أخبار ساعة

11:15 - تراجع مشاركة إلياس بن الصغير يهدد حظوظه مع المنتخب المغربي في كأس العالم10:52 - بريطانيا: لن ندخل الحرب مع إيران مهما كانت الضغوط10:15 - جيتكس إفريقيا 2026 يعزز ريادة المغرب الرقمية ويكرس موقعه كمحور تكنولوجي بالقارة (فيديو)09:03 - طقس بارد وأمطار متفرقة بعدد من مناطق المغرب07:10 - الميركانتيلية في الحرب الأمريكية–الإيرانية وأبعاد الصراع في موازين الاقتصاد والتجارة الدولية07:04 - تحرير العقل من الوهم: خالد حجي وبناء السؤال خارج هيمنة المعنى23:59 - تصريح الدريوش المقربة من أخنوش يثير الجدل في قطاع الصيد البحري.. هل يخدم الإصلاح أم يعمق الاحتقان؟23:29 - التحولات البنيوية في السلفية الجهادية حدود أطروحة النهاية23:20 - ملتقى سيدي قاسم يكشف نجومية وصال النجاجري وتحقيق أرقام مؤهلة لمونديال أمريكا22:44 - تقسيم كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية: إصلاح أم وهم إداري؟
الرئيسية » مقالات الرأي » التحولات البنيوية في السلفية الجهادية حدود أطروحة النهاية

التحولات البنيوية في السلفية الجهادية حدود أطروحة النهاية

شهدت السلفية الجهادية منذ بداية الألفية الثالثة تحولات عميقة، سواء على مستوى الامتداد الجغرافي أو البنية التنظيمية أو الخطاب الإيديولوجي. وإذا كان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد اتسم بتمركز النشاط الجهادي في أفغانستان ثم العراق، فإن العقد الثاني عرف انتقال الثقل إلى سوريا، قبل أن يتراجع هذا المركز لصالح مناطق أخرى، خاصة في إفريقيا. في ظل هذه التحولات، برزت أطروحات تتحدث عن نهاية السلفية الجهادية بعد تراجعها في سوريا والعراق، غير أن هذا الطرح يثير إشكاليات منهجية، لكونه يختزل الظاهرة في بعدها الجغرافي والتنظيمي، متجاهلا عمقها الفكري وقدرتها على التكيف.

تعتبر السلفية الجهادية، كما يشير أبو هنية ، منظومة فكرية معقدة تتجاوز مجرد كونها تنظيمات عسكرية. وقد تناول أبو رمان الظاهرة السلفية بتعددها التنظيمي والسياسي، مما يؤكد على ضرورة عدم اختزالها في كيان واحد. كما أن فهم جذورها الفكرية يتطلب العودة إلى أعمال مثل (في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟) الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، و(ملاحظات منهجية في قراءة السلفية الجهادية) لـ أكرم حجازي .

من منظور تاريخي، يقدم هنري لوزيير في كتابه (نشأة السلفية)

  سياقا تاريخيا وفكريا مهما لنشأة السلفية، بينما يلقي توماس هيغهامر الضوء على جذور الجهاد العالمي. أما شيراز ماهر فيقدم تحليلا معمقا للمنظومة الفكرية للسلفية الجهادية، بما في ذلك مفاهيم الحاكمية والولاء والبراء، والتي تشكل الأساس الإيديولوجي للتيار.

تتناول الأدبيات الحديثة أيضا التحولات من المركزية إلى اللامركزية، وكيف أن الضربات العسكرية لا تقضي على الفكرة بل تدفعها لإعادة التشكل. هذا الإطار النظري والأدبيات المراجعة ستساعد في تحليل أبعاد التحولات التي شهدتها السلفية الجهادية، وتفسير قدرتها على البقاء والتكيف.

