لم تكن شوارع المدينة العتيقة بفاس، خلال أيام كأس إفريقيا للأمم 2025، تعجّ فقط بالسياح التقليديين أو عشّاق المعمار العريق، بل غصّت كذلك بآلاف الزوار القادمين من السنغال، حملوا أعلام “أسود التيرانغا” على ظهورهم، وجمعوا بين شغف الكرة وعمق الانتماء الروحي.
فبالنسبة لهؤلاء، لم تكن زيارة المغرب مكتملة دون التوقف عند ضريح الشيخ أحمد التيجاني، مؤسس الطريقة التيجانية، إحدى أكثر الطرق الصوفية تأثيرًا في غرب إفريقيا.
في أزقة فاس الضيقة، حيث تختلط روائح التاريخ بخشوع الزائرين، بدا الحضور السنغالي لافتًا. كثيرون قدموا أساسًا لمتابعة مباريات منتخبهم في كأس إفريقيا، لكنهم اغتنموا المناسبة لتحويل الرحلة إلى “زيارة” دينية ذات رمزية خاصة.
فالعلاقة الروحية بين المغرب والسنغال، الممتدة منذ قرون، تجعل من فاس محطة إيمانية لا غنى عنها، خصوصًا لأتباع الطريقة التيجانية التي يشكّل مريدوها نحو نصف المسلمين في السنغال.
وهذا الامتزاج بين الرياضة والدين يبرز وجهًا آخر من أوجه كأس إفريقيا بالمغرب، حيث لم تقتصر التظاهرة القارية على الملاعب، بل أعادت إحياء جسور ثقافية وروحية عميقة بين الشعوب الإفريقية.
ففي محيط ضريح أحمد التيجاني، تتعالى الأدعية بلغات ولهجات متعددة، بينما يتقاسم الزوار لحظات خشوع واحدة، في مشهد يعكس وحدة وجدانية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
وتشير الصحافة الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة لوموند، إلى أن هذا الحضور المكثف للسنغاليين في فاس يعكس قوة الروابط الدينية التي جعلت من الإسلام، بطابعه الصوفي، ركيزة أساسية في العلاقات بين الرباط وداكار.
فالمغرب، بما يمثله من مرجعية دينية تاريخية في غرب إفريقيا، يظل مقصدًا روحيًا لملايين الأفارقة، خاصة خلال المناسبات الكبرى التي تجمع بين الفرجة الرياضية والسفر.
ومع اقتراب مواعيد المباريات الحاسمة في كأس إفريقيا، تزداد حركة الزوار في المدينة العلمية، حيث تختلط أهازيج الملاعب بتراتيل الزوايا، في صورة تختزل خصوصية التجربة المغربية خلال “كان 2025”. تجربة تؤكد أن الرياضة، حين تلتقي بالروح، قادرة على إعادة رسم خرائط الذاكرة الجماعية وتعزيز روابط عابرة للحدود، عنوانها الإيمان المشترك والتاريخ المتقاسم.



تعليقات الزوار ( 0 )