صوب عالم الصحافة بدأت رحلته عندما التحق ذات يوم مطلع سبعينات القرن الماضي بكلية الحقوق/ جامعة محمد الخامس بالرباط، وقد ارتأى العلوم السياسية مسلكا وتطلعا له آنذاك مع تهيئة إجازة فيها قبل التحاقه بالمعهد العالي للصحافة. ليعين بعد ذلك إثر تخرجه بقسم الأخبار بالتلفزة المغربية ثم بمصلحة الأخبار الدولية لمدة خمسة سنوات. وبعد رحلة تكوينية له بالتلفزة الفرنسية لفترتين بداية ثمانينات القرن الماضي، عين مسؤولا عن النشرة الأخيرة بالتلفزة المغربية محررا ومقدما. ومن ثمة ما أغنى تجربته من تغطيات لأحداث وطنية وتظاهرات دولية هنا وهناك داخل المغرب وخارجة، فضلا عن مساحة حوارات ولقاءات بقدر كبير من الأهمية مع عدد من المسؤولين عن دول العالم، من قبيل: زكي يماني وزير النفط السعودي، الدكتور عكرمة مفتى القدس، مدير الفاو (المنظمة العالمية للأغدية والزراعة)، فضلا عن استجوابات عدة اجراها مع عدد من رؤساء حكومات المغرب ودول أجنبية. ويسجل عن مساحة ما انفتح عليه مهنيا من برامج تلفزية كانت ذات صدى، إنجازه أول برنامج وثائقي مطول عن الفلاحة بالمغرب سنة 1985، وأول برنامج وثائقي عن أقاليم المغرب الجنوبية الصحراوية خلال نفس السنة، فضلا عن إنجاز أول روبورتاج وثائقي حول المؤهلات السياحية والاقتصادية عن غرب الجزائر وشرق المغرب سنة 1989، إثر حدث فتح الحدود بين البلدين الشقيقين الجارين. وأما عن أنشطته الاعلامية خارج البلاد فقد مثل المغرب في معارض دولية عدة (فرنسا، المانيا، اسبانيا..)، فضلا عن زيارة عمل لغزة الفلسطينية سنة 1989 بمناسبة تدشين مطار بناه المغرب بها علي نفقته. والى جانب هذا وذاك من مساره المهني التلفزي، ترأس مصلحة الأخبار لمدة عشر سنوات، مثل خلالها المغرب في عدد من المواعيد والتظاهرات الاقتصادية الوطنية والدولية، من قبيل تغطيته أول مؤتمر عالمي للماء فضلا عن إعداده لمساحة هامة من الاستطلاعات حول سدود المغرب. ناهيك عن روبورتاجات عدة حول البيئة وحمايتها والسكن ومحاربة دور الصفيح، التي كانت تازة سباقة للتخلص مما كان بها من مشهد معبر، ولعله الاشتغال والورش الذي مُنح على إثره المغرب الجائزة العالمية لمحاربة مدن الصفيح بريو دي جانيرو بالبرازيل. مع أهمية الإشارة لِما اشتغل عليه بشكل مواز من تعاون كمراسل مع تلفزات دولية من قبيل التلفزة السعودية لمدة ثمان سنوات.
ذلكم هو ابن تازة البار”أبو بكر شيبوب” الاعلامي الذي بماض وصورة تحفظها ذاكرة القناة الأولى المغربية، وقد أعطى من موقع مساره المهني الكثير من حيث الإغناء والاضافة والتجويد والمواكبة على امتداد حوالي الأربعة عقود من الزمن. ولعله من مواليد خمسينات القرن الماضي عن أسرة تازية محترمة شهيرة بالمدينة وقد ارتبطت بمجالها العتيق (تازة العليا). مع أهمية الاشارة الى أنه كان بموهبة مبكرة صوب عالم الصحافة، لِما طبعه منذ طفولته من حب استطلاع وبحت واكتشاف عندما راسل سفارات معتمدة بالمغرب وهو لا يزال تلميذا بالمدرسة الابتدائية بتازة، مستهدفا منها حصوله على معلومات للتعرف على بلدانها.
