أخبار ساعة

00:37 - وهبي ودياز يرفعان التحدي قبل قمة فرنسا: “نحن أفضل من 2022 ولا نرضى بغير المربع الذهبي”00:19 - المونديال.. إنجاز رياضي أم رهان لبناء قوة ناعمة؟00:07 - دراسة علمية لموظفة بالمحكمة الابتدائية بمراكش تؤكد: الرقمنة مفتاح الإدارة القضائية الحديثة23:52 - توقيف 14 شخصا بتهمة تحويل محركات السيارات لـ”البوتان” وتعريض الركاب للخطر23:23 - ترامب يقرر شطب سوريا من قائمة الإرهاب21:48 - واشنطن تشن ضربات أوسع ضد إيران وطهران تعلن مقتل 8 عسكريين21:34 - أيوب بوعدي ينافس يامال ودويه على جائزة “أفضل لاعب شاب”20:56 - المصادقة النهائية على قانون الحيوانات الضالة.. غرامات للمطعمين والتحول نحو رعاية مؤسساتية20:21 - حجز 45 كيلوغراما من الكوكايين يستنفر أمن الدار البيضاء19:47 - شراكة مرتقبة بين الرباط وسيول.. رجل أعمال كوري يقود قاطرة التقارب الاقتصادي
الرئيسية » اقتصاد » المونديال.. إنجاز رياضي أم رهان لبناء قوة ناعمة؟

المونديال.. إنجاز رياضي أم رهان لبناء قوة ناعمة؟

لم يعد النجاح في بطولات كرة القدم يقاس بعدد الانتصارات والألقاب وحدها، بل أصبح معيارا لمدى قدرة الدول على تحويل الإنجاز الرياضي إلى نفوذ ثقافي وإعلامي ودبلوماسي يمتد أثره لسنوات.

وفي هذا السياق، يطرح المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة قراءة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، معتبرًا أن الرهان الحقيقي للمغرب لا يكمن في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى فقط، وإنما في استثمارها لبناء قوة ناعمة قادرة على تعزيز صورته الدولية وترسيخ مكانته الإقليمية والقارية.

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه المؤشرات إلى استقبال المملكة 19.8 مليون سائح سنة 2025، وتحقيق القطاع السياحي 138.6 مليار درهم من المداخيل، فيما بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 122 مليار درهم، بالتوازي مع احتلال المغرب المرتبة 50 عالميا والثالثة إفريقيا في مؤشر القوة الناعمة لسنة 2025، وهي معطيات يرى التقرير أنها تشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة.

ويعتبر التقرير، الموسوم بـ”المغرب والمونديال بين الإنجاز الرياضي والزخم الإعلامي وبناء القوة الناعمة”، أن استضافة المملكة لكأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة تاريخية تتجاوز تنظيم بطولة عالمية، لتصبح محطة مفصلية في إعادة تشكيل صورة المغرب دوليا، شريطة ألا يقتصر الاستثمار على تشييد الملاعب والطرق والمنشآت، بل يمتد إلى بناء سردية وطنية متماسكة، واستثمار الزخم الإعلامي والرقمي، وتعزيز القيم والهوية المغربية، بما يحول الرياضة إلى مشروع مجتمعي طويل الأمد يخدم التنمية والاندماج والانفتاح الدولي.

رهان استراتيجي

ينطلق التقرير من أطروحة مركزية مفادها أن كأس العالم 2030 يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد موعد رياضي أو مناسبة احتفالية عابرة، بل باعتباره فرصة استثنائية لبناء قوة ناعمة مستدامة، ترتكز على عناصر الجاذبية التي يمتلكها المغرب، وفي مقدمتها استقراره السياسي، وتنوعه الثقافي، وموقعه الجغرافي، وعمقه الإفريقي والمتوسطي، فضلا عن نجاحاته الرياضية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة.

وأكد على أن الاستثمار في البنية التحتية وحده، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيا إذا لم يصاحبه استثمار مواز في الإنسان والثقافة والإعلام والدبلوماسية، والصورة الرقمية للمملكة.

وأبرز أن التجارب الدولية أثبتت أن البطولات الكبرى تتحول إلى لحظات مفصلية في تاريخ الدول عندما تنجح في صناعة رواية وطنية تتجاوز المنافسة الرياضية، فالملاعب قد تصنع الحدث، لكن السردية الوطنية هي التي تمنحه الاستمرارية، وتجعل من الإنجاز الرياضي رافعة لتعزيز الثقة في الدولة، وجذب الاستثمارات، واستقطاب السياح، وتوسيع دوائر التأثير الثقافي والدبلوماسي.

ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى استثمار الزخم الذي راكمه المنتخب المغربي منذ مونديال قطر 2022، وتعزيزه خلال مونديال 2026، وصولا إلى استضافة كأس العالم 2030، بما يضمن تحويل النجاحات المتفرقة إلى مشروع وطني متكامل.

ويرى معدو التقرير أن القوة الناعمة لا تبنى عبر الحملات الدعائية وحدها، وإنما عبر منظومة متكاملة تجعل العالم يثق في قصة البلد وقيمه ومؤسساته، وفي قدرته على الوفاء بما يعلنه من طموحات.

وشددوا على أن المغرب يمتلك اليوم رصيدا مهما من عناصر القوة الناعمة، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في حسن استثمار هذا الرصيد، وتحويله من مكاسب ظرفية إلى سياسة عمومية دائمة، تستفيد من الرياضة دون أن تختزل مستقبل البلاد فيها.

