في هذا الحوار، والذي نعده تاريخيا مع شخصية تاريخية، يتحدث نورالدين بلالي الإدريسي عن الإرهاصات الأولى لنشأة البوليساريو والتي كانت ولادتها مغربية خالصة، حيث انطلقت مع محمد سيدي إبراهيم بصيري، والذي ينحدر من بني ملال حيث كان والده شيخ الزاوية بني عياط والتي لا تزال قائمة إلى حد الآن، ووصل بصيري مدينة السمارة وبدأ يُدرس القرآن كغطاء وفي نفس الآن شرع في تأسيس الخلايا الأولى لما سمى “تحرير الصحراء”، والتي أطلقت عليها إسبانيا فيما بعد اسم “الحزب المسلم”، وفي عام 1970 اكتشفت السلطات الإسبانية حركة بصيري وتعرضت لضربات متتالية فيما يعرف بـ”عملية الزملة” ثم أحداث مظاهرات طنطان 1972 والتي طالبت باسترجاع الصحراء للمغرب ورفعت فيها شعارات موالية للمغرب.
الحوار سيتطرق كيف استطاعت البوليساريو أن تغتصب قرار الصحراويين بداية مع سحب المشروعية من شيوخ القبائل والتنكر للمؤسس، سيدي إبراهيم بصيري، والذي لم تطالب به البوليساريو في صفقة تبادل الأسرى مع الإسبان خوفا من الكاريزما التي يتمتع بها الرجل.
الحوار عرج على الدعم الليبي الهائل على عهد العقيد معمر القذافي ودور الفقيه البصري في ربط الولي المصطفى السيد بالليبيين، ثم التخلص من المؤسسين المغاربة وفرض محمد ولد عبد العزيز من قبل النظام الجزائري.
نورالدين بلالي يشرح بالتفصيل، ضمن هذا الحوار، أسباب وتداعيات انتفاضة 1988 داخل المخيمات والتي لم يستفد منها المغرب للتخلص من البوليساريو، وكذا لقائه مع الفقيه البصري في ليبيا والذي طلب من البوليساريو الاستفادة من أراضي “محررة” لضرب المغرب، كما يحكي، أيضا، عن لقائه مع الشيخ عبد الكريم مطيع في ليبيا وتدريب عناصر من الشبيبة في المخيمات.. وأشياء أخرى تكتشفونها ضمن هذا الحوار الشامل مع أحد مؤسسي جبهة البوليساريو الانفصالية.
إليكم الحلقة الثالثة من الحوار ..

الأمين العام الحالي، أي محمد عبد العزيز كان مفروضا من لدن الجزائر؟
هذا مما ليس فيه شك.
وما مصلحة الجزائر في أن تفرض محمد عبد العزيز أمينا للبوليساريو؟
هذا يرجع إلى وجوده أغلبية قبيلته في تندوف، كما أسلفت، وكان مسؤولا عن فرع البوليساريو في تندوف. وقد يكون تم تأطيره من قبل الجزائريين، لأن وجوده في اللوائح البلدية قد يكون عنصرا سلطويا عليه من الناحية المعنوية للجزائر، والعنصر الثاني أن 90% من قبيلته موجود في تندوف، فالجزائريون اختاروا العنصر الممسوك جزائريا كي يتحكموا فيه وليس كباقي الآخرين الذين ينحدرون من قبائل الصحراء الأخرى.
بصفتك مسؤولا دبلوماسيا سابقا عن جبهة البوليساريو في ليبيا كيف تقيم الدعم الليبي بنظيره الجزائري، ولماذا كان الدعم الليبي أكثر من الدعم الجزائري؟
كما تعلم وبدون شك أن القذافي يرأس بلدا صغيرا من ناحية عدد السكان، وغني من ناحية الثروة، ثانيا أن القذافي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري وكان هناك مجلس قيادة الثورة فتم القضاء عليه وانفرد بالقيادة بعدما قضى على الجميع، وأراد أن يحل محل هذا بالتدخل في مختلف أماكن العالم، عبر محاولته في إشغال الدول المؤثرة بمشاكل حول الحدود، ولهذا فالصراع في الصحراء كان ما بين المغرب والجزائر، وليبيا رأت أن إشغال الجزائر عنها في صراع مع حدودها مع المغرب، فكل ما ضعف الدعم الجزائري أعطت ليبيا الدعم لتشعل الحريق أكثر لمزيد من إشغال الجزائر وتوريطها في مشاكل في حدودها مع المغرب.
