مقدمة
لا ينحصر السؤال البحثي المتعلق بمستقبل ظاهرة (المقاتلين الأجانب) في قدرة الدول الغربية على ضبط تدفقات الأفراد نحو ساحات القتال، بل يمتد إلى سؤال أعمق يخص قدرة الحركات الجهادية العابرة للحدود على إعادة إنتاج نفسها في بيئات إقليمية ودولية متغيرة. فمنذ الذروة التي شهدتها الهجرة الجهادية نحو سوريا والعراق بين عامي 2012 و2016، تغيرت جغرافيا الظاهرة وأدواتها ومنطقها الاستراتيجي بشكل جوهري، إلى درجة تجعل من الوصف الأحادي لها بأنها (في صعود) أو (في انحسار) وصفا مختزلا يفتقر إلى الدقة.
تسعى هذه الورقة إلى تطوير الإطار التحليلي المتعلق بهذه الظاهرة عبر التمييز بين مؤشرين لا يتطابقان بالضرورة: تراجع النموذج الكلاسيكي لـ(الهجرة الجماعية إلى الجهاد) من جهة، واستمرار أو تحول الجهادية العابرة للحدود إلى أنماط تنظيمية وجغرافية جديدة من جهة أخرى. وتعتمد الورقة على معطيات ميدانية وإحصائية حديثة (2025–2026) من مراكز بحثية متخصصة (ACLED، مجموعة الأزمات الدولية، مركز مكافحة الإرهاب بوست ويست بوينت، مركز الصوفان)، إضافة إلى دراسة حالة سورية ما بعد سقوط نظام الأسد بوصفها سابقة غير مألوفة في التعامل الرسمي مع المقاتلين الأجانب.
تراجع النموذج التقليدي للمقاتل الأجنبي الأوروبي
من المرجح أن تستمر الدول الغربية في الحد من تكرار موجات السفر الجماعي التي عرفها العالم بين 2012 و2016، وذلك نتيجة تراكم أدوات رقابية وتشريعية وأمنية طورت خلال العقد الأخير
تطوير أنظمة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول الأوروبية وآليات مثل نظام السجل الأوروبي لبيانات المسافرين (PNR).
تشديد الرقابة على الحدود والمطارات وقوائم المراقبة الموحدة.
تجريم السفر بقصد الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، وسحب الجنسية في بعض الحالات.
مراقبة الفضاء الرقمي ومنصات التجنيد الإلكتروني.
برامج إعادة تأهيل العائدين ومراقبتهم اللاحقة.
غير أن هذا التراجع الكمي لا يعني نهاية الخطر، بل انتقالا في شكله. فقد لاحظت أدبيات ما بعد الخلافة أن العائدين من ساحات القتال يحملون أحيانا مكانة رمزية داخل بيئاتهم، بحيث يتحولون إلى ما وصف في بعض الدراسات بـنجوم الجهاد الذين يوظفون لاحقا في التجنيد أكثر من توظيفهم في التنفيذ المباشر[1]، وهو ما يفسر استمرار انشغال الأجهزة الأمنية الأوروبية بملف العائدين رغم تراجع أعداد المسافرين الجدد.
في المقابل، لم يتوقف التهديد المرتبط بالتنظيمات الجهادية عن التطور إذ لا تزال (ولاية خراسان) التابعة لتنظيم داعش تخطط لعمليات في أوروبا، وقد أحبطت عدة مخططات لها خلال عامي 2024 و2025، كما أعلن قادتها في عام 2025 تأييدهم لتنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة[2].
منطقة الساحل المركز الجديد لثقل الجهادية العالمية
تشير معظم الدراسات الحديثة إلى أن منطقة الساحل وغرب إفريقيا أصبحت خلال العقد الأخير مركز الثقل الجديد للحركات الجهادية العالمية، بعد أن كانت بؤرة النشاط الرئيس لهذه التنظيمات تتمركز في أفغانستان والعراق وسوريا. ولم يعد هذا التحول مجرد انتقال جغرافي لمسرح العمليات، بل يمثل تغيرًا بنيويًا في طبيعة التهديد الإرهابي العالمي، إذ أصبحت المنطقة توفر بيئة مثالية لإعادة إنتاج التنظيمات المسلحة وتوسعها مستفيدة من هشاشة الدول، وضعف مؤسساتها الأمنية، واتساع المساحات غير الخاضعة لسيطرة الحكومات، إضافة إلى تشابك الأزمات الأمنية والاقتصادية والعرقية.