القوة الناعمة

إذا كانت القوة العسكرية والاقتصادية تمثلان أدوات التأثير التقليدية للدول، فإن التحولات التي يشهدها العالم خلال العقود الأخيرة جعلت من القوة الناعمة أحد أبرز محددات المكانة الدولية.

وفي هذا السياق، يعتبر تقرير المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن كرة القدم أصبحت من أسرع وسائل صناعة النفوذ الرمزي، لأنها تمتلك قدرة استثنائية على مخاطبة الشعوب، وتجاوز الحدود، وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول في وقت وجيز.

واستند إلى مفهوم القوة الناعمة كما صاغه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، والذي يقوم على قدرة الدولة على تحقيق أهدافها عبر الجاذبية والإقناع بدل الإكراه أو القوة الصلبة.

وانطلاقا من هذا المفهوم، يرى أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية رصيدا مهما في عدد من المجالات، من بينها الثقافة والدبلوماسية والاستقرار المؤسساتي والرياضة والعمق الإفريقي، غير أن هذا الرصيد ما يزال بحاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة تحول عناصر الجاذبية إلى أدوات تأثير مستدامة على المستوى الدولي.

ولا يختزل التقرير القوة الناعمة في الرياضة وحدها، بل يعتبرها منظومة متكاملة تتقاطع فيها الثقافة والفنون والقيم والدبلوماسية والاقتصاد والإعلام والفضاء الرقمي، إلى جانب الرياضة التي أصبحت الأسرع أثرا والأكثر قدرة على الوصول إلى الرأي العام العالمي، لكنها تبقى أيضا الأكثر هشاشة إذا لم تدعم بسياسات عمومية وسردية وطنية متماسكة.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب لا يكمن في تنظيم التظاهرات الرياضية، وإنما في تحويلها إلى رافعة لبناء الثقة الدولية وتعزيز صورة المملكة كدولة حديثة، مستقرة، ومنفتحة على محيطها الإقليمي والقاري.

وأكد التقرير على أن التجارب الناجحة في هذا المجال أثبتت أن القوة الناعمة لا تبنى بحدث واحد، بل بتراكم طويل يجمع بين الإنجاز الفعلي، والسردية المقنعة، والاستمرارية المؤسساتية.

ونبه إلى أن الحدث الرياضي قد يمنح الدولة فرصة الظهور، لكنه لا يضمن وحده استمرار التأثير إذا لم يتحول إلى سياسة متواصلة تستثمر في الثقافة والتعليم والإبداع والهوية والدبلوماسية والإعلام الرقمي.

المغرب بالأرقام

يقدم التقرير مجموعة من المؤشرات التي تعكس موقع المغرب ضمن خريطة القوة الناعمة إقليميا ودوليا، معتبرا أن المملكة تمتلك قاعدة مهمة للانطلاق، لكنها لا تزال مطالبة بتطوير آليات استثمار هذا الرصيد.

فبحسب مؤشر “Brand Finance Soft Power 2025″، يحتل المغرب المرتبة 50 عالميا برصيد 40.6 نقطة، وهو ما يجعله في المرتبة الثالثة إفريقيا، بعد مصر وجنوب إفريقيا، والأولى على مستوى بلدان المغرب الكبير.

وفي المقابل، تتصدر الإمارات عربيا وعالميا ضمن الدول العربية برصيد 60.4 نقطة وفي المرتبة العاشرة عالميا، تليها السعودية بـ55.6 نقطة في المركز العشرين عالميا، بينما تأتي مصر بـ45.4 نقطة في المركز الثامن والثلاثين عالميا، في حين تحتل الجزائر المرتبة الثامنة والسبعين، والسنغال المرتبة الثانية بعد المائة.

ويرى التقرير أن هذه النتائج تكشف ثلاث حقائق رئيسية؛ أولها أن المغرب استطاع ترسيخ موقعه كأبرز قوة ناعمة في منطقة المغرب الكبير، لكنه ما يزال مطالبا بتقليص الفارق مع الدول الإفريقية والعربية الأكثر تقدما في هذا المجال.

وأما الحقيقة الثانية فتتمثل في أن الفجوة مع دول الخليج تعكس حجم الاستثمار الكبير الذي تخصصه تلك الدول لبناء علامتها الوطنية وتسويق صورتها عالميا.

وفيما تشير الحقيقة الثالثة إلى أن القارة الإفريقية برمتها ما تزال تمتلك هامشا واسعا للتقدم، بالنظر إلى أن أيًا من دولها لم يتجاوز سقف خمسين نقطة في المؤشر، وهو ما يجعل التعاون القاري في تسويق صورة إفريقيا مصلحة مشتركة أكثر منه سباقا تنافسيا.

ولا يقتصر التقرير على الأرقام، بل يقدم قراءة نوعية لعناصر القوة الناعمة المغربية، موضحا أن المملكة تتميز برصيد حضاري وثقافي عريق، وزخم رياضي متصاعد، وجالية واسعة الانتشار، غير أنها تحتاج إلى مزيد من التنسيق بين المؤسسات، واستثمارات أكبر في العلامة الوطنية، فضلا عن تطوير سردية رقمية أكثر حضورا وتأثيرا على المنصات العالمية.

ويشير إلى أن المغرب يمتلك مقومات يصعب توفيرها في عدد من الدول المنافسة، من بينها التنوع الحضاري، والامتداد الإفريقي، والانفتاح المتوسطي، والرصيد الديني والثقافي، فضلا عن الاستقرار المؤسساتي الذي يمنحه قدرة أكبر على التخطيط بعيد المدى.