والنقطة االثالثة أن قيادة البوليساريو تبنت مجموعة من شعارات القذافي مثل : اللجان الشعبية والمؤتمر الشعبي العام والمؤتمرات الشعبية الأساسية … وهذا كان إغراء أكثر للقذافي من قبل البوليساريو أن تتبني النظرية العالمية الثالثة والكتاب الأخضر وإيديولوجيته، وهذا جعل القذافي رحمة الله عليه يعتبر أن البوليساريو مولدا ليبيا تابعا للقذافي يتبنى نظريته وفكره.. من هذا القبيل القذافي اعتقد أنه وجد حركة تتبنى أفكاره في العالم وكان مدفوعا بهذا الوهم.
والنقطة الرابعة أن القذافي جاء إلى موريتانيا عام 1972 وطالب برحيل الاستعمار الإسباني عن الصحراء وتحريرها، ووجود البوليساريو كان بعد شهور بقليل وكأن البوليساريو حققت ولبت رغبته، لاسيما أن القذافي كان يتوهم أنه يحرك العالم مثل جمال عبد الناصر، يلقي خطابا فتتجاوب معه الجماهير، وهذا كان حلم القذافي، وفعلا فأول دعم متطور في السلاح جاء من ليبيا، والتدريب الذي قدمته ليبيا لم يقدمه أي طرف، واستقبال الأطفال للدراسة بأعداد كبيرة تجاوز عددها 4 آلاف تلميذ، ناهيك عن المتدربين والذين بلغ عددهم 5 آلاف متدرب عسكري في مجالات البحرية والسلاح الجوي والطيران والصواريخ والدبابات..
كما أن الدعم الليبي شمل عدة مجالات فالسلاح الذي قدمته ليبيا إلى البوليساريو بلغ مداه صواريخه 22 كلم (صواريخ ارك استطالين)40 فوهة، وأما الجزائريون فكانوا يقولون بأننا لا نستطيع أن نحمي هذا السلاح، ويقولون أيضا بأنهم حرروا الجزائر بـ”المكحلة” فيجب علينكم أيضا أن نحرر الأرض بنفس السلاح. والمكحلة هي البندقة الارتدادية البسيطة.
وأما الليبيون فكانوا أسخياء في الدعم، سخاء هائل لا يتصور، وأنا أتذكر قوافل أولها في حدود الجزائر وآخرها لم يخرج بعد من طرابلس، قوافل عسكرية سيارات مصفحة وصهاريج لحمل الوقود وسيارات لاندروفر وصواريخ سام والذخائر بكميات لا تتصور، ناهيك عن تكوين الإطارات في إدارة الحرب وبعد ذلك دخلت دول أخرى مثل كوبا ويوغسلافيا وكوريا.
والبوليساريو في الحقيقة بناها الدعم والمال الليبي. الليبيون كانوا أسخياء معها أكثر من الجزائريين الذين كانوا يعطوننا الوقود لنصل إلى الحدود لنقاتل ونموت. فقط. تأمل. فالجزائريون أعطونا الأرض و كانوا يعتبرون البوليساريو ولاية جزائرية يمنحوها ما تحتاجه أية ولاية، نحصل علي دعم وميزانية ولاية عسكرية جزائرية.