وتؤكد بيانات مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن القارة الإفريقية سجلت خلال عام 2025 نحو 24 ألف قتيل نتيجة العمليات القتالية المسلحة، بزيادة تقارب 24% مقارنة بعام 2024، بينما استحوذت منطقة الساحل وحدها على حوالي 41% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالمعارك في إفريقيا. وتبرز هذه الأرقام انتقال مركز النشاط العملياتي لتنظيمي القاعدة وداعش من الشرق الأوسط إلى إفريقيا، حيث أصبحت المنطقة تمثل المسرح الأكثر دموية والأسرع نموا للجماعات الجهادية.
ويعود هذا التحول إلى مجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة، أهمها الانهيار التدريجي لقدرة الدول على احتكار استخدام القوة، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وما رافقها من تراجع التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين، وانسحاب القوات الفرنسية والأوروبية، الأمر الذي أوجد فراغا أمنيا واسعا استغلته التنظيمات المسلحة لتوسيع مناطق نفوذها. ففي مالي، استطاع تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبط بتنظيم القاعدة، بسط نفوذ واسع في أقاليم وسط وشمال البلاد، مستفيدا من ضعف الحضور الحكومي، بينما تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (داعش ولاية الساحل) من تعزيز وجوده في منطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي أصبحت إحدى أكثر بؤر العنف نشاطا في العالم.
ومن السمات الجوهرية التي تميز الجهادية في الساحل عن التجارب السابقة أن أغلبية المقاتلين ليسوا (مقاتلين أجانب) بالمعنى التقليدي الذي ارتبط بالحرب السورية أو العراقية، بل هم مجندون محليون ينتمون إلى المجتمعات التي تنشط فيها هذه التنظيمات. فمعظم عناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وداعش في الساحل ينحدرون من قبائل ومجموعات إثنية محلية، مثل الفولاني (الفلان)، والطوارق، وبعض المجموعات العربية والزَرْما، إضافة إلى مجندين من مالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون. ويعكس ذلك تحولا استراتيجيا في اليات التجنيد، إذ أصبحت التنظيمات تعتمد بدرجة أكبر على استثمار النزاعات المحلية بدلا من استقطاب المتطوعين القادمين من الخارج.
وتعتبر النزاعات بين الرعاة والمزارعين من أبرز محركات هذا التجنيد المحلي. ففي مناطق واسعة من وسط مالي وشمال بوركينا فاسو تتداخل عوامل التصحر والتغير المناخي مع التنافس على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، مما يؤدي إلى اندلاع مواجهات متكررة بين الرعاة، خصوصا من قومية الفولاني، والمزارعين المنتمين إلى جماعات إثنية أخرى مثل الدوغون والبامبارا. وقد نجحت التنظيمات الجهادية في تقديم نفسها باعتبارها جهة توفر الحماية لبعض المجتمعات المحلية، الأمر الذي منحها قاعدة اجتماعية لم تكن متاحة لها في السابق.
كما تستفيد هذه التنظيمات من المظالم المرتبطة بالتهميش الاقتصادي والسياسي. فالعديد من المناطق الريفية في الساحل تعاني من غياب الخدمات الأساسية، وضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، فضلا عن ضعف تمثيلها في مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، توظف الجماعات المسلحة خطابا يربط بين العدالة الاجتماعية والمرجعية الإسلامية، مع تقديم حوافز اقتصادية للمجندين، مثل الرواتب، وتقاسم عائدات التهريب، أو توفير الحماية للمجتمعات المحلية.
ولا يقل أثر الانتهاكات التي ترتكبها بعض القوات الحكومية والمليشيات المحلية أهمية عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية. فقد وثقت تقارير دولية عديدة حالات إعدام خارج نطاق القانون، واعتقالات جماعية، وعمليات تهجير قسري استهدفت مجتمعات يشتبه في تعاطفها مع الجماعات المسلحة، وهو ما ساهم في تعميق مشاعر المظلومية، ودفع بعض الأفراد إلى الانضمام إلى التنظيمات الجهادية طلبا للحماية أو انتقاما من الدولة. وهكذا أصبحت بعض السياسات الأمنية نفسها أحد العوامل التي تعيد إنتاج دورة العنف بدلا من احتوائها.