واعتبر أن امتلاك هذه الأصول لا يكفي في حد ذاته، إذ إن القيمة الحقيقية تتحقق عندما تتحول هذه المقومات إلى مشاريع مؤسساتية قابلة للقياس والتقييم، وتنعكس بصورة ملموسة على إدراك العالم للمغرب وصورته الخارجية.

دروس التاريخ

يستعرض التقرير نماذج دولية نجحت في تحويل الأحداث الرياضية والثقافية إلى أدوات لبناء القوة الناعمة، مؤكدا أن القاسم المشترك بينها لم يكن حجم الإنفاق أو عدد المنشآت، بل وجود رؤية استراتيجية واضحة.

فكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، لم تجعل من أولمبياد سيول 1988 هدفا في حد ذاته، بل حولته إلى نقطة انطلاق لبناء صناعة ثقافية عالمية أصبحت تعرف بـ”الموجة الكورية”، وأما ألمانيا فقد نجحت من خلال مونديال 2006، في إعادة تشكيل صورتها الدولية عبر سردية إعلامية رافقت البطولة، أكثر مما فعلته الملاعب نفسها.

كما يتوقف التقرير عند تجربة جنوب إفريقيا التي وظفت الرياضة لترميم الوحدة الوطنية بعد نهاية نظام الفصل العنصري، بينما يبرز النموذج القطري باعتباره دليلا على قدرة الدول متوسطة الحجم على صناعة حضور عالمي يفوق حجمها الجغرافي والديمغرافي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن هذا الحضور يبقى رهينا بمدى الانسجام بين الصورة التي تقدمها الدولة عن نفسها والممارسات التي ترافقها.

وفي المقابل، يبرز التقرير أن المغرب يمتلك بدوره نماذج تاريخية تعكس فعالية القوة الناعمة، سواء من خلال المسيرة الخضراء باعتبارها شكلا مبكرا من أشكال التأثير السلمي، أو عبر الدبلوماسية الدينية والروحية، أو من خلال التراكم الدبلوماسي الذي شهده ملف الصحراء المغربية، وهي تجارب يعتبرها التقرير مؤشرات على أن المملكة راكمت بالفعل أدوات تأثير مهمة، لكنها مطالبة اليوم بإعادة توظيفها في سياق مونديال 2030 لبناء سردية وطنية أكثر حضورا واستدامة.

قطر 2022

يفرد التقرير مساحة مهمة لتجربة استضافة قطر لكأس العالم 2022، معتبرا أنها شكلت نقطة تحول في توظيف الرياضة كوسيلة لإبراز الهوية الثقافية والحضارية، بعدما نجحت الدوحة في تقديم نسخة من البطولة تجاوزت المنافسة الكروية إلى تقديم نموذج عربي وإسلامي استطاع أن يفرض حضوره في النقاش الإعلامي العالمي.

ويرى أن أحد أبرز عناصر نجاح التجربة القطرية تمثل في قدرتها على تحويل التفاصيل الثقافية إلى رسائل دولية مؤثرة، حيث حضرت اللغة العربية والضيافة والعادات المحلية، والقيم الأسرية، بصورة لافتة، كما حظيت مشاهد احتفال اللاعبين مع عائلاتهم، واحترام الخصوصيات الثقافية، باهتمام إعلامي واسع، وهو ما ساهم في نقل صورة مختلفة عن المنطقة العربية، بعيدا عن الصور النمطية التي ظلت مهيمنة لسنوات طويلة.

وأشار أيضا إلى أن البطولة لم تكن مجرد حدث رياضي ناجح، بل مناسبة لإعادة تعريف المنطقة أمام الرأي العام الدولي من خلال أدوات القوة الناعمة.

وأشار في المقابل إلى أن التجربة القطرية أبرزت أيضا أهمية الاستعداد لإدارة الأزمات الإعلامية، إذ رافقت البطولة حملات انتقاد مرتبطة بملفات حقوق الإنسان والعمال والهجرة، وهو ما فرض على الدولة المستضيفة الانخراط في معركة تواصلية موازية للمنافسات الرياضية.

ومن هنا، يؤكد التقرير أن نجاح أي دولة في تنظيم بطولة عالمية لا يقاس فقط بجودة التنظيم، بل كذلك بقدرتها على إدارة الخطاب الإعلامي، والرد على السرديات المنافسة، وحماية صورتها الدولية خلال مختلف مراحل الحدث.

واعتبر أن المغرب معني بشكل مباشر بهذه الدروس، خاصة في أفق مونديال 2030، حيث سيكون مطالبا بإعداد استراتيجية إعلامية استباقية لا تكتفي بالترويج للحدث، وإنما تستعد أيضا لمواجهة مختلف التحديات التي قد تفرضها المنافسة الإعلامية العالمية، مع الاعتماد على خطاب موحد، ورواية وطنية متماسكة، وتنسيق مستمر بين المؤسسات الرسمية والإعلام الوطني والمنصات الرقمية.

“كان 2025”

يتوقف التقرير عند كأس أمم إفريقيا 2025 باعتبارها محطة مفصلية في مسار استعداد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، ليس فقط لأنها أكبر تظاهرة كروية على مستوى القارة، وإنما لأنها تشكل اختبارا عمليا لقدرة المملكة على إدارة الأحداث الرياضية الكبرى وفق المعايير الدولية.