 السلفية الجهادية كمنظومة فكرية عابرة للجغرافيا

لا يمكن اختزال السلفية الجهادية في مجرد تنظيمات بعينها، مهما بلغ تأثيرها أو امتدادها، لأننا في حقيقتها أمام منظومة فكرية متماسكة تسبق التنظيم وتستمر بعده. فهي إطار عقدي وسياسي يعيد تشكيل النصوص والتراث ضمن رؤية صراعية معاصرة، ما يمنحها قدرة عالية على البقاء والتكيف عبر سياقات مختلفة. هذه المنظومة لا ترتبط بجغرافيا محددة، بل تتحرك داخل فضاءات متعددة، مستفيدة من قابلية أفكارها للانتشار وإعادة التأويل وفق خصوصيات كل بيئة، مع الحفاظ على نواة صلبة من المبادئ التي تمنحها الاستمرارية.

تقوم هذه البنية الفكرية على مجموعة من المفاهيم المركزية التي تشكل عمودها الفقري، وفي مقدمتها مفهوم الحاكمية الذي يحول الصراع السياسي إلى قضية عقدية، من خلال نزع الشرعية عن الأنظمة والمؤسسات باعتبارها منازعة لحق التشريع الإلهي. هذا التصور لا يقف عند حدود التنظير، بل يترتب عليه موقف عملي يفضي إلى القطيعة مع الدولة الحديثة، ويعيد تقسيم العالم إلى ثنائية حادة بين إيمان وجاهلية، بما يخلق مناخا مناسبا للتعبئة والتجنيد. إلى جانب ذلك، يتم توسيع مفهوم الجهاد من إطاره الدفاعي المحلي إلى أفق عالمي هجومي، بحيث يصبح الصراع عابرا للحدود، وتتحول الجغرافيا إلى مجرد مسرح مفتوح للعمليات. كما أن ثنائية العدو القريب والبعيد تمنح هذه المنظومة مرونة في ترتيب أولوياتها، فتارة توجه الجهود نحو الداخل وتارة نحو الخارج، وفقا لمقتضيات المرحلة. ويكتمل هذا البناء بمفهوم الطليعة المؤمنة، التي تضطلع بدور القيادة والتوجيه، وتضمن استمرارية المشروع حتى في ظل الانكسارات.

غير أن ما يمنح هذه المنظومة خطورتها الحقيقية ليس فقط بنيتها المفاهيمية، بل قدرتها الاستثنائية على التكيف. فهي حين تتعرض لضربات قاسية تفكك تنظيماتها، لا تنتهي، بل تدخل في حالة كمون تعيد فيها ترتيب ذاتها. في هذه المرحلة، تختفي الهياكل المركزية، لكن الفكرة تظل حاضرة، وتتحول من تنظيم هرمي إلى شبكة لامركزية، حيث يصبح الأفراد أنفسهم حاملي المشروع وقادرين على الفعل بشكل مستقل. هذا التحول من (التنظيم) إلى (الفكرة) يجعل من استئصالها أمرا بالغ الصعوبة، لأنها لم تعد مرتبطة بقيادة أو بنية يمكن استهدافها. وفي المقابل، قد تلجأ إلى التحول عبر إعادة صياغة خطابها أو تعديل استراتيجياتها، دون المساس بجوهرها، كما يحدث في حالات التكيف مع الواقع المحلي أو محاولة اكتساب شرعية اجتماعية. هذه التحولات ليست تراجعا بقدر ما هي إعادة تموضع تهدف إلى البقاء والاستمرار.

لقد أظهرت التجارب المعاصرة أن الضغط العسكري، رغم فعاليته في تفكيك التنظيمات، لا ينجح في القضاء على الفكرة. بل إن هذه الضغوط قد تسهم أحيانا في إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال جديدة أكثر مرونة. فكلما تم تفكيك بنية تنظيمية، ظهرت أخرى، أو انتقلت الفكرة إلى فضاءات جديدة تستفيد من هشاشة الدول أو من حالات الفراغ الأمني. وقد شكلت مناطق النزاع نموذجا واضحا لهذا التحول، حيث وجدت هذه المنظومة بيئات ملائمة لإعادة التشكل، مستفيدة من انهيار المؤسسات وغياب السلطة المركزية، ما يؤكد أنها ليست ظاهرة عابرة بل بنية قابلة لإعادة الإنتاج.