وتبرز نيجيريا مثالا اخر على هذا النمط إذ اعتمدت كل من جماعة بوكو حرام وولاية غرب إفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISWAP) بصورة رئيسة على التجنيد المحلي داخل ولايات بورنو ويوبي وأداماوا، مستفيدة من الفقر، وضعف التنمية، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة. كما استطاعت هذه التنظيمات دمج شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي في بنيتها التنظيمية، مما وفر لها مصادر تمويل مستدامة وعزز قدرتها على الاستمرار.
ومن ثم، فإن خصوصية الجهادية في الساحل لا تكمن فقط في ارتفاع مستوى العنف، وإنما في تحولها من تنظيمات تعتمد على المقاتلين العابرين للحدود إلى حركات تمرد محلية ذات امتداد اجتماعي واقتصادي، قادرة على الاندماج في البنى القبلية والإثنية، واستثمار النزاعات المحلية لبناء قواعد دعم مستدامة. وهذا التحول يجعل مواجهتها أكثر تعقيدا، لأن الحلول العسكرية وحدها لن تكون كافية ما لم تعالج الأسباب البنيوية المرتبطة بالحكم الرشيد، والتنمية، وإدارة النزاعات المجتمعية، واستعادة ثقة السكان المحليين في مؤسسات الدولة.
توسع أفقي نحو خليج غينيا
منذ عام 2019، ونحو منتصف العقد الحالي بشكل خاص، وسعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عملياتها جنوبا باتجاه سواحل غرب إفريقيا، فسجلت هجمات في بنين وتوغو وساحل العاج، ونفذت أول هجوم لها في نيجيريا في تشرين الأول/أكتوبر 2025. وفي بنين وحدها، ارتفعت الوفيات المرتبطة بهجمات الجماعة بنسبة 70 بالمئة بين كانون الثاني وكانون الأول 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وهو ما دفع قيادة الجماعة إلى تعيين (أمير) خاص بالملف البنيني[3].
كما استخدم الحصار الاقتصادي كأداة استراتيجية جديدة فمنذ أيلول/سبتمبر 2025 فرضت الجماعة حصارا على إمدادات الوقود إلى العاصمة المالية باماكو ومدن أخرى، عبر استهداف صهاريج الوقود واختطاف سائقيها، ما أدى إلى أزمة وقود حادة وارتفاع في الأسعار على المستوى الوطني[4]، وهو نمط يعكس انتقال بعض التنظيمات من منطق (السيطرة الترابية المباشرة) إلى منطق (خنق الدولة اقتصاديا) دون الحاجة إلى إعلان (خلافة) جغرافية شبيهة بتجربة داعش في سوريا والعراق.
التنافس الداخلي بين التنظيمات الجهادية
من اللافت أن الساحة الساحلية لا تشهد فقط مواجهة بين الدول والتنظيمات الجهادية، بل أيضا تنافسا حادا بين فرعي القاعدة وداعش أنفسهما إذ اندلعت منذ صيف 2025 اشتباكات متكررة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم(ولاية الساحل) التابع لداعش (ISSP)، بلغت وتيرتها ذروة غير مسبوقة منذ عام 2022، فيما تحولت منطقة تيلابيري النيجرية إلى الأكثر دموية في الساحل الأوسط خلال عام 2025[5].
هذا التنافس يؤكد فرضية أساسية في أدبيات دراسة الحركات الجهادية: أن التجزؤ التنظيمي لا يضعف بالضرورة القدرة الإجمالية للظاهرة على الاستمرار، بل قد يعزز حدة العنف عبر دينامية التنافس على الموارد والشرعية والمجندين.
يمثل نموذج ولاية خراسان التابعة لتنظيم داعش، ومقرها الأساسي أفغانستان، حالة توضيحية للأطروحة القائلة إن قيمة المقاتل الأجنبي تحولت من البعد العددي إلى البعد النوعي. فبدلا من استقطاب أعداد كبيرة، يركز التنظيم على استقطاب كوادر من جنسيات محددة تمتلك مهارات تقنية أو شبكات اجتماعية قابلة للتوظيف في عمليات خارجية.
وتشير تقديرات أممية صادرة عام 2023 إلى أن عدد مقاتلي ولاية خراسان وأفراد عائلاتهم، بمن فيهم رعايا دول آسيا الوسطى، يتراوح بين 4000 و6000 شخص[6]، فيما تركز التنظيم بشكل خاص على استقطاب الجنسية الطاجيكية عبر إصدارات دعائية مخصصة باللغة الطاجيكية، وهو ما تجسد في تنفيذ هجوم “كروكوس سيتي هول” في موسكو في آذار/مارس 2024 على يد مهاجمين طاجيك، والذي خلف أكثر من 140 قتيلا، ليكون أعنف هجوم لتنظيم داعش على الأراضي الأوروبية حتى اليوم[7].