ويرى أن احتضان البطولة يمثل فرصة لإظهار جاهزية البنيات التحتية الرياضية، وشبكات النقل، والخدمات السياحية، والقدرات التنظيمية، كما يتيح للمغرب تعزيز حضوره داخل القارة الإفريقية، وترسيخ صورته باعتباره شريكا تنمويا وثقافيا ورياضيًا.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى إمكانية تحقيق أثر اقتصادي يتراوح بين 8 و12 مليار درهم، فضلا عن المكاسب غير المباشرة المرتبطة بالترويج السياحي، وتحسين صورة المملكة لدى ملايين المتابعين داخل إفريقيا وخارجها.

وفي المقابل، ينبه التقرير إلى أن نجاح مثل هذه التظاهرات لا يقاس فقط بجودة التنظيم، وإنما كذلك بقدرة المؤسسات على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تؤثر في الانطباع العام، مثل جودة الخدمات، وسرعة التواصل، والتعامل مع الحالات الطارئة، والانفتاح على وسائل الإعلام الأجنبية، إضافة إلى الحضور الفعال على المنصات الرقمية، التي أصبحت تشكل المصدر الأول لتكوين الصورة الذهنية لدى الجماهير العالمية.

وأكد على أن كأس أمم إفريقيا يجب ألا تقرأ باعتبارها محطة مستقلة، بل باعتبارها بروفة استراتيجية لمونديال 2030، بما يسمح باختبار منظومات التنظيم والتواصل، ورصد مكامن القوة والاختلالات، وإدخال التحسينات الضرورية قبل استضافة الحدث العالمي الأكبر.

مونديال 2026

أما مونديال 2026، فيعتبره التقرير محطة تؤكد استمرار الحضور المغربي في المشهد الكروي العالمي، بعد الإنجاز التاريخي الذي تحقق في قطر سنة 2022، حيث لم يعد المنتخب الوطني يمثل مفاجأة عابرة، وإنما أصبح أحد المنتخبات القادرة على المنافسة في أعلى المستويات.

ولفت إلى أن بلوغ المنتخب المغربي ربع نهائي كأس العالم 2026 للمرة الثانية تواليا يعكس انتقال الكرة المغربية من مرحلة الإنجاز الاستثنائي إلى مرحلة الاستمرارية، وهو تحول يكتسي أهمية كبيرة في بناء الصورة الدولية للمملكة، لأن التأثير الحقيقي للقوة الناعمة لا يقوم على نجاح واحد، وإنما على تراكم النجاحات واستمرارها عبر الزمن.

وأبرز أن الحضور المغربي في البطولة لم يكن مقتصرا على الجانب الرياضي، بل شمل أيضا الحضور الجماهيري، والتفاعل الرقمي، والتغطية الإعلامية الدولية، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة المغرب كبلد يمتلك جمهورا شغوفا، وتنظيما متقدما، ورؤية رياضية متنامية.

وأردف أن هذه العناصر مجتمعة عززت حضور المملكة داخل النقاشات الرياضية العالمية، وأسهمت في توسيع دائرة الاهتمام الدولي بها، ليس فقط كمنتخب ناجح، وإنما كدولة مرشحة للاضطلاع بأدوار أكبر في تنظيم التظاهرات العالمية.

ومن خلال المقارنة بين المحطات الثلاث، يبرز التقرير أن المغرب يقف اليوم أمام فرصة نادرة للاستفادة من تراكم الخبرات، فإذا كانت قطر قد قدمت نموذجا في توظيف الهوية، وكأس أمم إفريقيا تشكل مختبرا تنظيميا، ومونديال 2026 يؤكد استمرارية الإنجاز الرياضي، فإن مونديال 2030 يمثل اللحظة التي ينبغي أن تتكامل فيها هذه العناصر ضمن مشروع وطني متكامل، يحول النجاح الرياضي إلى قوة ناعمة مستدامة، ويجعل من المملكة فاعلا أكثر تأثيرا في محيطها الإقليمي والقاري والدولي.

الزخم الإعلامي

لا يكتفي تقرير المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بقراءة النتائج الرياضية، بل يعتبر أن التأثير الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية، عندما تنتقل المنافسة من أرضية الملعب إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حيث تبنى الصورة الدولية للدول، وتتشكل الانطباعات التي قد تستمر لسنوات.

ومن هذا المنطلق، يؤكد التقرير أن الزخم الإعلامي الذي رافق الحضور المغربي في البطولات الأخيرة يمثل رأسمالا رمزيا ينبغي استثماره ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، لا باعتباره مجرد تفاعل ظرفي مع حدث رياضي عالمي.

وأبرز أن الرياضة أصبحت اليوم واحدة من أكثر الصناعات الإعلامية تأثيرا، بالنظر إلى حجم الجمهور الذي يتابع المنافسات الكبرى عبر مختلف القارات، وإلى سرعة انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية.

ولذلك، فإن الصورة التي ترسم عن دولة ما أثناء بطولة عالمية لا ترتبط فقط بأداء منتخبها، وإنما أيضا بطريقة تقديمها إعلاميا، ونوعية الرسائل التي تنقلها، ومدى قدرتها على توظيف هذا الاهتمام العالمي لصالحها.

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن المغرب استطاع، خلال السنوات الأخيرة، أن ينتقل من مجرد موضوع للتغطية الرياضية إلى نموذج يُستحضر في النقاشات المتعلقة بالتنظيم والهوية والاستقرار والانفتاح، وهو تحول يعكس اتساع دائرة الاهتمام الدولي بالمملكة، ويمنحها فرصة لتعزيز مكانتها إذا ما أحسنت استثمار هذا الزخم الإعلامي.