إن التحدي الذي تطرحه هذه الظاهرة يتجاوز المقاربة الأمنية، لأن المشكلة في جوهرها فكرية قبل أن تكون تنظيمية. فطالما ظلت المفاهيم المؤسسة قادرة على إقناع الأفراد وتقديم نفسها كبديل يفسر الواقع ويمنح معنى للصراع، فإنها ستظل قادرة على البقاء.

التحول من التنظيم المركزي إلى الشبكات اللامركزية

بعد التدخل الأمريكي في أفغانستان سنة 2001، فقدت القاعدة مركزها التقليدي، لكنها أعادت الانتشار عبر إنشاء فروع إقليمية (العراق، جزيرة العرب، المغرب الإسلامي). وقد شكل هذا التحول بداية الانتقال من التنظيم المركزي إلى الشبكات المرنة.

مثل إعلان )الخلافة( سنة 2014 ذروة الطموح الجهادي في إقامة كيان سياسي مركزي. غير أن هذه التجربة واجهت تحديات بنيوية، من بينها: الاستهداف الدولي المكثف، صعوبة إدارة المجال الترابي، والتناقض بين الطابع العالمي والخطاب المحلي. وقد أدى انهيار هذا النموذج في العراق وسوريا إلى تراجع فكرة )الدولة( كخيار عملي قابل للاستمرار.

في المرحلة الراهنة، أصبح النشاط الجهادي أكثر لامركزية، حيث يعتمد على: خلايا صغيرة مستقلة نسبيا، أفراد يتبنون الفكر دون ارتباط تنظيمي مباشر، وشبكات مرنة عابرة للحدود. وهذا التحول يجعل من الصعب القضاء على الظاهرة عبر المقاربة الأمنية التقليدية.

إعادة التشكل الجغرافي: من الشرق الأوسط إلى إفريقيا

شهدت الظاهرة الجهادية خلال العقد الأخير تحولات عميقة على المستوى الجغرافي، تمثلت أساسا في انتقال مركز الثقل من المجال الشرق أوسطي، وتحديدا سوريا والعراق، إلى فضاءات جديدة في إفريقيا وآسيا، في سياق يعكس قدرة هذه الحركات على التكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، وإعادة التموضع وفق منطق الفرص والتهديدات. ففي المرحلة الممتدة بين 2013 و2016، مثلت الساحتان السورية والعراقية القلب النابض للنشاط الجهادي العالمي، حيث نجحت التنظيمات، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، في استقطاب آلاف المقاتلين الأجانب، مستفيدة من انهيار مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الصراع المسلح، ووجود بيئة حاضنة للصعود السريع. غير أن هذا التمركز لم يدم طويلا، إذ أدت الهزائم العسكرية المتتالية، وتكثيف الضربات الدولية، إلى تفكيك البنية الإقليمية للتنظيمات، وفقدانها القدرة على السيطرة المكانية المباشرة، ما دفعها إلى البحث عن بدائل جغرافية جديدة أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار.

في هذا السياق، برزت منطقة الساحل الإفريقي كأحد أهم المجالات الصاعدة للنشاط الجهادي، حيث وفرت مجموعة من الشروط البنيوية التي جعلت منها بيئة ملائمة لإعادة التشكل. فهشاشة الدولة وضعف حضورها في الأطراف، وغياب التنمية، وتعقد البنى القبلية والإثنية، كلها عوامل ساهمت في خلق فراغات أمنية استغلتها التنظيمات المسلحة. كما أن التداخل بين الاقتصاد غير المشروع، كتهريب السلاح والبشر والمخدرات، وبين النشاط المسلح، منح هذه الجماعات مصادر تمويل مستدامة، عززت من قدرتها على الاستمرار والتوسع. ولم يقتصر نجاح هذه التنظيمات في الساحل على استغلال الفراغ، بل امتد إلى قدرتها على التكيف مع السياقات المحلية، من خلال الاندماج في النزاعات الاجتماعية، وتبني خطاب يستثمر في المظالم المحلية، إضافة إلى بناء تحالفات مرنة مع فاعلين غير دولتيين، بما في ذلك شبكات قبلية ومجموعات مسلحة محلية. هذا التكيف منحها شرعية نسبية في بعض المناطق، ومكنها من ترسيخ حضورها دون الحاجة إلى السيطرة المركزية الصارمة التي ميزت تجربتها في المشرق.