ويعتمد التنظيم في هذا السياق على ما وصف بـ(التدريب عن بعد) ، حيث توفر القيادات المتمركزة في أفغانستان التوجيه والدعم اللوجستي لخلايا متفرقة في أوروبا وآسيا الوسطى والولايات المتحدة، بما في ذلك نشر أدلة تقنية عبر الإنترنت لتحويل طائرات مسيرة تجارية إلى وسائل هجومية[8]، وهو نمط تنظيمي يقلص الحاجة إلى (الهجرة الجهادية) الفعلية لصالح التوجيه الرقمي عن بعد، بما يتسق مع الأطروحة القائلة إن الفضاء الرقمي أصبح بديلا جزئيا عن ساحة القتال الفعلية في عملية التجنيد والتعبئة.
الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد: نموذج غير مسبوق
تمثل التطورات في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 حالة استثنائية تستحق معالجة مستقلة، إذ لا يتعلق الأمر هذه المرة بمواجهة أمنية بين دولة وتنظيمات جهادية، بل بمحاولة دمج مؤسسي غير مسبوق للمقاتلين الأجانب داخل جهاز الدولة نفسه.
فبحسب تقديرات مجموعة الأزمات الدولية، شارك نحو 30 ألف مقاتل أجنبي في الحرب الأهلية السورية منذ عام 2011، بقي منهم نحو 5000 مقاتل ناشطين حتى اليوم ضمن شبكات متفرقة، شكل بعضهم قوة ضاربة أساسية في العملية العسكرية التي أطاحت بالأسد[9].
وعقب توليه الرئاسة، بادر أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقا) إلى دمج الاف هؤلاء المقاتلين ضمن صفوف الجيش السوري الجديد، عبر تشكيل (الفرقة 84) المخصصة لاستيعاب عناصر (الحزب الإسلامي التركستاني) ذي الأغلبية الأويغورية (نحو 3500 مقاتل)، إلى جانب مقاتلين من الشيشان وداغستان وأوزبكستان ودول أخرى، وذلك بعد اتفاق بين دمشق وواشنطن في حزيران/يونيو 2025 يقضي بالتخلي عن مطلب ترحيلهم القسري مقابل ضمانات بعدم استخدام الأراضي السورية لتهديد أمن الدول الأخرى[10].
تكمن الأهمية النظرية لهذه الحالة في أنها تقلب المنطق التقليدي لتعامل الدول مع المقاتلين الأجانب فبدلا من المطالبة بترحيلهم أو تجريمهم أو تفكيك شبكاتهم، اختارت السلطة الجديدة في دمشق استيعابهم مؤسسيا بدعوى أن إقصاءهم سيدفعهم مجددا نحو تنظيمي القاعدة أو داعش. وقد أثار هذا الخيار قلقا دوليا متباينا امتنعت الصين، على سبيل المثال، عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2799 الذي رفع العقوبات عن الشرع ووزير داخليته في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، احتجاجاً على دمج مقاتلي (الحزب الإسلامي التركستاني) ذوي الأصول الأويغورية، قبل أن تسحب اعتراضها في شباط/فبراير 2026 بعد جولة مفاوضات حصلت خلالها على ضمانات مكافحة إرهاب من دمشق.
غير أن هذا الدمج لم يخل من الاحتكاك ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025 نفذت القوات الحكومية عملية عسكرية ضد فصيل (فرقة الغرباء) الأجنبي في مخيم حارم قرب إدلب، كما اتهم مقاتلون أجانب بارتكاب انتهاكات خارج نطاق القانون بحق الأقلية الدرزية في تموز/يوليو 2025، وبحق الطائفة العلوية في آذار/مارس من العام نفسه[11]، وهو ما يكشف عن هشاشة السيطرة المركزية على هذه الشبكات رغم دمجها الشكلي في الجيش النظامي، إذ لا يعني الإدماج المؤسسي بالضرورة تحقق الاندماج الفكري والتنظيمي الكامل. فالكثير من هذه التشكيلات احتفظت بقياداتها الداخلية، وروابطها الشخصية، وشبكاتها العابرة للحدود، فضلا عن مرجعياتها الأيديولوجية التي تشكلت خلال سنوات القتال ضمن تنظيمات جهادية مختلفة. ومن ثم فإن انتقالها من صفة (المقاتل الأجنبي) إلى صفة (العسكري النظامي) قد يكون انتقالا قانونيا وإداريا أكثر منه تحولا حقيقيا في الهوية أو الولاء، الأمر الذي يجعل ولاءها للدولة الجديدة ولاء مشروطا باستمرار التوافقات السياسية والعسكرية التي أفرزت هذا الإدماج.