هكذا “أبو بكر شيبوب” حفظه الله وبارك عمره، واحدا ممن بصموا بإطلالتهم وعملهم مشهد مغرب السمعي البصري ذات يوم، ضمن ثلة ممن صنعوا وأثثوا مجد هذه المؤسسة الوطنية من صحفيين ومخرجين وتقنيين ومنتجين ومقدمي برامج ومذيعين باللغة العربية والفرنسية والاسبانية والامازيغية، منهم من هم خريجي المعهد الوطني ومنهم من التحق عن كليات من هنا وهناك على تباين تخصصاتهم، جميعهم تعاقبوا واسهموا بما اسهموا خدمة للإذاعة والتلفزيون الوطني، ولا شك انهم راكموا ما راكموا من تجارب ومهارات ومن ثمة ارشيفا اذاعيا وتلفزيا بقدر كبير من الأهمية، من حيث ما انتج من ذخيرة عمل صحفي واذاعي وادبي وفني وثقافي. ولعل هذا السلف الوطني الاعلامي ممثلا في الأستاذ والصحفي التلفزي “أبو بكر شيبوب”، يقتضي أن يكون بفكرة عنه لدى الناشئة والاجيال الجديدة بما فيها الإعلامية التي التحقت خلال العقدين الأخيرين بالمجال، ومن اجل ما ينبغي من تلاقح أولا ومن حفظ لذاكرة جماعية فضلا عن تعريف هنا وهناك بهم وبأعمالهم وتجاربهم من برامج إذاعية وتلفزية رائدة يعود فضلها لهم وقد كانت بما كانت من صدى وأثر تكوين وتثقيف وتربية وتنشئة للمجتمع. يصعب القفز عليها وعلى اسمائها عند كل حديث يهم تاريخ وذاكرة الإذاعة والتلفزة المغربية، التي كانت جزءا لا يتجزء من نبض المجتمع المغربي وزمنه الجميل منذ شاشته التي بالأبيض الأسود الى زمن الألوان. ولعل الإذاعة والتلفزة في ستينات وسبعينات وثمانينات وحتى تسعينات مغرب القرن الماضي، كانت مدرسة فضلا عن مصدر وتعلم وتعليم وتثقيف وتحسيس وتوعية وإنس ومعرفة، وهو ما افتقدت نصيبا معبرا منه لأسباب عدة ومتداخلة ضمنها ما هناك من تدفق رقمي وتكنولوجيا تواصل كاسحة.
ومن باب تأمل مَن مِن جيل مغرب الأمس القريب، لا يحضر في ذاكرته عن الإذاعة الوطنية والتلفزة المغربية (القناة الأولى)، اسم وصورة عدد من أعلامها المحترمين وهم بالعشرات وقد ابلوا البلاء الحسن طيلة مسارهم المهني خدمة وارضاء للمستمعين والمشاهدين، من قبيل على سبيل الذكر محمد الجفان، محمد المودن، عبد الحفيظ الرفاعي، عبد السلام الصفريوي، مصطفى العلوي، محمد الزايدي، سعيد الجديدي، ثم ابوبكر شيبوب، وقبل هؤلاء عن التلفزة الوطنية لطيفة القاضي ولطيفة الفاسي وبديعة ريان وغيرهم كثير، وعن الاذاعة الوطنية واصواتها المميزة امحمد البوكيلي، الحسين العمراني، سمهان عمور، رشيد الصباحي، محمد الغيداني، محمد السباعي، السيدة ليلى، وغيرهم وغيرهن من صحافيين وصحافيات من يستحق الفخر، لما كانوا عليه من تضحيات وصبر وعطاء واخلاقيات وكفاءة مهنية وثقافة وقدرة تواصل وابداع وتفاعل برامجي حول هذا وذاك من قضايا المجتمع. وقد ارتأينا من بين هؤلاء المحترمين عن أمس اسرة الإذاعة والتلفزة المغربية، إلتفاتة متواضعة تعلق الأمر فيها ب المقتدر “أبو بكر شيبوب” عن القناة الأولى، الذي يستحق ومعه رفاق دربه الاعلامي من الرواد كل ذكر واحتفاء وتكريم. ونعتقد ان الاحتفاء بهؤلاء رمزيا بمؤسستهم بهذا الأسلوب أو ذاك أمر مهم، انما تكريمهم والتعريف بهم وحضنهم بمدن انتمائهم ومسقط رأسهم حيث انطلاقتهم الأولى أمر أكثر أهمية وتأثيرا، من خلال استحضار عطائهم وتدفقهم وشبابهم وتميز اسهاماتهم وتقاسم تجربة نجاحهم وخبرتهم، ذلك الذي لا شك أنه بأثر في التنمية المحلية عبر تثمين ذاكرة المدينة من خلال مواردها البشرية وكفاءاتها التي برزت في مختلف المجالات إن داخل البلاد أو خارجها.
*رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث



تعليقات الزوار ( 0 )