في المقابل، لم يؤد تراجع المركز السوري-العراقي إلى نهاية الطابع العالمي للظاهرة الجهادية، بل أعاد تشكيله في صورة أكثر تشتتا ولا مركزية. فلا تزال أفغانستان تمثل مجالا حيويا للنشاط الجهادي، خاصة مع صعود فرع (ولاية خراسان) الذي يسعى إلى إعادة إحياء نموذج العولمة الجهادية في بيئة مختلفة، مستفيدا من تعقيدات المشهد السياسي والأمني بعد انسحاب القوات الدولية. كما توجد جيوب نشطة في مناطق من آسيا، خصوصا في جنوب شرقها، حيث تستمر بعض الجماعات في تبني الخطاب الجهادي ضمن سياقات محلية، ما يعكس تداخلا مستمرا بين المحلي والعالمي في بنية هذه الحركات.

إن هذه التحولات تؤكد أن الجغرافيا الجهادية لم تعد ثابتة أو مرتبطة بمجال واحد، بل أصبحت دينامية ومتغيرة، تخضع لمعادلات القوة والفرص أكثر من ارتباطها بمركز عقائدي أو تنظيمي محدد. فالتنظيمات الجهادية، في ظل الضغوط العسكرية والأمنية، لم تختفِ بقدر ما أعادت إنتاج نفسها في فضاءات جديدة، مستفيدة من هشاشة الدول، وتعقيدات الهويات المحلية، وضعف الحوكمة. وبذلك، فإن الانتقال من الشرق الأوسط إلى إفريقيا وآسيا لا يمثل مجرد تحول جغرافي، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة الظاهرة نفسها، من نموذج (الدولة المركزية) إلى نموذج (الشبكات المرنة)، القادرة على التكيف والانتشار في بيئات متعددة، وهو ما يطرح تحديات مركبة أمام المقاربات التقليدية لمكافحة التطرف، التي غالبا ما تركز على البعد العسكري دون معالجة الجذور البنيوية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه الظاهرة في كل مرة.

حدود أطروحة النهاية

لقد أدت الهزائم العسكرية المتتالية التي منيت بها تنظيمات السلفية الجهادية الكبرى، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا، إلى تجدد النقاش حول (نهاية) هذا التيار. فمع تراجع السيطرة المكانية لهذه التنظيمات وتفكك هياكلها المركزية، بدأت بعض الأوساط السياسية والأكاديمية تتحدث عن قرب اضمحلال السلفية الجهادية كظاهرة عالمية. ومع ذلك، فإن هذه الأطروحة تتجاهل ثلاثة عوامل أساسية تمنح هذا التيار قدرة استثنائية على الاستمرارية والتكيف، وتجعله يتجاوز الانهيارات التنظيمية الظرفية. هذه العوامل هي: استمرار الأسباب البنيوية التي تغذي التطرف، والمرونة الفائقة في البنية التنظيمية، والقوة الكامنة في الخطاب الأيديولوجي الذي لا يرتبط بالضرورة بوجود كيان تنظيمي محدد. وبالتالي، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذا التيار لا ينتهي، بل يمر بمراحل من الصعود والتراجع، مما يستدعي تحليلا أعمق لفهم ديناميكياته الحقيقية.

تعتبر الأسباب البنيوية، أو ما يعرف بـ الجذور العميقة للتطرف، المحرك الأساسي لاستمرارية السلفية الجهادية، بغض النظر عن مصير التنظيمات الفردية. فالنزاعات المسلحة المستمرة والهشاشة السياسية في العديد من الدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، توفر بيئة خصبة لظهور وتجدد هذه الجماعات . فالدول الفاشلة أو التي تعاني من ضعف مؤسساتي مزمن، لا تستطيع بسط سيطرتها على كامل أراضيها، مما يخلق(مناطق رمادية) تصبح ملاذات آمنة ومناطق لتجنيد الأتباع .

