أفاد الدكتور عبد الغني منديب، أستاذ السوسيولوجيا، بأنه لا يمكن عزل السلوك الانتخابي عن السلوك الاجتماعي والمجتمعي بمعناه العام بأبعاده الاقتصادية والدينية والثقافية، مسجلاً أن كل الدراسات الأنثروبولوجية التي أنجزها باحثون أجانب أو محليون تؤكد وتشخص أن منسوب العقلانية في السلوك الاجتماعي لدى المغاربة يبقى محدودا، بينما تظل العاطفة هي العامل المهيمن والمحدد الأساسي للاختيارات.
وتساءل المتخصص في العلوم الاجتماعية، في مداخلته العلمية خلال ندوة “أنثروبولوجيا السلوك الانتخابي بالمغرب” التي احتضنها مقر جريدة “الشعاع الجديد” بالرباط، وأطرها الزميل الإعلامي نورالدين لشهب، عن مدى توفر الوعي السياسي الكافي لدى المصوت البسيط ليدرك بأنه يمنح سلطة ومشروعية قانونية لشخص عادي لم تكن له شرعية مسبقة، أم أنه يختزل هذه العملية في أبعاد نفعية ضيقة.

وأكد وفق المنظور الفيبيري (ماكس فيبر) أن الديمقراطية نظرة شاملة للكون وكل لا يتجزأ لا يمكن اختزاله في العملية الانتخابية التقنية فقط، بل يمتد إلى التمثيلية ومدى وعي “الفاعل الاجتماعي العادي” بأبعاد صوته.
واستحضر الدكتور منديب مرحلة الثمانينيات والتسعينيات حين كان النقاش السياسي يدور حول “المسلسل الديمقراطي” مع التركيز فقط على ما تسمح به وما لا تسمح به الدولة، معتبرا أن التحليل يجب أن يشمل المجتمع والفاعل السياسي أيضا لمعرفة مدى نضج الوعي لبناء ديمقراطية حقيقية.
وانتقد بشدة واقع التمثيلية والوساطة السياسية بالمغرب، موضحًا أن المفروض علميا ودستوريا أن يكون الفائز أو الممثل الشرعي لجهة معينة هو أول من يتصدى للاحتجاجات والمشاكل المحلية ليلعب دور الوساطة بين المواطنين والسلطة المركزية، غير أن الواقع يثبت اختفاء هؤلاء المنتخبين فور حدوث الأزمات لتجد الدولة نفسها في مواجهة مباشرة مع الساكنة بسبب غياب مفهوم التمثيلية وعدم استساغته بعد، مشددا على أن قياس درجة نضج الوعي لا يقاس بالنخب العليا بل بالفئات العريضة والواسعة التي يجب أن تفهم وتستسيغ الأفكار لتصل إلى درجة المقبولية.
وفي مقابل هذا النقد، أكد أستاذ السوسيولوجيا على أن المسلسل الديمقراطي المغربي سائر نحو الأمام ويتطور بالممارسة، بدليل أن الانتخابات أصبحت تجري بانتظام في وقتها المحدد، ولم يعد هناك أي طرف سياسي يشكك رسميا في نزاهة الصناديق كما كان يقع في الثمانينيات من ظواهر تهريب الصناديق وتزويرها، حيث يقر الجميع بنزاهة العملية وقيام مؤسسات الدولة بواجبها.

ولفت إلى أن الدولة لا تملك “ضربة ساحر” لتغيير الوعي السياسي لكونه جزءًا من البنية الذهنية التي تعد أشد البنيات الإنسانية بطئاً في التغير وتحتاج إلى الكثير من الوقت والممارسة التاريخية التي تشمل المرشح والمصوت معًا.
وفي تفاعله مع مظاهر السلوك الانتخابي في السنوات الأخيرة، لاسيما ميل الناخبين إلى “التصويت العقابي” القائم على التصويت ضد شخص أو حزب معين دافعه الكراهية أو النكاية السياسية لكون الفاعل السابق لم يقدم شيئاً، أكد على أن هذا السلوك ينبثق مباشرة من غياب التربية السياسية والديمقراطية في المقررات الدراسية والتعليمية.

وتساءل عن انعدام المناهج التي تربي الناشئة منذ الصغر على فعل التصويت كوسيلة حضارية لحل النزاعات والالتزام بقرار الأغلبية كما هو الحال في المجتمعات الغربية التي تلجأ فورًا للتصويت عند الاختلاف وتلتزم بالنتيجة كأمر مقبول يمنح الشرعية والسلطة لمن يجسد رغبة الجماعة.
وأشار إلى أن الثقافة السياسية هي ركيزة الديمقراطية كفلسفة ونظرة للكون تحترم الاختلاف وتحتكم للآراء، وهي إرادة تتغير وتتطور في الغرب بناء على الرصيد، والتراكم، والمنجزات، ومدى الوفاء بالبرامج والوعود الانتخابية، وهو المسار التثقيفي الذي يحتاجه الحقل السياسي المغربي لتجاوز الاختزالات الضيقة والمؤقتة.



تعليقات الزوار ( 0 )