في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التوترات الأمنية، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، نشرت صحيفة ” “لاراثون” (La Razón) الإسبانية قراءة تحليلية اعتبرت فيها أن المغرب حسم موقفه بعدم التقدم كبديل محتمل لقاعدة “روتا” البحرية، في وقت تؤكد فيه الاستثمارات الأمريكية الأخيرة أن واشنطن اختارت تثبيت حضورها العسكري في الجنوب الإسباني بدل التفكير في أي إعادة انتشار وشيكة.
وربطت الصحيفة بين هذا المعطى وبين قرار وزارة الدفاع الأمريكية ضخ استثمارات جديدة تناهز 400 مليون يورو لفائدة القاعدة، معتبرة أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا، وتحديدا في قاعدة “روتا”.
🇪🇸 Marruecos renuncia a presentarse como alternativa a la base de Rota. https://t.co/ilPqv6Bh87
— La Razón (@larazon_es) March 2, 2026
-استثمارات حاسمة
توقفت الصحيفة عند حجم ونوعية المشاريع التي تمت المصادقة عليها من قبل واشنطن، والتي تشمل تطوير مرافق رسو جديدة للمدمرات، وتعزيز القدرات اللوجستية والصيانة، إضافة إلى بناء منشآت لتخزين الصواريخ ومحطات شحن المعدات الثقيلة، فضلاً عن إنشاء حظائر جديدة للطائرات وخزانات وقود بسعة إجمالية تصل إلى 50 ألف برميل.
وترى القراءة الإسبانية أن هذه المشاريع لا يمكن فهمها باعتبارها تحديثات تقنية عادية، بل هي مؤشر على التزام طويل الأمد من قبل الولايات المتحدة تجاه هذه القاعدة، فالاستثمار بهذا الحجم، وفي ظرف زمني يخضع لآجال صارمة للتنفيذ، يعكس توجها استراتيجيا يروم تثبيت البنية العسكرية بدل نقلها أو تقليصها.
كما أن طبيعة البنيات المحدثة، خاصة تلك المرتبطة بتخزين الذخيرة وأنظمة الدعم اللوجستي الثقيل، تدل على أن القاعدة ليست مجرد محطة عبور، بل منصة عملياتية متكاملة قابلة للتعبئة السريعة في حال الأزمات.
-ثقل استراتيجي
تعد قاعدة “روتا” عنصرا محوريا في منظومة الدفاع الغربية وفي هيكلة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ تؤوي حوالي 2800 جندي أمريكي، وتضطلع بدور أساسي في نظام الدرع الصاروخي المتحرك لمواجهة التهديدات الباليستية.
وتبرز أهميتها في كونها نقطة ارتكاز تغطي المجال الأوروبي والمتوسطي، وتمكن واشنطن من مراقبة خطوط الملاحة الحيوية، فضلاً عن قدرتها على التدخل السريع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أي عملية نقل محتملة للقاعدة تحديا سياسيا وتقنيا معقدا، نظرا للتشابك بين البنية التحتية العسكرية والالتزامات الأطلسية.
والصحيفة شددت على أن موقع “روتا” الجغرافي، عند مدخل مضيق جبل طارق، يمنحها أفضلية استراتيجية يصعب تعويضها بسهولة، سواء من حيث القرب من المسارح الأوروبية أو من حيث الاندماج داخل منظومة القيادة والسيطرة للحلف الأطلسي.
-رهانات اقتصادية
لم تغفل القراءة الإسبانية البعد الاقتصادي المحلي للقاعدة، إذ تشكل رافعة تنموية لمدينة “روتا” ومحيطها، فهي توفر آلاف فرص الشغل، سواء للعسكريين أو للمدنيين، كما تنعكس أنشطتها على قطاعات متعددة، من الخدمات إلى المقاولات المتعاقدة في مجالات الصيانة والبناء والنقل.