قراءة إعلامية

اعتمد التقرير على تحليل عينة تضم 25 مادة إعلامية نشرت خلال الأسابيع الأولى من مونديال 2026، بهدف رصد طبيعة الخطاب الإعلامي المرتبط بالمغرب، واستخلاص أبرز الاتجاهات التي ميزت التغطية الدولية.

وخلص هذا التحليل إلى أن النبرة الإيجابية كانت هي الغالبة، مقابل حضور محدود للخطابات النقدية أو السلبية، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على التحسن التدريجي الذي تعرفه صورة المغرب في الإعلام الدولي.

كما يبين التقرير أن غالبية المواد الإعلامية ركزت على نجاح التجربة المغربية في الجمع بين الإنجاز الرياضي والبعد الحضاري، مع إبراز الأجواء الجماهيرية، والتفاعل الشعبي، والاستعدادات المرتبطة باستضافة مونديال 2030، وهو ما جعل المغرب يحضر في كثير من التغطيات باعتباره أكثر من مجرد منتخب مشارك، بل دولة تراكم تجربة متكاملة في مجال الرياضة والتنظيم.

وأردف أن هذه المؤشرات تعكس تحولا نوعيا في طبيعة حضور المغرب داخل الإعلام العالمي، إذ انتقل الاهتمام من متابعة النتائج الرياضية فقط إلى تناول النموذج المغربي في مجالات متعددة، تشمل البنية التحتية، والدبلوماسية الرياضية، والانفتاح الثقافي، والقدرة على تنظيم الأحداث الكبرى، وهي عناصر تمنح المملكة رصيدا إضافيا ضمن منظومة القوة الناعمة.

سرديات مؤثرة

يحدد التقرير عددا من السرديات التي هيمنت على التغطية الإعلامية الخاصة بالمغرب خلال مونديال 2026، معتبرا أنها أسهمت في تعزيز صورته لدى الرأي العام الدولي.

وتتمثل أولى هذه السرديات في تقديم المنتخب المغربي باعتباره رمزا لصعود دول الجنوب العالمي، بعدما نجح في إثبات أن المنافسة على أعلى المستويات لم تعد حكرا على القوى الكروية التقليدية، وهو خطاب وجد صداه في العديد من وسائل الإعلام الدولية التي اعتبرت التجربة المغربية نموذجا للتحول الرياضي والمؤسساتي.

وأما السردية الثانية، فتتعلق بالحضور الجماهيري المغربي، الذي وصفته العديد من التقارير الإعلامية بأنه أحد أبرز عناصر التميز، سواء من حيث أعداد المشجعين أو طبيعة التفاعل الإيجابي داخل الملاعب وخارجها، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة الجمهور المغربي باعتباره شريكا في صناعة النجاح الرياضي، وليس مجرد متابع للمنافسات.

ويشير التقرير أيضا إلى بروز سردية ثالثة ترتبط باستضافة المغرب لمونديال 2030، حيث أصبحت وسائل الإعلام الدولية تربط بين الأداء الرياضي الحالي والاستعدادات المستقبلية، معتبرة أن المملكة تمتلك فرصة لتقديم نموذج جديد في تنظيم البطولات الكبرى، يجمع بين البعد الإفريقي والمتوسطي والأوروبي، في إطار الشراكة الثلاثية مع إسبانيا والبرتغال.

الرقمنة أولا

يولي التقرير أهمية خاصة للمنصات الرقمية، معتبرا أنها أصبحت الفضاء الأول الذي تصنع فيه السمعة الدولية للدول، وأن تأثيرها بات يفوق في كثير من الأحيان وسائل الإعلام التقليدية، بالنظر إلى سرعتها، واتساع جمهورها، وقدرتها على إنتاج محتوى تفاعلي يصل إلى ملايين المستخدمين في وقت وجيز.

وأكد على أن أي استراتيجية لبناء القوة الناعمة لم تعد ممكنة دون حضور رقمي قوي، يعتمد على إنتاج محتوى متعدد اللغات، وتوظيف الصورة والفيديو والقصص الإنسانية، والتفاعل المستمر مع الجمهور العالمي، معتبرا أن المنصات الرقمية أصبحت ساحة تنافس حقيقية بين الدول على كسب التعاطف وتعزيز الجاذبية.

ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى الانتقال من التفاعل الموسمي مع الأحداث الرياضية إلى بناء استراتيجية رقمية دائمة، توظف كل مناسبة رياضية وثقافية ودبلوماسية لتعزيز العلامة الوطنية المغربية، وربطها بقيم الانفتاح والتسامح والابتكار والتميز، حتى يصبح الحضور الرقمي امتدادا للحضور السياسي والثقافي والاقتصادي للمملكة، وليس مجرد نشاط إعلامي ظرفي.

ويخلص التقرير إلى أن الإعلام والرقمنة لم يعودا مجرد وسيلتين لنقل الأخبار، بل تحولا إلى أحد أهم مكونات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين، وأن قدرة المغرب على إدارة صورته الدولية خلال مونديال 2030 ستعتمد إلى حد بعيد، على نجاحه في توحيد رسالته الإعلامية، وتطوير حضوره الرقمي، وتحويل الزخم الرياضي إلى سردية وطنية مستدامة تتجاوز زمن البطولة وحدود الملاعب.