وتقدم الحالة السورية، في هذا السياق، بوصفها الاختبار الأكثر أهمية حتى الان لأحد أبرز السيناريوهات المستقبلية المطروحة في أدبيات المقاتلين الأجانب، والمتمثل في سيناريو نشوء موجة تعبئة جديدة نتيجة بروز ساحة صراع ذات جاذبية رمزية مرتفعة. إلا أن التطورات السورية أفرزت نموذجا مختلفا نسبيا عن التوقعات التقليدية فبدلا من تحول سوريا إلى مركز جديد لاستقطاب الاف المقاتلين الأجانب كما حدث خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2016، أصبحت ساحة لإعادة احتواء جزء من هؤلاء داخل هياكل أمنية وعسكرية مرتبطة بسلطة محلية تسعى إلى اكتساب الشرعية الداخلية والخارجية. وبذلك انتقلت القضية من إشكالية (تدفق المقاتلين الأجانب) إلى إشكالية (إدارة إرث المقاتلين الأجانب) داخل مؤسسات الدولة الناشئة.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء الظاهرة، بل قد يمثل مرحلة انتقالية تحمل في داخلها عوامل عدم الاستقرار. فتجارب دمج المقاتلين غير النظاميين في جيوش الدول الخارجة من النزاعات تشير إلى أن نجاح هذه العملية يرتبط بجملة من الشروط، من بينها وجود قيادة مركزية قادرة على فرض الانضباط، وتوحيد العقيدة العسكرية، وإعادة بناء الولاءات على أساس وطني لا أيديولوجي، إضافة إلى توفير مسارات مهنية واقتصادية تقلل من احتمالات العودة إلى العمل المسلح. وفي غياب هذه الشروط، يتحول الدمج إلى مجرد تسوية مؤقتة تؤجل الأزمة بدلا من حلها.
وانطلاقا من ذلك، يطرح النموذج السوري سؤالا بحثيا جديدا يتجاوز النقاش التقليدي حول عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية، لينتقل إلى التساؤل حول مستقبل المقاتلين الذين أصبحوا جزءا من مؤسسات دولة ما بعد الصراع. فهل يمثل هذا الدمج نهاية فعلية لظاهرة الجهادية العابرة للحدود، أم أنه يعيد إنتاجها في صورة جديدة أكثر تعقيدا؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل السيناريو الأول في نجاح عملية الاحتواء المؤسسي، بحيث تؤدي إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتعزيز المركزية، وتراجع الدوافع الأيديولوجية العابرة للحدود، إلى تحول تدريجي لهؤلاء المقاتلين إلى فاعلين عسكريين محليين، وهو السيناريو الأكثر استقرارا لكنه يتطلب مؤسسات دولة قوية وشرعية سياسية واسعة. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحا على المدى المتوسط، فيقوم على استمرار حالة الولاءات المزدوجة، حيث يبقى المقاتلون مندمجين شكليا داخل المؤسسة العسكرية مع احتفاظهم بشبكاتهم الخاصة وهوياتهم السابقة، بما يجعلهم قابلين للانشقاق عند أول أزمة سياسية أو عسكرية. في حين يتمثل السيناريو الثالث في انهيار عملية الدمج بالكامل، سواء نتيجة صراع داخلي على السلطة، أو تراجع الموارد، أو تصاعد الضغوط الدولية، الأمر الذي قد يدفع بعض هذه الشبكات إلى إعادة تشكيل تنظيمات مستقلة أو الالتحاق مجددا بتنظيم داعش أو غيره من التنظيمات الجهادية الباحثة عن كوادر تمتلك خبرة قتالية وتنظيمية عالية.
