ليس من اليسير مقاربة تجربة فكرية لا تُعطي نفسها في هيئة خلاصات جاهزة، ولا تُغري القارئ بإجابات سريعة، بل تُلزمه بأن يشارك في إعادة بناء السؤال قبل أن يطلب الجواب؛ ذلك هو المدخل الأصدق لفهم مشروع الدكتور خالد حجي، الذي يتحدد تميزه لا بكمّ ما يطرح من موضوعات، بل بالكيفية التي يعيد بها ترتيب شروط النظر إلى هذه الموضوعات.
إن جوهر هذا المشروع يقوم على تحرير العقل من أوهام تبدو في ظاهرها بديهيات: وهم الحياد في المعرفة، وهم الموضوعية المطلقة للعلم، ووهم مركزية سردية واحدة للعالم. فخالد حجي لا ينشغل بنقد نتائج هذه الأوهام بقدر ما يتجه إلى تفكيك البنية التي أنتجتها، حيث تتحول المفاهيم نفسها إلى موضوع للمساءلة، لا مجرد أدوات للتحليل.
وحين يتناول مسألة الغرب، فإنه لا يقف عند ثنائية الرفض أو التبني، ولا يتعامل معه بوصفه كيانًا خارجًا يمكن الحكم عليه من مسافة، بل يتعامل معه بوصفه نظامًا لإنتاج المعنى، يمتلك القدرة على تعريف العالم، لا فقط وصفه. ومن هنا يتبدل السؤال: ليس ما موقفنا من الغرب، بل كيف صيغت المفاهيم التي نُدرك بها أنفسنا والآخر؟ ومن الذي يملك سلطة تعريف “العلم” و“التقدم” و“المركز” و“الهامش”؟
هذا التحول في زاوية النظر هو لبّ مشروعه؛ إذ ينتقل بالنقاش من مستوى المواقف إلى مستوى البنيات. فلا تعود الهيمنة عنده مجرد تفوق تقني أو سياسي، بل تصبح قدرة على احتكار السرد، وعلى فرض نموذج واحد لفهم التاريخ والمعرفة. وهنا يتجلى تميزه: إذ لا يواجه هذه الهيمنة بخطاب احتجاجي، بل بتفكيك هادئ لأدواتها، كاشفًا أن السيطرة تبدأ من اللغة قبل أن تصل إلى الواقع.
ومن هذا المنطلق، يعيد ربط المعرفة بالسلطة في تحليل دقيق لا يُسقط العلم في التهمة، ولا يرفعه إلى مقام الحياد المطلق. فهو يرى أن العلم، في بعض سياقاته، يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل العالم وفق منطق معين، لا مجرد وسيلة لفهمه. وهذا الإدراك لا يقود إلى رفض العلم، بل إلى مساءلة شروط إنتاجه: من يموله؟ من يوجهه؟ ومن يحدد أولوياته؟
غير أن هذا التفكيك لا يقف عند حدود النقد، بل يفتح أفقًا لإعادة البناء. وهنا يتقدم البعد الثاني في فكره: إعادة وصل المعرفة بالأخلاق. فهو يرفض اختزال العلم في بعده الوظيفي، ويرى أن انفصاله عن أفقه القيمي هو بداية تحوله إلى قوة فاقدة للبوصلة. ومن ثم يطرح سؤالًا يتجاوز اللحظة التقنية: هل يمكن للمعرفة أن تبقى إنسانية إذا فقدت علاقتها بالقيم التي تضبطها؟
ولا يقدَّم هذا السؤال في صيغة تقريرية، بل في سياق تحليل يكشف أن الأزمة ليست في التقدم ذاته، بل في التصور الذي يوجه هذا التقدم. فالمشكلة لا تكمن في امتلاك الأدوات، بل في تحديد الغايات. ومن هنا يصبح تحرير العقل، عنده، تحريرًا من وهم أن التقنية كافية بذاتها، ومن وهم أن التقدم المادي يمكن أن يعوّض غياب المعنى.
ويكتسب هذا التصور عمقًا إضافيًا في اشتغاله على “الجيو-شاعرية”، حيث يعيد الاعتبار للعلاقة بين الإنسان والمكان بوصفها علاقة إنتاج للمعنى، لا مجرد علاقة استعمال. فالمكان، في هذا الأفق، ليس إطارًا محايدًا، بل حامل لذاكرة وتجربة ورمز، يكشف حدود الرؤية التي تختزل العالم في بعده المادي. ومن هنا كان اهتمامه بتجربة الصحراء، لا بوصفها موضوعًا أدبيًا، بل كأفق يختبر فيه الإنسان معنى الوجود خارج مركزية السيطرة.
كما يتجلى تميزه في قدرته على استشراف التحولات المعاصرة دون الوقوع في الانبهار أو الرفض. فحين يتناول الذكاء الاصطناعي، لا ينظر إليه كأداة تقنية فحسب، بل كتحول في بنية الهيمنة نفسها؛ حيث يصبح من يملك الخوارزمية قادرًا على إعادة تنظيم المعرفة، وتوجيه السلوك، بل وإعادة تشكيل الواقع. وهنا يتجدد السؤال القديم في صيغة جديدة: هل ما نملكه من أدوات يحررنا، أم يعيد إنتاج تبعيتنا في صورة أكثر تعقيدًا؟
ومن خصائص هذا الفكر أنه لا يستقر داخل ثنائيات جاهزة. فهو لا يقف في موقع الدفاع عن تراث مقابل حداثة، ولا في موقع التبني غير المشروط لنموذج معين، بل يشتغل على إعادة ترتيب العلاقة بين المفاهيم. ولذلك يصعب تصنيفه ضمن تيار محدد، لأنه يشتغل في المنطقة التي تسبق التصنيف، حيث تُعاد صياغة الأسئلة نفسها.
ويفسر هذا أيضًا موقعه الخاص داخل الحقل الثقافي؛ إذ لا يسعى إلى الحضور السريع ولا إلى الانتشار الواسع، بل يراهن على بناء مسار فكري يحتاج إلى قارئ يشاركه الجهد. وهذا ما يجعل حضوره أقل كثافة في التداول، لكنه أكثر رسوخًا في مستوى التأثير العميق.
إن خالد حجي، في نهاية المطاف، لا يقدّم فكرًا جاهزًا للاستهلاك، بل يفتح أفقًا لتحرير العقل من أوهامه، لا بإلغائها دفعة واحدة، بل بكشف بنيتها وإعادة ترتيب شروط النظر إليها. وهو بذلك ينقل النقاش من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل، ومن نقد العالم إلى نقد الأدوات التي نُدرك بها هذا العالم.
وهنا يضعنا مشروعه أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها:
هل نستطيع أن ننتج معرفة خارج الشروط التي صاغت وعينا بها؟
وهل يمكن للعلم أن يستعيد معناه الإنساني دون أن يفقد قدرته على الفعل؟
ثم أخيرًا: هل تحرير العقل يبدأ من تغيير الواقع، أم من تفكيك الأوهام التي تجعلنا نراه على نحو واحد؟






تعليقات الزوار ( 0 )