الدعم الليبي كان أكبر من دعم جميع البلدان المتعاطفة معكم بما فيها الجزائر؟
في عام 1975 كانت مساعدات تصل عبر القوافل من طرابلس إلى مخيمات تندوف…
عبر الجزائر؟
هناك طريق معبد من طرابلس إلى مخيمات تندوف، طريق godronnée عبر وركلة وبشار وصولا إلى تندوف، و البداية ساعدتنا ليبيا إعلاميا، فوفرت أول صوت إذاعي للبوليساريو في طرابلس هو برنامج الساقية والودي علي طريق الحرية في إذاعة صوت الوطن العربي، وأنا كنت أذيعه في إذاعة صوت الوطن العربي، ثم التدريب العسكري في مختلف التخصصات، وفي سنة 1976 استقبلت أول وحدة للضفادع البشرية، الفدائيون الغواصون الذين يتنقلون عبر البحر، وكان التدريب على المدفعية والصواريخ والطيران.. تصور 700 سيارة تأتي إلى تندوف دفعة واحدة، وباخرة كبيرة تقضي 25 يوما في الشحن كلها مساعدات من الإبرة حتى الصاروخ، فالدعم الليبي كان شاملا في مختلف المجالات.
ماذا كانت القيادة الليبية حينذاك تريد من جبهة البوليساريو، وماذا كنتم أنتم تريدون من القيادة الليبية بالإضافة إلى الدعم الشامل، فهل كنتم حقا تتبعون أفكار القذافي بحيث أنكم أطلقتم أسماء اللجان الشعبية والمؤتمر العام والأمين العام بدل المحافظ الموجودة في الجزائر؟
البوليساريو أرادت أن تصطاد الدعم الليبي ونقلت التسميات الليبية في التنظيم السياسي، وكنا نضحك على القذافي حقيقة، فجبهة البوليساريو تراعي مشاعر الجزائر أكثر في مواقفها الحقيقية، ولكن التسميات لجلب عطف القذافي ليقدم الدعم، و يقال إن الدعم الليبي جاء كي يساعد الجزائريين لتخفيف العبء.
وهنا أحكي لك واقعة أتذكرها..
تفضل..
مرة كنت ذاهبا على طائرة ليبية 130 محملة بالصواريخ من طرابلس لتندوف، وحين وصلنا إلى مدينة بشار أرغمنا الجزائريون للنزول بحجة أن المناخ في تندوف غير مناسب، والطيار الليبي قال لنا بأن الطائرة باستطاعتها أن تنزل تحت كل الظروف المناخية وفي جميع الأماكن، ولكن الجزائريين أرغمونا على النزول، والرائد قال بأنه يلزمه بأن يرد السلاح إلى طرابلس لأن القيادة طلبت منه أن يوصله إلى تندوف، وقلت له لمن ستوصل هذا السلاح أجاب: إلي البوليساريو، فأخبرته بأني عضو قيادة البوليساريو، وقلت له: أعطيك ما يثبت استلام السلاح منك وألتزم لك أنه سيصل وجهته. وكان دافعي هو أن لا تكون هناك أزمة بين ليبيا والجزائر، لأن خلافات البلدين نحن من سندفع فاتورتها، والدعم الليبي سينقص طبعا. ووقعت له كوني ممثل المكتب السياسي للبوليساريو واستلمت الشحنة، ولما أراد الطيار أن يقلع كان في حاجة إلى الوقود، وطالبه الجزائريون بالأداء بالدولار، فقال لهم بأن هذه طيارة عسكرية ولا يتوفر على الدولار، وذهبت عند المسؤول العسكري في المطار وقلت له إني أريد منه كمية من “الكيروزين” (وقود الطائرة)، وأعطاني الكمية التي تحتاجها الطائرة باعتباري عضو المكتب السياسي في البوليساريو، وتحملت المسؤولية في تسلم الصواريخ من الليبيين والوقود من الجزائريين، ولما أقلعت الطائرة قلت للجزائريين بأن مهمتي انتهت فها هو السلاح عندكم الآن وأنتم تتحملون المسؤولية، خذوه أو أرسلوه إلى تندوف. وواصلت طريقي إلى طرابلس، والشحنة وصلت بعد ذلك كما بلغني من تندوف.
فالجزائريون كانوا يريدون مراقبة الشحنات القادمة من طرابلس ومعرفة نوع السلاح والذخيرة وكانوا يريدون أن يكون كل شيء تحت مراقبتهم.
