تبرز نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، أن الأسرة المغربية ما تزال تشكل النواة الصلبة للتماسك الاجتماعي، إذ تضطلع بوظائف متعددة تمتد من التنشئة الاجتماعية إلى الدعم الاقتصادي والتضامن بين الأجيال، غير أن هذه المكانة لم تعد ثابتة كما في السابق، بل أصبحت تتفاعل مع تحولات عميقة تعيد تشكيل أدوارها وتوازناتها الداخلية.
وفي هذا السياق، أكد شكيب بنموسى، المندوب السامي للتخطيط، أن هذا البحث يشكل محطة مفصلية لفهم التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، خاصة وأنه يأتي بعد ثلاثة عقود من البحث الأول لسنة 1995، وفي ظل سياق وطني ودولي متغير.
❖ سياق التحولات
تعكس المعطيات الديموغرافية تحولات عميقة في بنية المجتمع المغربي، حيث انتقل متوسط حجم الأسر من 4.6 أفراد سنة 2014 إلى 3.9 سنة 2024، ما يعكس اتجاها واضحا نحو تقلص الوحدات الأسرية .
كما ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 16.2% إلى 19.2% خلال نفس الفترة، في مؤشر على تحولات في الأدوار داخل الأسرة، سواء بفعل التغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، سجلت نسبة المسنين ارتفاعا من 9.4% إلى 13.8%، ما يعكس تسارع وتيرة الشيخوخة الديمغرافية، وهو ما يطرح تحديات متزايدة على مستوى الرعاية الاجتماعية والتكفل بالفئات الهشة .
ولا تقتصر هذه التحولات على الجانب الديموغرافي فقط، بل تمتد لتشمل أنماط العيش، والعلاقات داخل الأسرة، وآليات التضامن، حيث أصبحت الأسرة تعيش على إيقاع تحولات اقتصادية وثقافية عميقة تعيد تشكيل وظائفها التقليدية.
❖ بنية الأسرة
تكشف نتائج البحث عن هيمنة متزايدة للنموذج النووي، حيث تمثل الأسر النووية 73% من مجموع الأسر سنة 2025، مقابل حوالي 60.8% سنة 1995، ما يعكس تحولا بنيويا في أنماط التعايش الأسري .
ويعزز هذا الاتجاه تراجع الأسر الممتدة، مقابل صعود وحدات أسرية أصغر وأكثر استقلالية، خاصة في الوسط الحضري، حيث تسهم التحولات المرتبطة بالسكن وأنماط العيش في هذا التحول.
وسجلت نسبة الأزواج دون أطفال ارتفاعاً ملحوظا من 3.4% سنة 1995 إلى 9.4% سنة 2025، وهو ما يرتبط بظاهرة “الأعشاش الفارغة”، المرتبطة أساساً بتقدم سن الأزواج .
وفي المقابل، ارتفعت نسبة الأسر أحادية الوالد من 7.3% إلى 8.8%، ما يعكس تحولات اجتماعية مرتبطة بالتفكك الأسري أو الظروف الاقتصادية، ويطرح تحديات جديدة على مستوى الحماية الاجتماعية والدعم العمومي .
❖ أنماط الزواج
تعكس المؤشرات المتعلقة بالزواج تغيرا واضحا في السلوكيات الاجتماعية، حيث لم يعد الزواج يشكل خيارا تلقائيا بالنسبة لفئة واسعة من الشباب، إذ لا يرغب حوالي 52% من العازبين في الزواج.
وارتفع متوسط سن الزواج الأول إلى 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال، وهو ما يعكس تأخرا ملحوظا في الانتقال إلى الحياة الزوجية.
وسجلت المعطيات أيضا تراجع الزواج بين الأقارب من 29.3% سنة 1995 إلى 20.9% سنة 2025، ما يعكس تحولات في المعايير الاجتماعية واختيارات الأفراد.
وتراجع الزواج داخل نفس الجماعة، في مؤشر على انفتاح جغرافي واجتماعي أكبر، وتراجع القيود التقليدية التي كانت تؤطر العلاقات الزوجية في السابق.
❖ التضامن الأسري
رغم التحولات العميقة، تظل الأسرة المغربية فضاءً رئيسياً للتضامن، حيث تستمر في أداء دورها كشبكة أمان اجتماعي، خاصة في ظل محدودية بعض آليات الحماية الاجتماعية.
وغير أن هذا التضامن يشهد تحولات في أشكاله، حيث يقيم أقل من نصف أرباب الأسر في نفس منطقة إقامة آبائهم، ما أدى إلى تراجع القرب الجغرافي بين العائلات.
وانعكس ذلك على طبيعة التبادلات الأسرية، حيث تراجع الحضور المنتظم والتبادل العيني، مقابل ارتفاع أشكال الدعم المالي والتواصل عن بعد.
وتؤكد هذه التحولات أن التضامن العائلي لم يختف، بل أعاد تشكيل نفسه بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
❖ الشيخوخة والهشاشة
تشير المعطيات إلى أن 59.3% من كبار السن يعيشون مع أحد أبنائهم، ما يعكس استمرار دور الأسرة في التكفل بهذه الفئة، وغير أن هذا الدور يواجه تحديات كبيرة، حيث صرح فقط 9% من المسنين بأن مداخيلهم تغطي احتياجاتهم الأساسية.
ووفق المندوبية السامية للتخطيط، فإن 31% من كبار السن لا يتوفرون على أي مصدر دخل، وهو ما يبرز هشاشة اقتصادية واضحة، خاصة في صفوف النساء.
وتطرح هذه المؤشرات إشكالات حقيقية على مستوى السياسات العمومية، خاصة فيما يتعلق بأنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والرعاية طويلة الأمد.
❖ الحركية الاجتماعية
تظهر نتائج البحث أن حوالي 62% من الأفراد يشغلون وضعيات اجتماعية مختلفة عن وضعية آبائهم، ما يعكس استمرار الحركية الاجتماعية بين الأجيال.
وتبقى هذه الحركية غير متجانسة، حيث تمثل الحركية الصاعدة 41%، مقابل 21.2% من الحالات التي تعرف تراجعا اجتماعيا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحولات الاقتصادية تلعب دورا حاسما في تحديد المسارات الاجتماعية، أكثر من تكافؤ الفرص.
وتعكس هذه المؤشرات وجود تفاوتات بنيوية في المجتمع، ما يستدعي تدخلات عمومية لتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
❖ دلالات مستقبلية
تؤكد نتائج البحث أن الأسرة المغربية لا تعرف تفككا، بل تعيش مرحلة إعادة تشكل عميقة، تعكس قدرتها على التكيف مع التحولات.
ولكن هذه التحولات تفرز في المقابل أشكالاً جديدة من الهشاشة، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
كما تبرز الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر تكاملاً، تأخذ بعين الاعتبار التحولات البنيوية للأسرة، وتستجيب لانتظاراتها المتزايدة.
وفي هذا السياق، يشدد شكيب بنموسى على أن فهم تحولات الأسرة اليوم يشكل مدخلاً أساسيا لإعداد مجتمع الغد، بما يضمن تحقيق التماسك الاجتماعي والعدالة والتنمية المستدامة.



تعليقات الزوار ( 0 )