أبرز الدكتور محمد شقير، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن استمرار ظاهرة الأعيان والوجوه المحلية النافذة في المشهد السياسي المغربي مرتبط بنيوياً بمنظومة اجتماعية وسياسية لم تستطع حتى الآن قطع حبل السرة وتحقيق القطيعة بين مرحلتي ما قبل وما بعد بناء الدولة الحديثة.
وأشار شقير، خلال مشاركته، في الندوة الفكرية التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديد” بمقرها بالرباط حول “أنثروبولوجيا السلوك الانتخابي بالمغرب”، إلى أن هذه الدولة ورغم توفرها على المكونات المؤسساتية العصرية من برلمان وحكومة، إلا أنها لا تزال محكومة في العمق بثقافة “التعيين” التي تحدد أهم القرارات الاستراتيجية في المغرب بدل مؤسسات التصويت والتمثيل.
وشدد على أن ذلك، جعل للأعيان دورا أساسيا في المحيط القروي والمدن على السواء منذ بداية الاستقلال أو ما أسماه بـ “صدمة الحداثة الدستورية والانتخابية”، معزيًا تجذر هذه الشريحة إلى مفارقة تأسيسية في التاريخ السياسي المغربي، حيث انطلق مسار التصويت بالانتخابات الجماعية لعام 1960 عوض الانتخابات التشريعية التي تبدأ بها عادة الدول الحديثة الاستقلال، مما ساهم في التركيز على الأعيان كقوة لتعبئة الانتخابات وكصيغة وساطة أساسية بين الساكنة والسلطة.

وفي تشخيصه لواقع الهيئات الحزبية بالمملكة، أوضح صاحب كتاب “الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية” أن الديمقراطية في أصلها ثقافة تقوم على الاختلاف والتداول وعدم الشخصنة، والابتعاد عن الزعامة، وعندما تفتقد الأحزاب هذه الثقافة تتحول الآليات الانتخابية إلى واجهة تكرس الزعامات وثقافة التعيين التي انتقلت من المؤسسات الرسمية إلى المؤسسات التمثيلية.
ولفت إلى أن الأحزاب لم تستطع عبر تاريخها تفعيل الديمقراطية الداخلية، مما جعل تاريخها عبارة عن سلسلة من الانشقاقات والانفصالات نتيجة لسيادة ثقافة الزعيم أو الرئيس الذي يحيط به مكتب سياسي لا يخفي منطق مركزة القرار، وتكريس الشخصنة، ومراكمة الولايات المتتالية.
وأردف أنه حتى بعد صدور قانون الأحزاب لم تطبق مسألة تحديد الولايات بدليل مراكمة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية لأكثر من ثلاث ولايات، وهو ما يعكس أن الأحزاب، ورغم إطارها العصري والحداثي، تكرس خطاطة “الشيخ والمريد” التي تشكل النواة الصلبة للثقافة السياسية المغربية المنتشرة في بنية المخزن وبنية الأحزاب معًا.

وعلى المستوى الأنثروبولوجي والنفسي، أشار شقير تفاعلاً مع مداخلات الندوة إلى أن السلوك الانتخابي لا يمكن مقاربته فقط بالإحصائيات والقوانين دون التعمق في مكوناته المخيالية، لافتًا إلى أن الانتخابات ظاهرة جديدة جدًا في التاريخ المغربي القديم والوسيط الذي لم يكن يعرف سوى التعيين، قبل أن تدخل الآلية مع الاستعمار، مبرزا أن حق التصويت في المغرب هو “حق ممنوح” ومفرغ من النضال والمطالب الشعبية من الأسفل.
وأضاف أنه منح في البداية (حق التصويت) لتأسيس البلديات عام 1960 وبرلمان 1963، وهو ما جعل الصندوق يبدو في مخيال المغاربة كـ”صندوق العجب” المحكوم بالسحر أكثر من العقلنة والتغيير، فالناخب لا يصوت على مشروع سياسي، بل على شخص ليتقلد منصبًا، وتتحول العلاقة بينهما إلى منطق نفعي يقوم على تبادل الخدمات والمنافع والمصالح بما يكسر بنيان الديمقراطية.

واستشهد بظاهرة قيام بعض المسؤولين بالترويج لمرشحين بداعي أن لديهم “معارف ونفوذ في الرباط”، فضلاً عن تدخل أجهزة السلطة للدفع بمرشحين على حساب آخرين مما أفقد الحقل الانتخابي استقلاليته ومصداقيته التاريخية وجعل رداء التزوير والتلاعب بالنتائج يلاصقه في محطات عدة.
وأشار إلى أن التشكيك في قواعد اللعبة يبقى سلوكا عاما لدى الفاعلين السياسيين بالمغرب عندما لا يحصلون على مبتغاهم، مستدلاً بالنكسة التي مني بها حزب العدالة والتنمية في استحقاقات 2021 وتشكيك قيادييه وزعمائه في كيفية سير العملية الانتخابية وتعبيراتهم غير الرسمية التي دفعت بوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حينها إلى الانتقاد والمواجهة، وأكد على أن تدخل الإدارة يحرم العملية من الاستقلالية.

وعرج على العامل النفسي والترسبات الثقافية والاجتماعية التي تتحكم في السلوك الانتخابي داخل المعزل، ممثلاً لذلك بظاهرة التصويت الجندري حيث تلعب ترسبات “الغيرة النسائية” دورا كبيرا في عدم تصويت النساء للمرشحات من بنات جنسهن، وهو ما يفسر التراجع الملحوظ والعدد المحدود للفعاليات النسائية في المجالس المحلية والجهوية والتشريعية.
وشدد الدكتور شقير على أن جوهر البحث يجب أن يركز على المحركات العميقة التي توجه الناخب طيلة عقود من التاريخ الانتخابي وما إن كانت قد تطورت أم ظلت رهينة الميكانيزمات الثقافية القديمة.



تعليقات الزوار ( 0 )