وتؤكد الصحيفة أن أي تغيير في وضع القاعدة ستكون له تبعات اجتماعية واقتصادية مباشرة على المنطقة، وهو ما يعزز تمسك السلطات الإسبانية بالحفاظ على هذا المكسب الاستراتيجي، خاصة في ظل سياق اقتصادي أوروبي يتسم بالتقلبات.
وبالتالي فإن تثبيت الاستثمارات الأمريكية لا يحمل بعدا عسكريا فقط، بل يشكل كذلك ضمانة لاستمرار دينامية اقتصادية محلية ترتبط عضوياً بوجود هذه المنشأة.
-المغرب والبديل
فيما يتعلق بالمغرب، تشير الصحيفة إلى أن بعض التكهنات السابقة كانت قد ألمحت إلى إمكانية طرحه كخيار بديل لتمركز القوات الأمريكية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي واستقراره السياسي وعلاقاته الدفاعية المتقدمة مع واشنطن.
وغير أن المعطيات الحالية، وفق التحليل ذاته، تفيد بأن واشنطن اختارت توسيع وتعزيز قاعدة “روتا” بدل التفكير في نقلها.
وتشير الصحيفة الإسبانية إلى أن المغرب لم يتقدم عمليا ليكون بديلا، في ظل وضوح التوجه الأمريكي نحو تثبيت القاعدة في إسبانيا.
وأضافت أن التموقع الأمريكي الحالي يجعل من “روتا” مركزا رئيسيا لإسقاط النفوذ العسكري في المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، ما يقلص من احتمالات أي إعادة انتشار فورية نحو مواقع أخرى.
-سياق متوتر
تزامن نشر هذا التحليل مع تطورات إقليمية متسارعة، على خلفية التوترات المرتبطة بالملف الإيراني، وما رافقها من نقاشات حول دور القواعد الأمريكية في أوروبا، ومن بينها قاعدتا “روتا” و”مورون” الإسبانيتين.
وفي هذا الإطار، برزت تصريحات لوزيرة الدفاع الإسبانية تؤكد أن القواعد الموجودة على التراب الإسباني لا تشارك في أي هجوم على إيران، في محاولة لطمأنة الرأي العام الداخلي، دون المساس بطبيعة الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
وهذا السياق يزيد من أهمية الرسائل المضمنة في الاستثمارات الجديدة، إذ تفيد بأن الولايات المتحدة لا تعيد رسم خريطتها العسكرية في المنطقة بشكل جذري، بل تعزز مواقعها القائمة وتطورها لتتلاءم مع التحديات الأمنية الراهنة.
-دلالات أوسع
تطرح القراءة التي قدمتها الصحيفة الإسبانية جملة من الدلالات السياسية، فمن جهة، تؤكد متانة الشراكة الدفاعية الأمريكية-الإسبانية ضمن الإطار الأطلسي.
ومن جانب آخر، تعكس إدراكا أمريكيا بأهمية الاستقرار المؤسساتي والقانوني الذي توفره إسبانيا لاحتضان منشآت استراتيجية بهذا الحجم.
وأما بالنسبة للمغرب، فإن عدم تقديم نفسه كبديل وفق ما أوردته “لاراثون”، لا يعني تراجعا في علاقاته العسكرية مع واشنطن، بقدر ما يعكس واقع التوازنات الجيوستراتيجية القائمة، حيث لا يبدو أن الولايات المتحدة في وارد إعادة توزيع كبرى لقواعدها في الحوض المتوسطي في المدى المنظور.
وتوحي المعطيات بأن خيار “روتا” لم يكن موضع مراجعة فعلية، وأن الاستثمارات الضخمة المعلن عنها تشكل إعلانا عمليا لاستمرارية الوجود الأمريكي في الجنوب الإسباني.
وبين فرضية البديل المغربي وتثبيت القاعدة الإسبانية، تبدو الكفة، وفق القراءة الإسبانية، راجحة بوضوح نحو استمرار المعادلة الحالية دون تغيير.




تعليقات الزوار ( 0 )