تعتبر الحرب التي شنتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة على إيران صباح السبت 28 من فبراير 2026 حدثا غير عادي في تاريخ المنطقة، فهي حرب هزت العالم، وخاصة العالم الإسلامي، وذلك بالنظر لتداعياتها الخطيرة، وآثارها المستقبلية على كل من الشعوب والدول في المنطقة، وعلى النظام الدولي.
في هذا السياق، بعد أكثر من شهر من الحرب، ظهر رجحان كفة الجانب الإيراني الذي استطاع استيعاب الهجوم، والرد بقوة، والحفاظ على الدولة، بل وأظهر قدرات عسكرية ذات آثار استراتيجية لم تبن عنها دولة من قبل، وهي القدرة على خوص الحرب على امتداد جبهات متعددة بالنظر لانتشار القواعد الأمريكية في المنطقة، ورصد وإصابة طائرات F35 درة تاج القوات الجوية الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات “جيرالد فورد” من الخدمة، وإرغام الحاملة الأخرى “آبراهام لينكولن” على البقاء على مسافة بعيدة جدا من المنطقة، والسيطرة على سماء الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل، بحيث أصبحت إيران قادرة على توجيه الهجمات للعمق الإسرائيلي في الوقت والمكان الذي تريد، هذا فضلا عن القواعد الأمريكية في طول المنطقة وعرضها، والتحكم في مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي، وهي كلها إنجازات غير مسبوقة، جعلت إيران الطرف المنتصر في الحرب لحدود الآن بشهادة كبار المنظرين والعلماء في العالم، وعلى رأسهم جون ميرشايمر.
في هذا السياق، طرحت هذه الحرب تداعيات كبيرة على عدد من الدول بشكل مباشر، كتلك التي بها وجود أمريكي وإسرائيلي، وبالتالي أصبحت أهدافا للجانب الإيراني ضمن حق الدفاع الشرعي عن النفس حسب ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية، والتي تعتبر بشكل واضح أن الحرب العدوانية جريمة ضد السلم. أو بشكل غير مباشر كتلك التي تأثرت اقتصاديا من خلال ارتفاع الأسعار وخاصة الطاقة.
في هذا السياق، لا يمكن للدولة المغربية أن تكون بمنأى عن تداعيات هذه الحرب، إلا أنها تبقى تداعيات غير مباشرة، ومحدودة، وذلك لعدد من الاعتبارات.
أولا، المغرب هو دولة بعيدة جغرافيا عن ساحة الحرب، وإيران لا تمثل عدوا للمغرب يستهدف كيانه، فهذا لا يمكن أن يكون لأنها ليست دولة مجاورة له حدوديا، وليس لها قواعد عسكرية في دول الجوار المغاربي قد تستهدف المغرب. بل على العكس تتبنى إيران نهجا دبلوماسيا قائما على بناء علاقات أخوية جيدة مع كل الدول الإسلامية كما يصرح بذلك مسؤولوها دائما.
وثانيا، المغرب يتأثر بهذه الحرب على مستوى ارتفاع الأسعار كبقية دول العالم، وما يطرحه هذا من تحديات على معيشة الأسر ومالية الدولة، وهي تحديات يبقى مسؤولا عنها بالدرجة الأولى الطرف الذي أشعل الحرب وبدأها.
أما على المستوى السياسي والإستراتيجي، فإن الدولة المغربية تتأثر علاقاتها مع إيران بشكل أساسي بالنظر إلى مستوى العلاقات الثنائية الرفيعة التي تجمع المغرب بدول الخليج، وبالولايات المتحدة الأمريكية، وبالنظر أيضا لقضية الصحراء.
ففي هذا السياق يمثل تموقع المغرب ضمن المنظومة الأمريكية الخليجية أحد الأسباب الأساسية التي تفسر مواقفه السياسية الرسمية المعلنة في هذا الصراع، وفيما قبله. هذا إضافة إلى ما أثير من كلام قبل سنوات حول الدعم العسكري الإيراني للبوليساريو. أما العامل الأساسي الثالث فهو التخوف العميق من التمدد الشيعي وما يحمله من فلسفة سياسية دينية مغايرة لما تواضع عليه رجال الدين في المغرب، ويشكل أحد أساسات استقرار السلطة السياسية.
في هذا الصدد يُطرح السؤال بجد حول ما مدى عقلانية هذا الطرح، وما له من الحقيقة والوهم، وهل فعلا هذه التصوارت صحيحة بالشكل الذي تقدم به؟ وهل فعلا تخدم الأمن القومي للمغرب بشكل فعال؟
لاريب أن موقف الدولة المغربية المعلن يتماهى إلى حد بعيد مع هذه المنطلقات، ولكن ليس لأن إيران تشكل فعلا تهديدا لأمنه القومي، ولكن لأن الموقف المعاكس أو المحايد سيكون له ثمن باهض من الجانب الأمريكي الخليجي والإسرائيلي.
فبخصوص ما يقال من دعم إيران للانفصال في المغرب، فإن هذا الطرح غير صحيح، فإيران تبقى دولة قوية جدا، وهي مثلا تدعم المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل وحولتها إلى أكبر قوة عسكرية في العالم ضمن دائرة الفاعلين من غير الدول، للدرجة التي أخرجت فيها إسرائيل من لبنان، وهزمتها عدة مرات، ولو كانت بالفعل تدعم البوليساريو عسكريا وتتبناه، لكان المغرب منطقيا يعاني من مشاكل كبيرة جدا، لكن هذا الطرح يكذبه الوضع العسكري البائس للبوليساريو. فإيران تعاملت مع المغرب بمنتهى العقلانية السياسية، ولم تذهب بعيدا في إطار ردود الفعل التي ربما كانت جهات خارجية تتمنى أن تحصل.