القيم الجامعة

يرى تقرير المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة بين المنتخبات، بل أصبحت فضاءً لنقل القيم وبناء الوعي الجماعي وتعزيز الانتماء الوطني، فالنجاحات الرياضية، مهما بلغت أهميتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى منظومة قيم قادرة على التأثير في المجتمع وإلهام الأجيال الجديدة.

ومن هذا المنطلق، يؤكد التقرير أن التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أفرزت رصيدا رمزيا يتجاوز حدود الملاعب، وأعادت تقديم المغرب للعالم من خلال سلوك لاعبيه، وروحهم الجماعية، وطريقة تفاعلهم مع الجماهير ووسائل الإعلام.

واعتبر أن هذا الرصيد القيمي يشكل أحد أهم مكونات القوة الناعمة المغربية، لأنه يرسخ صورة بلد يجمع بين التنافس الرياضي والالتزام الأخلاقي، ويجعل من المنتخب الوطني سفيرا للقيم المغربية بقدر ما هو ممثل للكرة الوطنية.

ولذلك، فإن المحافظة على هذه الصورة تتطلب بحسب التقرير، عملا مؤسساتيا متواصلا يضمن استمرارها خارج البطولات الكبرى، من خلال إدماجها في السياسات الرياضية والتربوية والثقافية.

وأردف أن نجاح أي مشروع للقوة الناعمة لا يقاس فقط بما يحققه المنتخب من نتائج، وإنما بقدرته على جعل تلك النتائج مناسبة لترسيخ قيم إيجابية داخل المجتمع، وتحويلها إلى مصدر إلهام للأجيال الصاعدة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويقوي الشعور بالانتماء الوطني.

عشر قيم

يرصد التقرير عشر قيم أساسية يرى أنها برزت بوضوح في التجربة المغربية، وأسهمت في تعزيز صورة المملكة لدى الرأي العام الدولي، باعتبارها رسائل إنسانية تتجاوز لغة الأهداف والانتصارات.

وتتمثل هذه القيم في الانتماء الوطني، والعمل الجماعي، وروح التضامن، والانضباط والاحترام والتواضع والاعتزاز بالهوية وبر الوالدين والصبر، والإصرار على النجاح.

ويؤكد التقرير أن هذه القيم لم تقدم في شكل شعارات، بل ظهرت من خلال مواقف وسلوكيات عملية لاقت صدى واسعا في وسائل الإعلام الدولية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما منحها تأثيرا أكبر ومصداقية أوسع.

ويرى أن ما ميز التجربة المغربية هو قدرتها على الجمع بين الأداء الرياضي الراقي والرسائل الإنسانية، حيث تحولت صور احتفال اللاعبين مع أسرهم، وإبرازهم لاعتزازهم بالهوية الوطنية، واحترامهم لمنافسيهم، إلى عناصر أساسية في بناء السردية المغربية، بما جعل المنتخب يحظى بتقدير جماهير من ثقافات مختلفة.

وشدد على أن هذه القيم ينبغي أن تتحول إلى جزء من الخطاب الوطني الموجه إلى الداخل والخارج، لأنها تمثل عناصر جذب لا تقل أهمية عن الإنجازات الاقتصادية أو الدبلوماسية، بل قد تكون أكثر قدرة على الوصول إلى الرأي العام العالمي، بحكم طابعها الإنساني والعابر للحدود.

طموح الشباب

يخصص التقرير حيزا مهما للحديث عن فئة الشباب، معتبرا أن الرياضة تمثل إحدى أكثر الوسائل فعالية في رفع سقف الطموحات، وترسيخ ثقافة الاجتهاد والتميز، وتعزيز الثقة في القدرة على المنافسة على أعلى المستويات.

وأشار إلى أن الإنجازات التي حققها المنتخب الوطني خلال السنوات الأخيرة أرسلت رسالة واضحة إلى الشباب المغربي مفادها أن الوصول إلى العالمية لم يعد حلما بعيد المنال، بل هدفا يمكن تحقيقه بالعمل والتخطيط والانضباط.

ويرى أن هذا الأثر النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن المكاسب الاقتصادية التي تحققها البطولات الرياضية، لأنه يسهم في تكوين جيل أكثر ثقة بقدراته وأكثر استعدادا للمبادرة والإبداع.

وفي هذا الإطار، يدعو التقرير إلى توسيع دائرة الاستفادة من الزخم الرياضي، عبر ربطه بسياسات التعليم والتكوين والابتكار وريادة الأعمال، حتى تصبح الرياضة مدخلا لبناء رأس مال بشري قادر على قيادة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد وسيلة للترفيه أو الاحتفال بالإنجازات.

وأكد على أن استدامة الأثر تقتضي الاستثمار في البنيات الرياضية المحلية، ودعم التكوين، وتوسيع فرص الممارسة الرياضية، مع تعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الرياضي، حتى تتحول النجاحات التي تحققها المنتخبات الوطنية إلى دينامية مجتمعية تشمل مختلف الفئات العمرية.

اللحمة الوطنية

يبرز التقرير أن من أبرز النتائج التي أفرزتها النجاحات الرياضية المغربية تعزيز التماسك المجتمعي، حيث تحولت مباريات المنتخب الوطني إلى لحظات جامعة، يلتقي خلالها المغاربة، داخل الوطن وخارجه، حول رمز واحد وأهداف مشتركة، بعيدا عن الاختلافات الاجتماعية أو الجغرافية أو الثقافية.

