يتجه المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي إلى تعزيز شراكة استراتيجية متنامية خلال السنوات الأخيرة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويعكس هذا التقارب رؤية مشتركة تقوم على التنسيق السياسي والأمني، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وفي هذا السياق، برزت الاتصالات الهاتفية التي أجراها الملك محمد السادس مع عدد من قادة دول الخليج، عقب التوترات التي شهدتها المنطقة بسبب التحركات الإيرانية، كإشارة دبلوماسية تعكس عمق العلاقات بين الطرفين.
وبحسب سعيد التمسماني، المحلل السياسي المغربي، فإنه وعلى الرغم من أن هذه الاتصالات جاءت في إطار التضامن، فإنها تعكس أيضا توجها استراتيجيا يربط المغرب بشكل متزايد بدول الخليج ضمن رؤية مشتركة للأمن والاستقرار الإقليميين.
وكان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة قد أكد خلال الاجتماع الوزاري الثامن بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي أن هذه المبادرات الدبلوماسية لا تقتصر على الرمزية، بل تندرج ضمن عقيدة ثابتة في السياسة الخارجية المغربية تقوم على اعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن العربي والإقليمي.
وأشار التمسماني، في مقال تحليلي، أنه جذور هذا التقارب تعود إلى أكثر من عقد من الزمن، حيث عمل المغرب على بناء شراكة متينة مع الملكيات الخليجية تقوم على الثقة السياسية وتلاقي المصالح الأمنية والاقتصادية.
وقد تعززت هذه العلاقة بشكل واضح خلال قمة المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي سنة 2016، التي شكلت نقطة تحول نحو تعاون أكثر تنظيما واستدامة.
ومع مرور الوقت، تجاوزت هذه الشراكة البعد الأمني لتشمل مجالات أوسع، مثل الاستثمار والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية. ويعكس تمديد خطة العمل المشتركة بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي إلى غاية سنة 2030 توجها نحو تعميق التكامل الاستراتيجي، من خلال تعزيز التعاون بين الصناديق السيادية والقطاع الخاص ومختلف برامج التنمية المشتركة.
ويأتي هذا التقارب في سياق إقليمي يتسم بتزايد التحديات الأمنية وتغير موازين القوى، حيث لم تعد مفاهيم الأمن تقتصر على الجانب العسكري، بل باتت تشمل الاستقرار الاقتصادي والأمن الطاقي والقدرة على مواجهة الأزمات. وفي هذا الإطار، يسعى المغرب، بحسب التمسماني، إلى تعزيز شبكة شراكاته مع دول قادرة على التعامل مع هذه التحولات بشكل جماعي.
كما يقوم هذا التقارب على تقاطع في المواقف السياسية بشأن عدد من القضايا الإقليمية، مثل دعم استقرار الدول والدعوة إلى حلول دبلوماسية للنزاعات المزمنة.
ويبرز موقف المغرب الداعم لإيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، إلى جانب دوره في رئاسة لجنة القدس، كأحد عناصر هذه الدبلوماسية المتوازنة.
وفي المقابل، تحظى المملكة بدعم متواصل من دول الخليج في قضايا تعتبرها أساسية لمصالحها الوطنية، وعلى رأسها قضية وحدتها الترابية.
وقد ساهم هذا الدعم المتبادل في تحويل العلاقة بين المغرب ودول الخليج من تعاون دبلوماسي تقليدي إلى ما يشبه مجتمعا استراتيجيا للمصالح المشتركة.
وفي ظل بيئة إقليمية تتسم بتقلب التحالفات، يبدو أن ثبات هذا التقارب بين الرباط والعواصم الخليجية يحمل رسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن الشراكة بين الجانبين لم تعد ظرفية، بل أصبحت خيارا استراتيجيا طويل المدى يقوم على التضامن وتلاقي المصالح والتنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.




تعليقات الزوار ( 0 )