وعليه، فإن نجاح النموذج السوري لن يقاس بمجرد دمج المقاتلين الأجانب في الهياكل العسكرية، وإنما بقدرة الدولة على تفكيك البنية الاجتماعية والتنظيمية والأيديولوجية التي أنتجت ظاهرة الجهاد العابر للحدود أصلا. فإذا اقتصر الدمج على البعد الإداري والعسكري دون إعادة بناء منظومة الولاءات وإعادة التأهيل الفكري والسياسي، فإن خطر إعادة إنتاج الظاهرة سيظل قائما، وقد تظهر موجات جديدة من التمرد أو الانشقاقات عند تغير موازين القوى أو تبدل البيئة الإقليمية. وبذلك، تصبح سوريا مختبرا حقيقيا لاختبار فرضية جديدة في دراسات الإرهاب، مفادها أن التحدي المستقبلي لم يعد يتمثل فقط في منع انتقال المقاتلين الأجانب عبر الحدود، وإنما في إدارة تحولهم من فاعلين جهاديين عابرين للدول إلى عناصر مندمجة داخل مؤسسات دول هشة، مع ما يحمله ذلك من فرص للاستقرار ومخاطر لإعادة إنتاج العنف في ان واحد.
مراجعة السيناريوهات المستقبلية في ضوء معطيات 2025–2026
تكشف المعطيات المتراكمة خلال سنتي 2025 و2026 أن الظاهرة الجهادية دخلت مرحلة جديدة تختلف من حيث البنية وآليات العمل عن المراحل السابقة التي هيمنت عليها فكرة (الخلافة الإقليمية) والسيطرة الترابية الواسعة. فقد أصبح من الواضح أن تقييم مستقبل هذه التنظيمات لم يعد ممكنا بالاعتماد على المؤشرات التقليدية المرتبطة بحجم الأراضي التي تسيطر عليها أو بعدد المقاتلين الأجانب المتدفقين إليها، وإنما بات يرتبط بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها داخل بيئات أمنية وسياسية متغيرة، واستثمار الفراغات التي تتركها الدول الهشة، والتكيف مع الضغوط العسكرية من خلال أشكال تنظيمية أكثر مرونة وأقل عرضة للاستهداف. ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة السيناريوهات المستقبلية في ضوء التطورات الأخيرة تفضي إلى إعادة ترتيب أولويات التفسير، إذ يتراجع سيناريو الانكماش لصالح سيناريو إعادة التموضع، بينما يخضع سيناريو التعبئة الجديدة إلى إعادة صياغة مفاهيمية تفرضها التحولات الميدانية.
فقد استندت الفرضيات التي بشرت بانحسار الظاهرة الجهادية إلى الاعتقاد بأن خسارة تنظيم داعش لمراكزه الإقليمية في العراق وسوريا، وتراجع القيادة المركزية لتنظيم القاعدة، وتصاعد عمليات مكافحة الإرهاب، ستؤدي تدريجيا إلى تاكل البنية التنظيمية لهذه الحركات وانخفاض قدرتها على التجنيد والتمويل. غير أن الوقائع الميدانية خلال عامي 2025 و2026 لا تؤيد هذا الاستنتاج، بل تشير إلى نتيجة معاكسة في العديد من الساحات. فقد أصبحت منطقة الساحل الإفريقي تمثل المركز الأكثر نشاطا للعنف الجهادي على المستوى العالمي، مع استمرار تصاعد أعداد الضحايا واتساع رقعة العمليات المسلحة، وهو ما يعكس انتقال مركز الثقل من المشرق العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يعد الأمر مقتصرا على تنفيذ هجمات متفرقة، بل باتت بعض التنظيمات تمارس أنماطاً من الحوكمة المحلية، فتفرض الضرائب، وتدير شبكات القضاء التقليدي، وتنظم حركة الرعي والتجارة، وتؤمن الحماية لبعض المجتمعات المحلية مقابل الولاء أو التعاون، بما يمنحها مصادر شرعية بديلة عن شرعية الدولة الغائبة.
وتبرز حالة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر مثالا واضحا على هذا التحول إذ لم تعد الحركة تركز على السيطرة الرسمية على المدن الكبرى كما فعل تنظيم داعش في الموصل أو الرقة، بل تعتمد استراتيجية السيطرة الوظيفية على المناطق الريفية والممرات الحيوية، مستفيدة من ضعف حضور الدولة، والانقسامات الإثنية، وتراجع فعالية الجيوش المحلية. وفي المقابل، تبنت ولاية الساحل التابعة لتنظيم داعش نموذجا أكثر هجومية يقوم على استنزاف القوات الحكومية وتنفيذ عمليات عالية الكثافة لإثبات الحضور التنظيمي، ما أدى إلى تنافس بين التنظيمين على النفوذ، لكنه لم يضعف البيئة الجهادية العامة، بل أسهم أحيانا في توسيع نطاق انتشارها نتيجة سعي كل طرف إلى إثبات تفوقه العملياتي.