وقعت انتفاضة داخل المخيمات عام 1988، حبذا لو تحدثنا عن هذه الانتفاضة من حيث أسبابها وتداعياتها على قيادة الجبهة؟
هذه الانتفاضة وقعت بسبب مجموعة من العوامل مباشرة معاشة داخل المخيم، وهناك عوامل غير مباشرة كانت تراها فقط النخبة المشاركة في الانتفاضة.
سنة 1988 رافقها مناخ دولي بدأت فيه الإرهاصات الأولى للاتحاد المغاربي تتشكل، وكانت البداية في الجزائر لقاء “زرالدا” التمهيدي و لقاء مراكش بعد ذلك بشهور، والإرهاصات الأولى للوحدة اليمنية وبداية تفكيك حائط برلين والبروستريكا الروسية من أجل الديمقراطية الأوربية، والتمهيد للاتحاد الأوربي أيضا، وبدأت تكتلات جغرافية تظهر هنا وهناك، وارتأت مجموعة من الأطر السياسية والثقافية في البوليساريو أنه يجب التحرك مادام الاتحاد المغاربي سيقوم من الأفضل أن نبحث عن حل وننقذ ما يمكن إنقاذه أفضل من الضياع.
أنتم طرحتم حلا للخروج من حالة الانحصار التي فرضتها عليكم الظروف الدولية والإقليمية، أو هكذا كنتم ترون؟
طرحنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، استشعرنا أننا وصلنا للحائط المسدود، وهذا لا يخدم القضية في شيء، وكنا نرى أنه لابد من البحث عن حل يخرج الصحراويين من المعاناة ما دامت المنطقة تسير في اتجاه توجه وحدوي.
و على المستوى الداخل بالمخيمات، فالقيادة راكمت أخطاء كثير وأقامت ديكتاتورية فظيعة كنا نسميهم بقرات الهند المقدسة، يعني لا يحاسبون على أخطائهم ولا يُسألون وهم ملوك غير متوجين يفعلون ما يريدونه دون حسيب ولا رقيب، لأنه وكما يقال كثير من السلطة مثل الكثير من الخمر، من شرب الكثير من الخمر يسكر ويفقد توازنه، ومن تمتع بالكثير من السلطة والصلاحيات يسكر أيضا بالسلطة ويختل توازنه، وهذا ما وقع في قيادة البوليساريو، فكان صدام بين القيادة مع بعضها، وبينها وأعضاء المكتب السياسي وأعضاء الحكومة، فالجميع صار ضد اللجنة التنفيذية، كما أن الإطارات الأخرى كالمدراء في مختلف المؤسسات كانوا ضد اللجنة التنفيذية والتي تتكون من تسعة أعضاء، من بينهم عبد العزيز، وولد البوهالي، والبشير المصطفى السيد، وولد الليلي، وأيوب الحبيب، وبطل سيد أحمد ..
من هم الذين كانوا يطرحون حلا أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حسب تعبيرك؟
هم مجموعة من أعضاء الحكومة ومجموعة من أعضاء المكتب السياسي، من أمثال عمر الحضرمي والطالب عمر، وهو رئيس وزراء البوليساريو حاليا، ومنصور عمر، وهو ممثل البوليساريو في باريس، ولد بيون، وهو ممثل البوليساريو في مدريد، والنعمة الجماني وعبيدة الشيخ، أحد الوزراء في البوليساريو الآن، والبرزاني بوه، وكان واليا آنذاك، وحكيم إبراهيم، كان وزير الخارجية وواليا أيضا، ومجموعة من الأطر…
فنحن أردنا أن يحصر الصراع في إطار الهيئات، وطلبوا مني التوقيع من أجل الاستقطاب فطالبتهم أن يكون الصراع في إطار الحكومة والمكتب السياسي، والناس الآخرون سيستقيلون تضامنا، وقلت لهم وكان معي أحمد ولد سويلم: ليس من مصلحتكم أن نوقع معكم على الاستقالة.
السفير المغربي السابق في مدريد؟
نعم.
هل طلبتم بالاستقالة من مناصبكم؟
نعم، فالمجموعة استقالت من مناصبها القيادية في البوليساريو.
