في كل مرة تتلقى فيها الجزائر هزيمة رياضية أو انتكاسة دبلوماسية، يعود خطابٌ قديم بلباسٍ جديد: المؤامرة. آخر تجليات هذا الخطاب جاءت هذه المرة من ملعب كرة القدم، عبر تغريدة المعلق الرياضي المعروف حفيظ الدراجي عقب إقصاء المنتخب الجزائري أمام نيجيريا، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود التحليل الرياضي لتلامس منطقًا سياسياً مألوفاً في الجزائر الرسمية: نحن لا نخسر، نحن نُستهدف.
حين يقول الدراجي إن المنتخب الجزائري كان “يعلم أنه ممنوع من المرور إلى نصف النهائي”، فهو لا يتحدث عن أخطاء تحكيم عادية ولا عن ضغط جماهيري أو سوء توفيق، بل يؤسس لفكرة أخطر: وجود قرارٍ مسبق، قوة غامضة، يد خفية تمنع الجزائر من الفوز مهما كانت الظروف.
وهذه ليست مجرد انفعالات ما بعد المباراة، بل إعادة إنتاج دقيقة لخطاب راسخ في بنية النظام العسكري الجزائري، حيث تُفسَّر الإخفاقات دائماً باعتبارها نتيجة تآمر خارجي لا علاقة له بالأداء أو الخيارات أو المسؤوليات.
ومنذ عقود، يتغذى الخطاب الرسمي في الجزائر على ثنائية ثابتة: الجزائر القوية الشامخة مقابل الأعداء المتربصين. في هذا السياق، تصبح نظرية المؤامرة آلية دفاع نفسي وسياسي، تبرر الفشل، وتُعفي مراكز القرار من أي مساءلة.
ما قاله الدراجي — بقصد أو بدون قصد — ينسجم تماماً مع هذه العقيدة: الحكم متآمر، الاتحاد الدولي غير منصف، البطولة موجهة، والعالم لا يريد للجزائر أن تنتصر.
الخطير في هذا المنطق أنه لا يتوقف عند حدود الرياضة. فالعقلية نفسها تُستعمل لتفسير الأزمات الاقتصادية، والعزلة الإقليمية، وانهيار الثقة بين السلطة والمجتمع. كل احتجاج “مؤامرة”، كل معارضة “أداة خارجية”، وكل فشل “استهداف”.
ومع الزمن، يتحول هذا الخطاب من مجرد تبرير إلى سردية وطنية مفروضة، تُلقَّن في الإعلام، وتُكرَّس في النقاش العمومي، وتُعيد إنتاج نفسها حتى على ألسنة الصحافيين والرياضيين.
هذه العبارة التي ختم بها الدراجي تغريدته تختزل المأزق كله. فهي جملة عاطفية جذابة، لكنها في العمق تعكس رفضاً للاعتراف بالهزيمة، ورفض الهزيمة يعني رفض التعلم منها.
الأمم التي تتقدم هي تلك التي تعترف بخسارتها، تحلل أسبابها، وتُحمِّل المسؤولية لمن يستحق. أما الإصرار على أننا “لا ننهزم أبداً”، فهو طريق مضمون لتكرار الهزائم نفسها، مع جرعة إضافية من الوهم.
ليس الدفاع عن المنتخب ولا عن الوطن خطأً، لكن تحويل كل خسارة إلى مؤامرة كونية هو انزلاق خطير من الوطنية إلى التقديس الأعمى، ومن النقد إلى الإنكار.
وتغريدة الدراجي، بما تحمله من إيحاءات، ليست سوى مرآة صغيرة تعكس صورة أكبر: نظامٌ يرى العالم كله متآمراً لأنه عاجز عن مواجهة فشله بالحقيقة.
وفي النهاية، المشكلة ليست في حكم مباراة، بل في عقلٍ سياسي ما زال يعيش على فكرة أن الهزيمة مستحيلة، وأن الاعتراف بها خيانة. وهذا، بالضبط، هو جوهر نظرية المؤامرة حين تصل إلى حدّ الجنون.



تعليقات الزوار ( 0 )