وتتجاوز دلالات هذه الوقائع مجرد ارتفاع معدلات العنف فهي تشير إلى خلل في الفرضية التي تربط بقاء التنظيمات بامتلاكها كيانا إقليميا واضحا. فالتجربة الإفريقية تثبت أن التنظيم يستطيع الاستمرار بل وحتى التوسع دون الحاجة إلى إعلان (دولة) أو (خلافة)، ما دام قادرا على بناء شبكات نفوذ اجتماعية واقتصادية محلية، واستثمار النزاعات القبلية والعرقية، والتحكم في طرق التجارة غير المشروعة، وفرض نفسه وسيطا أمنيا في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومات. ومن ثم، فإن معيار تقييم قوة التنظيمات لم يعد هو حجم الأراضي الخاضعة لها، وإنما مدى قدرتها على اختراق النسيج المحلي وإدارة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة تجعل القضاء عليها أكثر تعقيدا.
وفي الوقت نفسه، تكشف تجربة تنظيم داعش – ولاية خراسان عن بعد اخر لإعادة التموضع، يقوم على تقليص الاعتماد على المجال الجغرافي لصالح توسيع المجال الشبكي والرقمي. فقد استطاع التنظيم، رغم الضغوط الأمنية المكثفة في أفغانستان، الحفاظ على قدرته على تنفيذ عمليات نوعية داخل البلاد وخارجها، مستفيدا من أدوات التجنيد الإلكتروني، ومن شبكات المهاجرين واللاجئين، ومن الخطاب العابر للحدود الذي يخاطب جمهورا عالميا أكثر مما يخاطب مجتمعا محليا بعينه. وأظهرت العمليات التي استهدفت روسيا وإيران خلال السنوات الأخيرة أن التنظيم لم يعد بحاجة إلى امتلاك قواعد واسعة حتى يتمكن من إنتاج تهديد دولي، إذ أصبح يكفيه بناء خلايا صغيرة، أو تحفيز أفراد متأثرين بالدعاية الرقمية، أو استثمار شبكات قائمة داخل الدول المستهدفة. وبهذا المعنى، فإن إعادة التموضع لا تعني فقط الانتقال الجغرافي، وإنما تعني أيضا إعادة تعريف مفهوم القوة التنظيمية، بحيث تصبح المرونة والقدرة على الحركة والتكيف أهم من السيطرة الترابية المباشرة.
وتضيف الحالة السورية بعدا ثالثا لهذا التحول. فمنذ سقوط النظام السابق وما أعقبه من إعادة تشكيل مؤسسات السلطة، ظهرت معطيات جديدة تتعلق بوجود مقاتلين أجانب داخل تشكيلات أمنية وعسكرية مرتبطة بالسلطة الانتقالية أو متعاونة معها بدرجات متفاوتة. ولا يعني ذلك بالضرورة اندماجا كاملا أو تحولا جذريا في التوجهات الفكرية، لكنه يكشف عن نمط جديد من التكيف، يتمثل في انتقال بعض الفاعلين الجهاديين من العمل خارج الدولة إلى العمل داخل مؤسساتها أو على هامشها، مستفيدين من الحاجة إلى الخبرة العسكرية ومن هشاشة البناء المؤسسي في مرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد هذا التطور أن الحدود الفاصلة بين الفاعل المسلح والدولة أصبحت أكثر ضبابية في بعض البيئات الهشة، وأن التنظيمات قد تلجأ إلى استراتيجيات الاحتواء والاختراق بدلا من المواجهة المباشرة.
ومن ثم، فإن السيناريو الذي يبدو أكثر انسجاما مع معطيات المرحلة هو سيناريو إعادة التموضع، لأنه لا يفترض استمرار التنظيمات بالصيغة نفسها، ولا يفترض أيضا انهيارها النهائي، وإنما ينظر إليها باعتبارها كيانات متحولة قادرة على تعديل بنيتها وأساليبها وفق طبيعة الضغوط التي تواجهها. فكلما فقدت مساحة جغرافية، عوضتها بانتشار شبكي وكلما خسرت قيادة مركزية، عززت استقلالية الفروع المحلية وكلما تعرضت لاستهداف عسكري، انتقلت إلى أشكال أكثر لا مركزية في القيادة والتمويل والتجنيد. وهذه القدرة على التكيف هي التي تفسر استمرار الظاهرة رغم مرور أكثر من عقدين على إطلاق الحرب العالمية على الإرهاب.
