يقدّم الدكتور عبد القادر نعناع في كتابه «إيران: انهيار في الداخل – دراسات في تفكك البنى الداخلية للدولة الإيرانية» إطارًا تحليليًا معمقا لفهم طبيعة النظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 إلى اليوم، منطلقًا من فرضية مركزية مفادها أن النظام الذي تأسس على دمج السلطة السياسية بالمرجعية الدينية المطلقة يحمل في بنيته الداخلية عناصر التفكك والانهيار. فالكتاب لا يكتفي برصد الأزمات الظرفية، بل يسعى إلى تفكيك الجذور البنيوية التي جعلت الدولة الإيرانية عاجزة عن التحول إلى كيان مؤسساتي مستقر وقابل للاستدامة.
ويعتمد الأكاديمي السوري على تراكم بحثي امتد لأكثر من عقد، مستندًا إلى مؤشرات دولية، وقياسات كمية، وتقارير صادرة عن مؤسسات اقتصادية وحقوقية، ليؤكد أن إيران أخفقت في عقلنة نظامها السياسي، ولم تستثمر الفرص التي أتاحها الاتفاق النووي لإعادة بناء الداخل، بل واصلت سياسات عمّقت هشاشتها الداخلية وأدخلتها في دوامة متصاعدة من الاضطراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
الجذور البنيوية للأزمة: مأزق الشرعية وبنية السلطة
يفتتح الكتاب بتحليل الأساس السياسي للنظام الإيراني، مبرزا أن مبدأ ولاية الفقيه خلق أزمة شرعية دائمة، نتيجة الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية من دون آليات فصل أو توازن. هذا الدمج، كما يوضح نعناع، أفرغ المؤسسات الرسمية من استقلاليتها، وجعل القرار السياسي يدور حصريًا في فلك المرشد، ما عطّل مبدأ المحاسبة وأنتج صراعات مستترة داخل بنية الحكم نفسها.
ويبيّن الكاتب أن الفصل بين السلطات ظل شكليًا، وأن المركزية المفرطة حالت دون نشوء مشاركة سياسية حقيقية. كما يتوقف عند أزمة العمل الحزبي، حيث بقيت الأحزاب ضعيفة ومقيّدة، فيما جرى تحجيم المعارضة وإفراغ المجتمع المدني من أدواره الرقابية والتعبيرية. ويؤكد أن هذا الواقع عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وأضعف أي إمكانية لبناء عقد اجتماعي متوازن.
الهوية والأقليات: صراع المركز والأطراف
يولي نعناع اهتمامًا خاصًا لمسألة الهوية في إيران، موضحًا أن النظام عزز هوية مذهبية أحادية على حساب التعدد الإثني والديني الذي يميّز المجتمع الإيراني. هذا التوجّه، بحسب الكاتب، ولّد صراعًا متزايدًا بين المركز والأطراف، خاصة في المناطق ذات الغالبية السنية أو الإثنية، حيث تصاعدت مطالب الاعتراف والتمثيل، بل وحق تقرير المصير.
ويرى نعناع أن الدولة الإيرانية فشلت في استيعاب هذا التنوع ضمن إطار وطني جامع، واختارت بدل ذلك سياسة الإقصاء والضبط الأمني، ما أسهم في إنتاج احتقان اجتماعي دائم، وجعل الاستقرار هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.
الصيرورة الداخلية: التنمية المعطوبة والعقوبات
ينتقل الكتاب إلى تحليل البعد الاقتصادي والتنموي، مبرزًا أن إيران لم تنجح في تحقيق تنمية متوازنة أو مستدامة. فمؤشرات الدخل، والإنفاق العام، والبطالة، والرضا الاجتماعي، تكشف جميعها عن أداء ضعيف للدولة، انعكس مباشرة على شرعية النظام. ويؤكد نعناع أن الفشل التنموي لم يكن نتيجة العقوبات فقط، بل نتاج خيارات داخلية وسياسات ريعية وهيمنة مؤسسات غير خاضعة للمساءلة، وعلى رأسها الحرس الثوري.
وفي هذا السياق، يحلل الكاتب أثر العقوبات الدولية، موضحًا أنها عمّقت الأزمة الاقتصادية، لكن رفعها الجزئي بعد الاتفاق النووي لم يُستثمر في إصلاح الداخل، بل وُجّه نحو تعزيز النفوذ الإقليمي والتدخلات الخارجية. ويخلص إلى أن الاتفاق النووي شكّل فرصة ضائعة لعقلنة النظام والانفتاح على المجتمع الدولي، لكنه تحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الاختلالات نفسها.
الاتفاق النووي والحرس الثوري: فرصة مهدورة وأزمة متجددة
يفرد نعناع فصلًا لتحليل تداعيات الاتفاق النووي والانسحاب الأمريكي منه، مبرزًا أن الأثر الاقتصادي للاتفاق ظل محدودًا، وأن العقوبات الجديدة كانت أكثر قسوة وتأثيرًا. كما يتوقف عند تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، معتبرًا أن هذا القرار ضرب أحد أعمدة النظام، وقيّد قدرته على المناورة، لكنه في الوقت نفسه لم يدفعه إلى مراجعة خياراته الاستراتيجية.
ويرى الكاتب أن العلاقة بين مراكز القوى داخل النظام مرشحة لمزيد من التوتر، في ظل تضارب المصالح بين المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، وبقايا التيار الإصلاحي، ما يجعل الاستقرار الداخلي أكثر هشاشة.
الآفاق المستقبلية: سيناريوهات التفكك أو إعادة التأسيس
في استشرافه لمستقبل إيران، يخلص نعناع إلى أن استمرار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يفتح الباب أمام سيناريوهات تفكك الدولة أو انهيار نظام الملالي بصيغته الحالية. ويؤكد أن صراع الهويات المحلية غير قابل للحل ضمن نموذج الدولة المركزية العقائدية، وأن الأقليات ستواصل الضغط من أجل حقوقها السياسية والثقافية.
ويرى أن أي تسوية مستقبلية حقيقية تستلزم إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، وتوسيع المشاركة السياسية، وتحقيق تنمية عادلة. ويشدد على أن الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو تقنيًا، بل يجب أن يكون شاملًا يمس بنية النظام ذاته.
قيمة الكتاب وأهميته
تكمن أهمية كتاب «إيران: انهيار في الداخل» في قدرته على تقديم قراءة شاملة للأزمة الإيرانية، بوصفها نتاجًا لتراكم بنيوي طويل، لا مجرد انعكاس للعقوبات أو للصراع مع الخارج. فهو يجمع بين التحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويقدّم للقارئ إطارًا لفهم تعقيدات الداخل الإيراني واستشراف مآلاته.
وبهذا المعنى، يشكّل الكتاب مرجعًا أساسيًا للباحثين وصناع القرار والمهتمين بشؤون الشرق الأوسط، لما يتيحه من فهم أعمق لطبيعة النظام الإيراني، وللتحديات التي تواجه المجتمعات الواقعة تحت أنظمة مركزية مغلقة. كما يفتح أفق التفكير في أن الأزمة الإيرانية، رغم عمقها، قد تمثّل فرصة تاريخية لإعادة صياغة المشروع الوطني على أسس العدالة والديمقراطية والتعددية.



تعليقات الزوار ( 0 )