وهل قدمت أنت استقالتك؟
أنا في ذاك الوقت كنت مدير مدرسة 9 يونيو، ومع مجموعة من المدراء: مدير التجهيز ومدير الإذاعة ومدير الصحراء الحرة ومدير المالية ومدير الشرطة .. فجميع المدراء استقالوا بعد ذلك. ولكن في إطار لائحة المدراء. لأنهم وقعوا وثيقة مشتركة، وأما الهيئات القيادية فقد عددت الأخطاء التي ترتكبها القيادة. ومحمد سالم ولد السالك، وزير خارجية البوليساريو الحالي هو أيضا استقال. أنا ووزير خارجية البوليساريو الحالي كتبنا مذكرة الاستقالة وصغناها صياغة نهائية، وذهب هو شخصيا ليسلمها لأنه مستشار الرئيس، فالاستقالة كانت جماعية ومن جميع المهام السياسية.
ماهي أسباب الاستقالة؟
الديكتاتورية والأخطاء التي راكمتها القيادة، والفظائع الكثيرة دوناها في رسالة الاستقالة. ولكن كنا في الحقيقة نبحث عن مخرج حقيقي لمعاناة أهالينا.
وكيف كان رد القيادة على تقديم الاستقالة الجماعية؟
ردت بسجن جميع من وقع على طلب الاستقالة من جميع المهام المدنية والسياسية، فالاستقالة برأي القيادة كانت جريمة لأننا في وضع الحرب، كما قالوا، ولما تم الاعتقال قامت مظاهرات في المخيمات ومسيرات تندد بالقيادة وتتضامن مع المستقلين..
كم كان عدد المعتقلين؟
أنا تم اعتقالي ضمن الأطر، وكان عددنا 39 إطارا، والقيادة الثانية كان عددهم 10 أفراد تقريبا. هذا بالإضافة إلى مجموعة أخرى من العسكريين تقارب أربعين شخصا، ولكن كانت هناك مظاهرات عارمة في المخيمات ووقعت مئات الاعتقالات والتعذيب شملت حتى النساء.
وماذا كان رد قيادة البوليساريو على المظاهرات العارمة التي اجتاحت المخيمات؟
القيادة اضطرت أن تبادر إلى صلح تكتيكي مع المستقلين، وأجروا مفاوضات معنا بدعوى أن ما وقع هو سوء فهم ويجب التفاهم وأننا سنصلح خلافاتنا وننطلق انطلاقة جديدة، ولكن في نفس الوقت كانوا يهيؤون فيالق عسكرية أتوا بها عند مدخل كل مخيم لقمع الانتفاضة، وأغرونا بمناصب، لكنهم اختطفوا عمر الحضرمي لأنه كان يمثل رأس الحربة بالنسبة للمستقلين ويقمعوه حتى يخاف الباقي. وتم اعتقاله في مكان سري سبعة أشهر بالتمام والكمال في فيافي الصحراء وفي مكان غير معروف.
هل تعرض للتعذيب؟
قد يكون قد تعرض للتعذيب لأنه كان معتقلا في مكان سري بعيد عن المخيمات ومجهول، وباقي أفراد المجموعة استقالت من جديد واعتصمت، وكانت كل مخيمات البوليساريو مضطربة مدة سبعة أشهر، ما بين حي وحي داخل المخيم لا يستطيع أحد أن يتنقل إلا بإذن، وأصبحت البوليساريو خلال هذه المدة في حالة شلل كامل.
وهل تعرضت أنت للتعذيب؟
نعم لقد تعرضت إلى تعذيب وحشي، اذكر في البداية أخضعونا لتدريب قاس تم التركيز فيه على العناصر على إيقافنا في الساحة في مواجهة الشمس الحارقة ولمدة ساعات، وبعد ذلك قدمونا إلى لكتائب العساكر والجلادين، وكان عدد مجموعتنا في حدود 40 فردا، وكل فرد منا أحاطت به مجموعة من الجلادين يرفسونه بالأحذية وقبضات الأيدي وأعقاب البنادق حتى فقدنا الوعي وسالت الدماء من أجسادنا وتهشمت أسنان بعضنا وتكسرت بعض الأعضاء، ثم نقلونا إلى مستوصف يخدم فيه أطباء من كوبا..