يرى أن هذا التلاحم يمثل أحد أهم تجليات القوة الناعمة، لأنه يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويكرس الشعور بالفخر الوطني، كما يمنح الجالية المغربية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم فرصة للتعبير عن ارتباطها بالوطن، والمساهمة في نقل صورة إيجابية عنه داخل المجتمعات التي تعيش فيها.

يؤكد التقرير على أن الحفاظ على هذا الرصيد يقتضي تحويله إلى مشروع مستدام، من خلال تشجيع المبادرات الرياضية والثقافية، وتطوير برامج تستثمر في قيم المواطنة والعمل الجماعي، وربط الرياضة بمسارات التنمية المحلية والاندماج الاجتماعي، حتى تبقى كرة القدم وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية، لا مجرد مناسبة للاحتفال العابر.

وأشار إلى أن القيمة الحقيقية للرياضة لا تكمن فقط في عدد الألقاب المحققة، وإنما في قدرتها على بناء مجتمع أكثر تماسكا، وأكثر ثقة في نفسه، وأكثر استعدادا لتحويل النجاح الرياضي إلى نجاح تنموي وثقافي ودبلوماسي، وهو ما يعتبره أحد أهم التحديات المطروحة على المغرب في أفق استضافة كأس العالم 2030.

رهان 2030

يلفت تقرير المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة إلى أن استضافة المغرب لكأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لا ينبغي أن تختزل في بعدها التنظيمي أو الرياضي، بل يجب أن تنظر إليها باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة تموقع المملكة ضمن خريطة التأثير الدولي، من خلال مشروع متكامل يربط الرياضة بالتنمية والثقافة والدبلوماسية والاقتصاد الرقمي.

وشدد على أن هذا الموعد العالمي يمثل لحظة تاريخية نادرة، لا تتكرر إلا مرة واحدة، وهو ما يفرض الانتقال من منطق تدبير الحدث إلى منطق بناء الإرث الذي سيبقى بعد إسدال الستار على البطولة.

ويرى التقرير أن نجاح مونديال 2030 لن يقاس فقط بعدد الملاعب التي ستشيد، أو بحجم الاستثمارات التي ستضخ، أو بعدد الجماهير التي ستتوافد إلى المملكة، وإنما بقدرة المغرب على تحويل هذه الدينامية إلى مشروع وطني طويل الأمد، ينعكس على الاقتصاد والسياحة والتعليم والثقافة والاستثمار والصناعات الإبداعية، ويعزز مكانة المملكة كشريك موثوق وقوة إقليمية صاعدة.

وفي هذا السياق، يشدد التقرير على أن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في استثمار الأحداث الرياضية الكبرى هي تلك التي تعاملت معها باعتبارها بداية لمسار جديد، وليس نهاية لمشروع مؤقت.

ولذلك، فإن المغرب مدعو إلى استثمار الزخم الذي راكمه منذ مونديال قطر 2022، وتعزيزه من خلال كأس أمم إفريقيا 2025 ومونديال 2026، وصولا إلى مونديال 2030، ضمن رؤية متكاملة تضمن استدامة الأثر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

خارطة طريق

لا يكتفي التقرير بتشخيص الواقع، بل يقترح مجموعة من المحاور العملية التي يرى أنها كفيلة بتحويل مونديال 2030 إلى نقطة انطلاق لبناء قوة ناعمة مغربية أكثر تأثيرا واستدامة.

ويأتي في مقدمة هذه المحاور إعداد استراتيجية وطنية موحدة للقوة الناعمة، تنسق بين مختلف الفاعلين، وتحدد الأدوار والمسؤوليات، وتربط بين الرياضة والثقافة والسياحة والدبلوماسية والاقتصاد الرقمي، بما يضمن انسجام الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج.

كما يدعو التقرير إلى الاستثمار في العلامة الوطنية للمغرب، عبر تطوير حملات تواصلية متعددة اللغات، تستثمر في النجاحات الرياضية والثقافية والاقتصادية، وتقدم المملكة باعتبارها فضاء للاستقرار والابتكار والانفتاح والتعايش، مع الحرص على توظيف الوسائط الرقمية الحديثة للوصول إلى مختلف الفئات والشرائح الدولية.

ومن بين التوصيات التي يوردها التقرير أيضا، تعزيز مكانة الجالية المغربية بالخارج باعتبارها أحد أهم روافع القوة الناعمة، عبر إشراكها في الترويج لصورة المملكة، والاستفادة من حضورها داخل مختلف المجتمعات، فضلا عن تشجيع المبادرات الثقافية والفنية والرياضية التي تعكس تنوع الهوية المغربية وتثري حضورها الدولي.

وشدد إلى أهمية دعم الصناعات الثقافية والإبداعية والسينما والموسيقى والرياضة والمحتوى الرقمي، لأنها تمثلإلى جانب الدبلوماسية الرسمية، أدوات فعالة لبناء الصورة الذهنية للدول، خصوصا في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية تؤثر في الرأي العام العالمي أكثر من وسائل الإعلام التقليدية.

إرث مستدام

يعتبر التقرير أن أكبر تحد يواجه المغرب لا يتعلق بتنظيم البطولة في حد ذاته، وإنما بقدرته على ضمان استمرار آثارها بعد سنة 2030، من خلال تحويل المنشآت الرياضية إلى فضاءات للتنمية المحلية، وربط الاستثمارات بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية، وتعزيز تكوين الأطر والكفاءات الوطنية.