علاوة على ذلك، يغذي الشعور بالتهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي سردية (المظلومية) التي تستغلها الجماعات الجهادية ببراعة. فعندما يشعر الأفراد، وخاصة الشباب، بأنهم محرومون من حقوقهم الأساسية، وأن قنوات التعبير السلمي مغلقة أمامهم، يصبحون أكثر عرضة للانجذاب إلى الخطابات التي تعدهم بالعدالة وتغيير الواقع بالقوة . كما أن البيئة الجيوسياسية المتوترة، والتدخلات الخارجية، والحروب الأهلية، تعمل كمحفزات إضافية للتطرف، حيث تستغل هذه الجماعات الفوضى وعدم الاستقرار لتوسيع نفوذها وتجنيد المزيد من المقاتلين .

تتميز السلفية الجهادية بمرونة تنظيمية عالية، مما يمكنها من التكيف مع الضغوط الأمنية والعسكرية. فبعد الضربات التي تلقتها تنظيمات مركزية مثل القاعدة وداعش، تحول التيار نحو نموذج الشبكة أو الفروع المستقلة . هذا التحول من التنظيم الهرمي المركزي إلى اللامركزية يجعل القضاء على القيادة العليا غير كاف لإنهاء التيار، حيث يمكن للفروع المحلية أن تستمر في العمل بشكل مستقل، أو أن تتحول إلى خلايا نائمة، أو أن تعيد تجميع صفوفها تحت مسميات جديدة .

كما أن استراتيجية إعادة الانتشار التكتيكي تمنح هذه الجماعات قدرة على البقاء. فعندما تشتد الضغوط في منطقة معينة، تنتقل هذه الجماعات إلى ملاذات امنة جديدة، وغالبا ما تكون هذه الملاذات في مناطق تعاني من ضعف الدولة أو في دول هشة. وقد شهدنا هذا الانتقال من الشرق الأوسط إلى مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء، حيث أصبحت دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو مسرحا لنشاط متزايد للجماعات الجهادية . بالإضافة إلى ذلك، تتكيف هذه التنظيمات مع الضغوط الأمنية من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة للتواصل والتشفير، والاعتماد على العمليات الفردية (الذئاب المنفردة) التي يصعب اكتشافها ومكافحتها .

 ايضاالخطاب الأيديولوجي للسلفية الجهادية يعتبر بمثابة (علامة تجارية) قوية وعابرة للحدود، لا يرتبط وجودها بالضرورة بوجود كيان تنظيمي محدد. فالأيديولوجيا يمكن أن تستمر وتنتشر حتى في غياب التنظيمات الكبرى، حيث يمكن لأي فرد أن يتبنى هذا الفكر دون الحاجة لبيعة رسمية أو تواصل مباشر مع قيادة معينة . هذا يجعل مكافحة الفكر أكثر تعقيدا من مجرد مكافحة التنظيمات المسلحة.

تتميز هذه الأيديولوجيا بقدرتها على تحويل الهزائم العسكرية المادية إلى انتصارات معنوية أو مراحل تمحيص وابتلاء. ففي سردية السلفية الجهادية، لا تعني الهزيمة العسكرية النهاية، بل هي اختبار للإيمان والصبر، مما يحافظ على الروح المعنوية للأتباع ويشجعهم على الاستمرار في القتال . وقد تعزز هذا الاعتقاد خلال جائحة كوفيد-19، حيث اعتبرت بعض الجماعات أن الوباء هو عقاب إلهي لأعدائهم .

أخيرا يلعب الفضاء السيبراني دورا حاسما في تأمين استدامة الفكر من خلال التجنيد الرقمي والانتشار الفكري. فمنصات التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية أصبحت أدوات فعالة لنشر الأفكار المتطرفة وتجنيد أتباع جدد من مختلف أنحاء العالم، مما يجعل الفكر عابرا للحدود والقيود الأمنية التقليدية .

