ليس كل خطاب أخلاقي بريئًا، ولا كل من يتكلم باسم القيم يخدمها. ففي زمن تختلط فيه المفاهيم، صار من الضروري طرح السؤال الصريح: متى يتحول الدفاع عن “العدالة” إلى أداة لضرب الوطن نفسه؟ ومتى تصبح الفضيلة ستارًا لعجز عن الوفاء؟
الوطن ليس فكرة رومانسية ولا قطعة أرض صامتة؛ إنه عقد أمان تاريخي. هناك من ماتوا كي لا يتحول هذا العقد إلى حبر قابل للمحو. الذين سقطوا دفاعًا عن وحدة بلادهم لم يكونوا يطلبون منا التصفيق لهم، بل كانوا يطلبون شيئًا أبسط: ألا نُحوّل دماءهم إلى وجهة نظر قابلة للتفاوض. فالوحدة الترابية ليست ملفًا سياسيًا عاديًا، بل شرط وجود الدولة نفسها. وما دام الكيان قائمًا بها، فالتشكيك فيها ليس رأيًا، بل مساسٌ بأساس الحماية التي تتيح لك أن تختلف أصلًا.
قد يقول قائل: من حقي أن أنتقد. نعم، النقد حق بل ضرورة، لكن النقد موجّه لإصلاح البيت لا لتسليم مفاتيحه. هناك فرق بين مساءلة السياسات وبين التشكيك في ثوابت الوجود. حين يصبح الحديث عن الأرض كأنه جدل أكاديمي محايد، فنحن لا نمارس حرية الفكر بل نمارس رفاهية لا يملكها من دفعوا ثمن الاستقرار بدمائهم.
المفارقة الأكبر تظهر حين يُهاجَم من ساندك ويُغض الطرف عمن نازعك. في السياسة الدولية لا أحد يطالبك بعاطفة، لكن يطالبك بقدر من الاتساق الأخلاقي. الدول التي وقفت مع قضاياك المصيرية لا تستحق أن تُقابل بحملات تشويه، خصوصًا حين يكون الهجوم مغلفًا بشعارات عامة تبدو عادلة في ظاهرها. هنا لا يعود الأمر دفاعًا عن القيم، بل استخدامًا للقيم خارج سياقها، فتتحول إلى سلاح في يد خصمك من حيث لا تدري أو حيث تدري.
إن أخطر ما في الأمر أن بعض الخطابات تتقدم باسم الدين أو الحرية أو العدالة الكونية، لكنها عمليًا تنسف فكرة الدولة الوطنية نفسها. فهي لا ترى في الأوطان سوى عوائق أمام مشاريعها العابرة للحدود. لذلك تبحث دائمًا عن أضعف نقطة: الوعي الداخلي. فإذا تمكنت من تحويل مواطني الدولة إلى مشككين في قضاياها الوجودية، لم تعد بحاجة إلى جيوش. يكفيها خطاب جميل الصياغة، قاسٍ في النتائج.
والنتيجة أن صاحب هذا الخطاب يظن نفسه شجاعًا لأنه يعارض، بينما هو في الحقيقة يختار الساحة الأسهل: يهاجم من يساند وطنه ويتجنب من يخاصمه. يرفع راية القيم لكنه لا يدقق في مآلاتها. فيصبح صوته — دون أن يشعر — صدى لرغبة الآخرين في إضعاف بلده، لا تعبيرًا عن ضمير مستقل.
الوطنية لا تعني تبرير الأخطاء، لكنها تعني ترتيب الأولويات. لا يمكن أن تدافع عن إنسانية العالم وأنت تسهم في تفكيك الإطار الذي يحميك. ولا أن تتحدث عن العدالة المطلقة وأنت تساعد على تقويض العدالة الممكنة التي يوفرها الاستقرار السياسي. إن الحرية التي تمارس بها نقدك ليست خارج الدولة، بل داخلها؛ فإذا جعلت خطابك معولًا ضد أساسها فقد ألغيت الشروط التي تسمح لك بالاختلاف أصلاً.
لهذا فالسؤال ليس: هل يحق لك أن تنتقد؟ بل: لمن يخدم نقدك في لحظة التوتر الوجودي؟ إن كان خصوم وطنك أكثر المستفيدين منه، فالمشكلة ليست في صدق نيتك بل في خطأ موقعك.
الوطن لا يطلب منك الصمت، بل الإنصاف. أن تفرّق بين النقد الذي يقوّي الجدار والنقد الذي يوسّع الشقوق. أما تحويل القيم إلى أداة طعن في الظهر، ثم الادعاء أنها بطولة أخلاقية، فليس شجاعة فكرية… بل التباس في معنى الوفاء نفسه.






تعليقات الزوار ( 0 )