هل تعرضتم للاستنطاق أم زجوا بكم في السجون مباشرة بدون تحقيق؟
بعد أيام العلاج أحالونا للاستنطاق تحت شعار أننا جزء من مؤامرة ضد الصحراويين، يقودها المغرب والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية وموريتانيا وإسبانيا، وخلال هذه الفترة اختاروا سبعة عناصر من بينهم أنا شخصيا وتقي الله ماء العينين، وبلاهي الخليفة، وإبراهيم السلام بوسيف من باب أننا نمثل العناصر التي يرون أنها أكثر خطورة، واعتقلونا في خيمة في صحراء بعيدة عن أي وجود بشري ومكثنا عدة أشهر، وبعد ذلك نقلونا إلى سجن انفرادي حيث ثم إخضاعنا للاستنطاق والتعذيب من أجل فرض علينا الاعتراف بالمؤامرة وباعتبارنا فاعلين فيها خصوصا وأنني كنت شخصيا منسق البوليساريو في مدينة الطائف السعودية خلال لقاء مع وفد مغربي، وأن ذلك الوفد المغربي أطرني وكلفني بمهمة تخريب الثورة الصحراوية من خلال التركيز على القبائل الكبرى في المخيمات من لبيهات الركيبات، وأولاد دليم، وأولاد تدرارين العروصيين، وأننا وزعنا مبالغ مالية كبيرة من الدولارات للتأثير على السكان، وأننا تولينا خياطة أعلام مغربية وإحضار صور الحسن الثاني، وأن كل هذه الأفعال عقوبتها الإعدام، وأنه علي الاعتراف عسى أن يكون ذلك من باب التخفيف.
من أجل نزع الاعتراف بالمنسوب لك من التهم، لابد من التعذيب، فما هي أساليب التعذيب التي تم نهجها معكم؟
استعملوا معي أساليب تعذيبية مثل التجويع لمدة متواصلة ومنع الماء عني، وصب الماء البارد علي طيلة شهور البرد الطويلة، وفي ظروف يصبح الماء متجمدا في الأواني، ناهيك على إخضاعي للوقوف مدة طويلة واقفا حتى ينزل الدم في أرجلي وأطرافي وتبقى في حالة انتفاخ شديد، والضرب بالحبال واللكم والسب وبأساليب رذيئة، والمنع من النوم المتواصل ليلا ونهارا لمدة طويلة.
وبعد ذلك قدموني وبعض رفاقي إلى أكثر من 3 آلاف جندي باعتبارنا مجرمين، وأنه علينا أن نقدم نقدا ذاتيا أمام هؤلاء العساكر، وطفقوا يرددون شعارات من قبيل: اقطعوا الرأس يذهب البأس، اقتلوهم، ويطالبوننا بشرح الخطة التي كلفنا بها المغرب، والبعض من الجنود يقولون: اتركوني أطلق عليهم النار..
هل كنت تعرف هؤلاء الجلادين أم أن أسماءهم كانت غير معروفة بالنسبة لك؟
أعرف المجموعة التي زجت بنا في السجون وكانت تشرف على التعذيب، وهم لمين ولد البهالي وزير الدفاع، وإبراهيم بيد الله، ومحمد لمين أحمد وبولسان السالك، وآخرون.
هل تقدموا بكم إلى محاكمة؟
ه محاكمة أشبه بمحاكم التفتيش في العصور الوسطى وهدفها الأساسي التشهير بالأفراد وتلويث سمعتهم أمام الجمهور وزرع الخوف في النفوس وتحويلها إلى ردع معنوي تستعمل فيه حشود كبيرة من الجمهور، فمن أراد إطلاق سراحه لأنه أظهر الكثير من الانكسار أمام هذا الجبروت يطلبون منه أن يقسم ألا يكرر مثل هذه الأفعال، وأنه كان مضللا ويطلقون سراحه بشرط أن يتعهد أن يقدم النقد أمام ساكنة المخيمات.
