تشهد سوق المحروقات بالمغرب دينامية متسارعة في ظل تقلبات الأسعار الدولية للنفط ومشتقاته، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى كلفة الإنتاج لدى المقاولات، وبين رهانات تحرير الأسعار وضمان التنافسية، يظل السؤال مطروحا حول مدى فعالية الآليات التنظيمية في تحقيق التوازن بين مصالح الفاعلين وحماية المستهلك.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز مؤشرات متعددة تكشف عن تباينات في انتقال الأسعار الدولية إلى السوق المحلية، إلى جانب اختلالات بنيوية تمس هيكلة السوق ومستوى المنافسة فيها، وهذه المعطيات تفتح النقاش حول حدود التحرير، ودور الرقابة المؤسساتية، ومدى قدرة السوق على العمل وفق قواعد شفافة وعادلة.
–تحولات الأسعار
في هذا السياق، يؤكد محمد جدري، الخبير والمحلل الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي، أن معطيات سوق المحروقات خلال النصف الأول من شهر مارس 2026 تكشف عن تباين واضح في كيفية انتقال الزيادات الدولية إلى الأسعار المحلية.
وأردف جدري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أنه بالنسبة لمادة الغازوال، لم يتم تمرير الارتفاعات المسجلة عالميا بشكل كامل إلى المستهلك، حيث سجل فارق سلبي مهم بلغ حوالي 0,89 درهم للتر، ما يعكس نوعا من التخفيف النسبي لهذه الزيادات.
وأبرز أن البنزين عرف منحى مغايرا، إذ تجاوزت الزيادة في أسعاره على المستوى المحلي نظيرتها الدولية، بفارق إيجابي قدره 0.17 درهم للتر، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطق التسعير المعتمد ومدى انسجامه مع تطورات السوق العالمية.
ولفت إلى أن هذا التباين بين مادتي الغازوال والبنزين يعكس غياب نمط موحد في تمرير الأسعار، ويؤشر على وجود عوامل داخلية تتحكم في تحديد الأسعار النهائية، بعيدا عن الارتباط الآلي بالتقلبات الدولية.
–تفاوت الأسعار
يعتبر محمد جدري أن التقرير رصد وجود اختلافات في أسعار البيع التي يفرضها الفاعلون على مسيري محطات الوقود، حيث بلغت الفوارق حوالي 0.20 درهم للتر بالنسبة للغازوال، وهو ما يمثل نحو 10% من متوسط الزيادة المسجلة.
ورغم أن هذه الفوارق تبدو محدودة نسبيا، يوضح المتحدث أنها تعكس هامشا من التفاوت بين الفاعلين، ما يفترض أن يخلق نوعا من التنافس داخل السوق، وغير أن هذا التفاوت لا يترجم فعليا إلى اختلافات كبيرة في أسعار البيع بالتقسيط.
وشدد على أن السوق تعرف نوعا من الاصطفاف شبه التام للأسعار، ما يجعل المستهلك يواجه مستويات متقاربة جدا، بغض النظر عن الفاعل أو محطة التوزيع، وهو ما يحد من أثر المنافسة المفترضة.
–تنظيم الأسعار
فيما يتعلق بآلية تعديل الأسعار نصف الشهرية، يشير محمد جدري إلى أن التقرير تحدث عن فتح نقاش مع الفاعلين بهدف تطوير هذه الممارسة، بما يضمن تحسين شروط التنافسية والحفاظ على توازن السوق.
وغير أن المتحدث يسجل أن اعتماد نمط زمني موحد لتغيير الأسعار، يتمثل في التعديل عند بداية ومنتصف كل شهر، يطرح إشكالا يتعلق بمدى انسجامه مع مبدأ تحرير السوق، إذ يوحي هذا النمط بوجود نوع من التنسيق غير المعلن بين الفاعلين.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا الإطار الزمني المحدد يقلص من دينامية السوق، ويجعل الأسعار تتحرك بشكل متزامن، ما يقربها من نموذج السوق المنظمة ضمنيا بدل سوق حرة تخضع لمنطق العرض والطلب بشكل مرن.
–ضعف التخزين
يبرز محمد جدري أن من بين أبرز الاختلالات التي لم يتطرق إليها التقرير بشكل كافٍ مسألة التخزين الاستراتيجي للمحروقات، حيث تشير المعطيات إلى أن مخزون الفاعلين لا يتجاوز ما بين 24 و31 يوما، في حين ينص القانون على ضرورة توفر مخزون يغطي 60 يوما.
وأكد مدير مرصد العمل الحكومي، أن هذا الفارق الكبير يطرح إشكالية احترام الإطار القانوني المنظم للقطاع؛ خاصة في ظل وجود غرامات مالية محددة تصل إلى 5 دراهم عن كل لتر غير مخزن وعن كل يوم تأخير، وهي عقوبات لا يتم تفعيلها فعلياً.
وحذر من أن غياب تطبيق هذه المقتضيات يضعف من مناعة السوق في مواجهة الأزمات، ويجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار الدولية، كما يطرح تساؤلات حول دور الرقابة ومدى صرامتها في فرض احترام القوانين.
–تركيز السوق
في تحليله لبنية السوق، يؤكد محمد جدري أن سوق المحروقات تعاني من درجة عالية من التركيز، حيث يسيطر ثلاثة فاعلين فقط من أصل 36 على أكثر من 52% من الحصة السوقية، فيما تستحوذ تسع شركات كبرى على ما يفوق 82% من السوق.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا التركيز المفرط يقلص من فرص المنافسة الحقيقية، ويدفع الفاعلين الكبار إلى تبني سلوكيات تقوم على الحفاظ على الوضع القائم بدل التنافس على جذب الزبناء عبر تحسين الأسعار.
واستطرد أن هذه البنية الاحتكارية تفسر إلى حد كبير ظاهرة الاصطفاف السعري، حيث تميل الأسعار إلى التقارب بدل التباين، ما يفرغ مبدأ تحرير السوق من مضمونه الفعلي.
–سؤال الحسم
يلفت محمد جدري إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار الدولية، بل يمتد إلى اختلالات بنيوية عميقة تمس هيكلة السوق وآليات اشتغالها.
وشدد على أن غياب تفعيل القوانين المرتبطة بالتخزين، إلى جانب التركيز المرتفع للسوق، ونمط التسعير شبه الموحد، كلها عوامل تحد من فعالية المنافسة وتؤثر على شفافية الأسعار.
وتساءل مدير مرصد العمل الحكومي، حول إن كانت ستتم معالجة هذه الاختلالات في الوقت المناسب، أم أن المستهلك سيظل الطرف الذي يتحمل كلفة هذا الخلل البنيوي.




تعليقات الزوار ( 0 )