ويرى أن الإرث الحقيقي لأي بطولة عالمية لا يتمثل في الملاعب وحدها، بل فيما تتركه من تحولات داخل المجتمع، سواء على مستوى تحسين الخدمات، أو تطوير البنيات التحتية، أو تعزيز الثقة في المؤسسات، أو رفع جاذبية الدولة للاستثمار والسياحة، أو ترسيخ ثقافة التميز والابتكار لدى الشباب.

ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس أثر مونديال 2030، ليس فقط خلال فترة تنظيمه، بل أيضا خلال السنوات اللاحقة، بما يسمح بتقييم مردودية الاستثمارات، ورصد تأثيرها على الاقتصاد الوطني، والصورة الدولية، ومؤشرات التنمية البشرية، ومستوى الجاذبية السياحية والاستثمارية.

رؤية مستقبلية

يختتم التقرير بالتأكيد على أن المغرب يدخل العقد المقبل وهو يمتلك عناصر قوة متعددة، تشمل الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي، والعمق الإفريقي، والانفتاح المتوسطي، والتنوع الثقافي، والرصيد الحضاري، والنجاحات الرياضية، فضلا عن التحولات التي يشهدها في مجالات البنية التحتية والرقمنة والسياحة.

ويشدد في المقابل على أن هذه المقومات، مهما بلغت أهميتها، لن تتحول تلقائيا إلى قوة ناعمة مؤثرة، ما لم تدمج ضمن مشروع وطني متكامل يقوم على التخطيط الاستراتيجي، والتنسيق المؤسساتي، والاستثمار في الإنسان، وبناء سردية وطنية قادرة على مخاطبة العالم بلغة الإنجاز والقيم والانفتاح.

ولفت إلى أن مونديال 2030 يمثل أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم؛ فهو اختبار لقدرة المغرب على الانتقال من دولة تحقق نجاحات رياضية متفرقة إلى دولة توظف هذه النجاحات لبناء نموذج متكامل للقوة الناعمة، يجعل من الرياضة مدخلا لتعزيز التنمية، وترسيخ الهوية، وتوسيع الحضور الدولي للمملكة.

والمكسب الحقيقي، في نظر معدي التقرير، لن يكون تنظيم بطولة ناجحة فحسب، وإنما ترك إرث مؤسساتي وثقافي وتنموي يرسخ مكانة المغرب كفاعل مؤثر في محيطه الإفريقي والمتوسطي وعلى الساحة الدولية، ويجعل من كأس العالم 2030 نقطة تحول في مسار بناء نفوذ مغربي مستدام قائم على الجاذبية والابتكار والشراكة والانفتاح.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

وهبي ودياز يرفعان التحدي قبل قمة فرنسا: “نحن أفضل من 2022 ولا نرضى بغير المربع الذهبي”

9 يوليو 2026 - 12:37 ص

أبرز محمد وهبي، مدرب المنتخب الوطني المغربي، أن “أسود الأطلس” يدخلون مواجهة المنتخب الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026 بعقلية انتصارية خالصة وبثقة تامة في بلوغ المربع الذهبي، رافضا نغمة الرضا بما تحقق حتى الآن، مشددا على أن الحصيلة والتقييم لا يكونان إلا بعد نهاية البطولة، وأن المكافأة الحقيقية الوحيدة هي التتويج باللقب العالمي.

دراسة علمية لموظفة بالمحكمة الابتدائية بمراكش تؤكد: الرقمنة مفتاح الإدارة القضائية الحديثة

9 يوليو 2026 - 12:07 ص

في وقت يشهد فيه قطاع العدالة بالمغرب تسارعا في وتيرة التحول الرقمي، قدمت وديعة اللماتي، الموظفة بالمحكمة الابتدائية بمراكش، دراسة علمية تطبيقية بعنوان “الرقمنة رافعة في أداء تدبير الموارد البشرية: دراسة تطبيقية للمديرية الإقليمية للعدل بمراكش”، كشفت من خلالها عن الأثر الإيجابي للرقمنة في تحديث تدبير الموارد البشرية والارتقاء بالأداء الإداري داخل المرفق القضائي.

واشنطن تشن ضربات أوسع ضد إيران وطهران تعلن مقتل 8 عسكريين

8 يوليو 2026 - 9:48 م

شنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، مساء الأربعاء، موجة جديدة وأوسع نطاقا من الضربات العسكرية ضد أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني جنوبي وجنوب شرقي إيران، ردا على استهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، مما أسفر عن مقتل 8 عسكريين إيرانيين وسط استنفار أمني وميداني متبادل في المنطقة.

أيوب بوعدي ينافس يامال ودويه على جائزة “أفضل لاعب شاب”

8 يوليو 2026 - 9:34 م

يواصل لاعب خط الوسط المغربي أيوب بوعدي ترسيخ مكانته كأحد أبرز المواهب الصاعدة في كأس العالم 2026، حيث اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) كأحد أبرز المرشحين لجائزة أفضل لاعب شاب في البطولة، والتي تتوج مسار أبرز المواهب تحت سن 21 سنة.

المصادقة النهائية على قانون الحيوانات الضالة.. غرامات للمطعمين والتحول نحو رعاية مؤسساتية

8 يوليو 2026 - 8:56 م

دخل المغرب مرحلة تشريعية جديدة لتدبير منظومة الرفق بالحيوان والوقاية من أخطارها، بعدما حسم مجلس المستشارين المصادقة النهائية على مشروع القانون رقم 19.25، واضعا حدا للمبادرات الفردية العشوائية في الإيواء والإطعام، ومقننا الظاهرة ضمن ملاجئ رسمية تخضع لرقابة بيطرية ورقمية صارمة.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°