يتضح أن أطروحة نهاية السلفية الجهادية تتجاهل تعقيدات الظاهرة وتاريخها الطويل. فالسلفية الجهادية ليست مجرد تنظيمات مسلحة يمكن القضاء عليها عسكريا، بل هي تيار فكري وسياسي ديناميكي يمر بدورات من الصعود والتراجع. إن استمرار الأسباب البنيوية، والمرونة التنظيمية، والقوة الكامنة في الخطاب الأيديولوجي، تمنح هذا التيار قدرة استثنائية على التكيف والبقاء..

الخاتمة

تظهر التحولات الراهنة أن السلفية الجهادية لم تختفِ، بل دخلت مرحلة جديدة تتسم باللامركزية، وإعادة التموضع الجغرافي، والتحول في أنماط الخطاب والعمل. وإذا كان نموذج الدولة الجهادية قد تلقى ضربة قوية، فإن ذلك لا يعني نهاية الظاهرة، بل انتقالها إلى أشكال أكثر مرونة وتعقيدا. وعليه، فإن المقاربة العلمية تقتضي تجاوز فكرة النهاية الحاسمة، واعتماد تحليل ديناميكي يأخذ بعين الاعتبار قدرة هذا التيار على التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية، مما يجعله ظاهرة مستمرة، وإن بأشكال متغيرة.

المراجع

[1] أبو هنية، حسن (2018). الجهادية العربية: اندماج الأبعاد – النكاية والتمكين بين “الدولة الإسلامية” و”قاعدة الجهاد”. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

[2] أبو رمان، محمد (2014). الظاهرة السلفية: التعددية التنظيمية والسياسات. مركز الجزيرة للدراسات.

[3] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2014). في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟.

[4] حجازي، أكرم (2010). ملاحظات منهجية في قراءة السلفية الجهادية.

[5] Lauzière, Henri (2015). The Making of Salafism: Islamic Reform in the Twentieth Century. Columbia University Press.

[6] Hegghammer, Thomas (2010). Jihad in Saudi Arabia: Violence and Pan-Islamism since 1979. Cambridge University Press.

[7] Maher, Shiraz (2016). Salafi-Jihadism: The History of an Idea. Oxford University Press.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الميركانتيلية في الحرب الأمريكية–الإيرانية وأبعاد الصراع في موازين الاقتصاد والتجارة الدولية

13 أبريل 2026 - 7:10 ص

في ظل المشهد الجيوسياسي الراهن، الموسوم بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وفشل أولى جولات التفاوض المباشر، ومع احتدام صراع

تحرير العقل من الوهم: خالد حجي وبناء السؤال خارج هيمنة المعنى

13 أبريل 2026 - 7:04 ص

ليس من اليسير مقاربة تجربة فكرية لا تُعطي نفسها في هيئة خلاصات جاهزة، ولا تُغري القارئ بإجابات سريعة، بل تُلزمه

المغرب في زمن التحولات: لماذا نحتاج إلى ثورة في التفكير الاستراتيجي؟

12 أبريل 2026 - 6:35 م

لا يمكن فهم دينامية الوحدات السياسة الدولية، بدون معرفة سياسية استراتيجية عميقة. التحليل السياسي الاستراتيجي هو المنتوج المنهجي الذي يرصد

الرؤية الملكية لمحمد السادس: التنمية الترابية المندمجة بين تثبيت الإستقرار وصناعة الريادة القارية

12 أبريل 2026 - 2:22 م

في لحظة دولية تتسم بتقلبات عميقة وإعادة تشكيل موازين القوى، يواصل المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، ترسيخ

تحولات النظام الدولي في ظل الحرب في الشرق الأوسط: مقاربة من منظور الواقعية الهجومية

10 أبريل 2026 - 4:29 م

يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تصاعداً حاداً في وتيرة الصراع، بما يساهم في إعادة تشكيل توازنات المنطقة ورسم ملامح

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°