب مخزون الحقول المكتشفة دفع الشركة، ابتداءً من سنة 1951، إلى استيراد النفط الخام من الخارج عبر ميناء الدار البيضاء، ثم نقله إلى سيدي قاسم بواسطة الشاحنات الصهريجية لتكريره محلياً. وشكل هذا التحول منعطفاً في نشاط الشركة، إذ انتقلت من مرحلة الاستغلال المحلي للحقول إلى مرحلة التكرير الصناعي المعتمد على الاستيراد.
عرفت المصفاة خلال الستينيات والسبعينيات توسعاً ملحوظاً. ففي سنة 1966 تم تركيب أول وحدة لإنتاج البنزين بدون رصاص بطاقة 460 ألف طن سنوياً، كما أُحدثت وحدات جديدة للتخزين والمعالجة. وفي سنة 1968 تم إنشاء وحدة صناعية لصناعة قنينات الغاز من فئة 3 كيلوغرامات، شكلت آنذاك ثلث الإنتاج الوطني. أما سنة 1972 فشهدت بناء ثلاث وحدات إضافية، من بينها وحدة تقطير جوي بطاقة 800 ألف طن سنوياً، ووحدة ثانية لإنتاج البنزين الممتاز بدون رصاص.
وفي إطار تطوير وسائل النقل الطاقي، تم سنة 1992 مد أنبوب نفطي بقطر 14 بوصة يربط بين المحمدية وسيدي قاسم على طول 187 كيلومتراً، ما أتاح تزويد المصفاة مباشرة بالنفط الخام. وقد استمر هذا الأنبوب في ضخ البترول لسنوات، قبل أن تتراجع وتيرة نشاطه بسبب توقف عدد من الوحدات الإنتاجية بالمصفاة.
شكلت سنة 1997 محطة مفصلية في تاريخ الشركة، إذ تم خلالها الشروع في خوصصتها، قبل أن تُدمج في يونيو 1999 ضمن الشركة المغربية للصناعات والتكرير (سامير)، بعد تحويل 67 في المائة من أسهمها إلى شركة “كورال” السعودية. غير أن هذا التحول لم يُفضِ إلى إنعاش مصفاة سيدي قاسم، بل اتجهت الاستثمارات أساساً نحو مركب المحمدية.
وجاءت التحولات البيئية والتشريعية لتسرّع من وتيرة التراجع. فقد أصدرت الدولة مرسوماً يقضي بالانتقال إلى إنتاج وقود مطابق للمعايير البيئية الدولية، بخفض نسبة الكبريت في الكازوال من 350 إلى 50 جزءاً في المليون. وكان هذا القرار، رغم أهميته البيئية، بمثابة إعلان غير مباشر عن تقادم تجهيزات مصفاة سيدي قاسم، التي لم تواكب التطور التكنولوجي الحاصل في مجال التكرير.
كما تراجع الدعم المخصص لنقل النفط الخام عبر الأنبوب من 160 مليون درهم إلى حوالي 40 مليون درهم، ما أثر سلباً على القدرة الإنتاجية. فبعد أن كانت المصفاة تنتج حوالي مليون ونصف طن سنوياً سنة 2003، انخفض الإنتاج إلى نحو مليون طن فقط، يتم من خلاله استخراج سبعة مشتقات بترولية، من بينها الفيول والغازوال والبنزين.
توالت بعد ذلك قرارات الإغلاق: ففي يوليوز 2006 أُغلق معمل صناعة قنينات الغاز، وفي سنة 2007 توقفت وحدة إنتاج البنزين بدون رصاص. ومع صدور الجريدة الرسمية في 4 أكتوبر 2007 بالمواصفات الجديدة للمنتجات النفطية، أصبح استمرار النشاط أمراً صعباً. وفي يناير 2008 توقفت الوحدة الثانية لصناعة البنزين، ليُعلن في يناير 2009 عن التوقف النهائي للوحدات الإنتاجية بسيدي قاسم.
اليوم، تقف المنصة التاريخية للمصفاة، المقابلة لمحطة القطار بسيدي قاسم، شاهدة على مرحلة صناعية مضت. تآكلت الوحدات الإنتاجية، وخمدت الصهاريج التي كانت تضج بالحركة، وتحولت المنشآت إلى أطلال تروي قصة مدينة نشأت من رحم الصناعة النفطية. فقد كانت المصفاة القلب الاقتصادي النابض للمدينة، تضخ فيها فرص الشغل والحركية التجارية، وتشكل رمزاً لهويتها العمرانية، تماماً كما ترتبط مدن أخرى بمعالمها التاريخية.
لقد ارتبطت صورة سيدي قاسم ببرج المصفاة، الذي ظل لسنوات عنواناً لصمودها الصناعي. ورغم الإغلاقات المتتالية، ما تزال المدينة تحافظ على روحها، مستندة إلى تاريخها العريق وإلى ذاكرة جماعية ترى في تلك المنشآت أكثر من مجرد وحدات إنتاجية، بل جزءاً من كيانها وهويتها.
إن قصة الشركة الشريفة للبترول ومصفاة سيدي قاسم ليست مجرد سرد لتطور مؤسسة صناعية، بل هي حكاية صعود وأفول قطاع بأكمله، وتعبير عن تحولات اقتصادية وبيئية وتشريعية أعادت رسم خريطة الطاقة بالمغرب، تاركة وراءها برجاً صامتاً يختزن قرناً من الذاكرة الصناعية.




تعليقات الزوار ( 0 )