وكيف كان موقفك أنت، هل قدمت نقدا حتى يطلقوا سراحك؟
لم يقبلوا مني نقدا، واعتبروا كلامي غير مقبول وأعادوني للسجن والتعذيب، والمزيد من الاستنطاق حتى الدفعة الثالثة وأطلقوا سراحي وتم إرسالي إلى إحدى النواحي العسكرية تحت المراقبة، ثم بعد ذلك طردوني إلى الخارج رفقة المجموعة لإبعادنا عن الجماهير..
هل تتذكر أسماء الجلادين الذين أشرفوا على التعذيب؟
نعم، هناك خونا أمبارك، وكان آنئذ مديرا لسجن الرشيد سيء الذكر الذي قُتل به مئات الأبرياء وصار قبرا لسنوات عديدة للكثير منهم. ثم أبيش أبهي مدير مركزي في مخابرات البولساريو، والقرى عبد الودود مدير مركز سجون البوليساريو، وإبراهيم الليلي، شقيق محمد لمين أحمد، والذي قدم لي نفسه أنه من المخابرات الخاصة بالرئيس، وهو آنذاك قائد فيلق..
وما هي أماكن الاعتقال التي مررت بها بتندوف؟
في البداية تم اعتقالي بقاعدة الشهيد هداد، ثم في مكان في الخلاء غير معروف، ثم في القاعدة الخلفية للناحية الثانية…
طيب، بعض رفاقكم في انتفاضة 1988 هم الآن في أعلى هرم سلطة البوليساريو ومتحالفين مع من قمع انتفاضتهم واعتقلهم مثل الوزير الأول في البوليساريو ووزير الخارجية والممثل الحالي في إسبانيا والممثل الحالي في فرنسا؟ ماذا وقع بالضبط؟
لما تم إطلاق سراح عمر الحضرمي من السجن، ونظمت البوليساريو مؤتمرها الذي أعقب الانتفاضة وضمنت وصولها للسلطة اقترحت إبعاد العناصر الحية من الساحة، لأن الساحة أصبحت خطيرة بالنسبة لهم، وأي إطار يمكنه أن يحلل ويفهم الناس عما وقع يجب له أن يبعد إلى دولة أجنبية، فذهبوا بالحضرمي مباشرة من السجن إلى روما، ذهب مع عبد العزيز في مهمة، وفي الليلة التي قدم فيها من إيطاليا أرسلوه إلى واشنطن، ومجموعات أخرى منهم من تم إرساله إلى الهند وأنا أرسلوني إلى دمشق مرة أخرى.
وأتذكر أنني أثناء وجودي في الجزائر كي أتسلم رسالة اعتمادي من جديد في دمشق كان الحضرمي ذاهبا إلى إيطاليا رفقة عبد العزيز، وذهبت عنده وقلت له: لنعتبر أنفسنا مجموعة كانت تقاتل ودخلت في معركة وانهزمت، ولهذا يجب على كل واحد منا أن يبحث عن منفذ إلى أن نستعيد تجميع الصفوف بعد ذلك. وأما الآن لا يمكن أن يسمحوا لنا أن تنسق وأن يرى بعضنا بعضا، فقد أذلونا، وصرحوا في باريس بأنهم ضربوا الجناح المتشدد الذي يرفض الحلول السلمية، وقلبوا الحقائق..
وهل المجموعة الأخرى والتي لا تزال في القيادة الحالية هي أيضا تم إبعادها خارج المخيمات؟
نحن اعتبرنا أنفسنا وحدة قتالية فشلت في معركة وأي ثغرة وجدها أي واحد منا يمكن له الانسحاب، لأننا لن تتاح لنا أية فرصة للتجميع أو التنسيق، وعلى هذا الاعتبار كان الأفضل أن نبحث عن مخرج، ولما عدت والحضرمي للمغرب قال لهم عبد العزيز بأني، أنا والحضرمي، كنا ننسق مع المخابرات المغربية، وأننا استغلينا الجماعة للفتنة، وقال لهم هذي فرصتكم كي تبرهنوا على أن لا علاقة لهم بكم، ومنحهم مناصب مغرية بالرغم من أنهم كانوا في الصف الثاني أو الثالث، وأصبح منهم الوزير الأول ووزير الخارجية وقربهم منه.
يتبع




تعليقات الزوار ( 0 )