ولكن على عكس هذا الموقف العقلاني من إيران، فإن الأمر لن يكون كذلك ضمن الدائرة الخليجية الإسرائيلية، فهذه دول نفطية تمتلك أموال هائلة قادرة على خلق مشاكل كبيرة للمغرب بأقل تكلفة، وقد عانى المغرب من أموال النفط الليبي التي كانت تخصص دعما مطلقا للبوليساريو دون أن يعني ذلك شيئا لحكومة القذافي. وفي أوقات سابقة عند توتر العلاقات ولو بشكل بسيط، كانت دول الخليج تشن حملة إعلامية تتضمن دعما وتهديدا واضحا بدعم البوليساريو، وبلي ذراع المغرب في هذه القضية. أما إسرائيل فهي تمارس سياسة عدوانية واضحة وثابتة ضد كل دول المنطقة، وهي قادرة على أن تشكل تهديدا كبيرا لأمن المغرب القومي، حيث لوحت مرارا بذلك من خلال إظهار خارطة منفصلة، أو الحديث عن إعلان موقفها من قضية الصحراء، وغير ذلك. كما أن اللوبي الإسرائيلي، وخاصة في الولايات المتحدة قادر على الإضرار بمصالح المغرب.
كذلك حقق المغرب في السنوات الأخيرة تراكما مهما لصالحه في قضية الصحراء، وخاصة على خلفية قرار مجلس الأمن الأخير في أكتوبر الماضي، وهي إنجازات تاريخية لصالح وحدته الترابية، وهي تعني أنه في بداية الطريق للطي النهائي لهذا الملف الذي يؤثر عليه بقوة. والمغرب لا يريد أن يضيع هذا التراكم، خاصة وأن الولايات المتحدة التي هي طرف أساسي في الحرب، هي المؤثر الأول في العلاقات الدولية، وهي تستطيع بجرة قلم تغيير الوضع الجيوسياسي والقانوني ليس للمغرب بل لعدد من الدول، وإدخالها في دوامة النزاعات المسلحة الأهلية.
هذا، أما بخصوص التخوف من التمدد الشيعي، فهو كلام غير واقعي، فإيران وإن كانت قوية جدا، فهي لا تستطيع إبتلاع كل دول العالم الإسلامي، وخاصة أن فيه مراكز قوة مختلفة، وهذا لا يمكن أن يكون واقعيا، لأن الهيمنة لا تكون بالقوة فقط، ولكن لابد من الاتفاق على الوضع الجديد، وحتى لو هيمنت إقليميا، فهذا لا يعني أن الجميع سيصبح شيعة، لأن الناس أحرار في عقائدهم، وهي لا تتبنى فرض المذهب الشيعي، حيث يعيش ضمن أراضيها ملايين السنة، ولو كانت ستفرض التشيع في العالم الإسلامي، لفرضته أولا على أراضيها، وهذا غير موجود حقيقة.
ويبقى اليوم أن الفلسفة الدينية والسياسية متطورة، وقد شاعت قيم الحرية، وهذا يعني أن أي مشروع يتصادم مع هذه القيم الإسلامية الأصيلة سيكون مآله الفشل، وهم وحكماء فارس، ومنظري الشيعة ومراجعهم، أذكياء للدرجة التي يدركون فيها هذا بعمق.
من جهة أخرى، إذا انتصر الطرف الأمريكي في هذه الحرب، فإن المغرب لن تتأثر مصالحه لأنه تبنى رسميا موقفا مساندا للولايات المتحدة وحلفائها. ولكن ماذا لو انتصرت إيران؟ هل تمثل الهيمنة الإيرانية في المنطقة إن وقعت تهديدا للأمن القومي في المغرب؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو قطعا لا، وذلك لأن الدولة المغربية هي ليست دولة طارئة، بل هي دولة ذات حضارة عريقة ضاربة في أعماق التاريخ، راكمت تجربة طويلة جدا في فن الحكم وممارسة السلطة، ولديها أكثر من نقطة تلتقي فيها مع الجانب الإيراني الشيعي، فالمغرب بني سياسيا لأول مرة على يد المولى إدريس رحمه الله استنادا للطرح الشيعي في الإمامة القاضي بتقديم آل البيت النبوي، وولاية الإمام علي كرم الله وجهه، واستمرت الأسر الحاكمة في المغرب لحدود اليوم على هذا النهج، وآل البيت النبوي يحضون باحترام وتقدير كبير عند عموم المغاربة، وهم يشكلون النواة الصلبة للدولة العميقة في المغرب التي تضمن دوامها واستمرارها، وذلك بداية من المولى إدريس مؤسس الدولة، ووصولا إلى مولاي علي الشريف جد السلاطين العلويين الماسكين بزمام الدولة من قرون خلت ولحدود اليوم.
من جانب آخر، في ظل الوضع المفترض، كان يمكن الحديث عن كون المشروع الإيراني يمثل تهديدا للدولة المغربية، لو أن هذه الأخيرة كان لها مشروع جيوستراتيجي عابر للحدود، أي إمارة مؤمنين ذات طابع عالمي عابر للحدود، كالذي كان على عهد الموحدين، ففي هذه الحالة سيكون التنافس شديدا على مناطق النفوذ والموارد بين المشروعين. أما والمغرب من قرون طويلة يتبنى منهج إمارة المؤمنين المحلية، فهو حتى في ظل الوضع الجديد لن يتأثر، وسيبقى آمنا مطمئنا.
باحث في الدراسات السياسية والأمن القومي





تعليقات الزوار ( 0 )