أما سيناريو الانكماش التدريجي، فلا يزال يفتقر إلى الشروط البنيوية التي تسمح بتحققه. فمعظم البيئات الحاضنة للعنف الجهادي لم تشهد تحسنا ملموسا في مؤشرات الحكم الرشيد أو التنمية أو بناء المؤسسات، بل إن العديد منها عرف مزيدا من الانقلابات العسكرية، والانقسامات الداخلية، والأزمات الاقتصادية، وتراجع الثقة في الدولة. وفي الساحل، أدى انسحاب بعض القوى الدولية وإعادة رسم التحالفات الأمنية إلى خلق فراغات استغلتها التنظيمات بسرعة، بينما أسهمت النزاعات الأهلية في السودان، والتوترات المستمرة في ليبيا، وعدم الاستقرار في أجزاء من القرن الإفريقي، في توفير بيئات تسمح بانتقال السلاح والمقاتلين والأفكار عبر الحدود. لذلك فإن الحديث عن انكماش شامل يبدو سابقاً لأوانه، لأن الأسباب البنيوية التي أنتجت الظاهرة لا تزال قائمة، بل إن بعضها ازداد تعقيداً.
وفي المقابل، يحتاج سيناريو موجة التعبئة الجديدة إلى مراجعة مفاهيمية. فقد كان هذا السيناريو يفترض، وفق النموذج الذي عرفته أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي أو سوريا بعد عام 2012، ظهور ساحة مركزية تستقطب آلاف المقاتلين الأجانب من مختلف أنحاء العالم. غير أن التجارب الحديثة تشير إلى أن هذا النموذج أصبح أقل احتمالا بسبب تشديد الرقابة الحدودية، وتطور أدوات المراقبة الاستخباراتية، وارتفاع تكلفة السفر والالتحاق بالتنظيمات. لكن ذلك لا يعني انتهاء التعبئة، وإنما تغير شكلها. فبدلا من انتقال الأفراد إلى ساحة الصراع، أصبحت التنظيمات تعيد توزيع المقاتلين الموجودين أصلاً داخل شبكاتها، أو تنقلهم بين فروعها الإقليمية، أو تدمجهم في تشكيلات محلية جديدة، أو تعيد تأهيلهم للقيام بأدوار مختلفة وفق متطلبات المرحلة.
وتظهر هذه الدينامية بوضوح في سوريا، حيث لم تكن الحاجة الأساسية استقطاب مقاتلين جدد بقدر ما كانت إعادة توظيف عناصر موجودة منذ سنوات ضمن هياكل عسكرية وسياسية مختلفة. كما تظهر في الساحل، حيث انتقلت مجموعات وأفراد بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وولاية الساحل التابعة لتنظيم داعش تبعا لموازين القوة المحلية والاعتبارات العملياتية، وليس نتيجة موجة تجنيد عالمية جديدة. ويعني ذلك أن مفهوم (المقاتل الأجنبي) نفسه أصبح بحاجة إلى إعادة نظر إذ لم يعد العنصر الحاسم هو عبور الحدود الدولية، بل القدرة على الحركة داخل فضاء جهادي عابر للحدود، تتداخل فيه الانتماءات التنظيمية مع الولاءات المحلية والمصالح العملية.
وتقود هذه المراجعة إلى استنتاج أوسع، وهو أن مستقبل الظاهرة الجهادية لن تحدده قدرة التنظيمات على استعادة نموذج (الخلافة) الذي انهار في العراق وسوريا، وإنما قدرتها على الاستفادة من الأزمات المزمنة، وتكييف بنيتها التنظيمية مع البيئات المحلية، والانتقال المستمر بين أنماط مختلفة من العمل المسلح والسياسي والاجتماعي والإعلامي. ولذلك، فإن المقاربة التي تركز على القضاء العسكري على القيادات أو على استعادة المدن الكبرى، رغم أهميتها، تبدو غير كافية إذا لم تقترن بمعالجة العوامل البنيوية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه التنظيمات. فالوقائع الحديثة تشير إلى أن التنظيمات الجهادية لا تعود بالضرورة لأنها انتصرت عسكريا، وإنما لأنها نجحت في التكيف مع الهزيمة، وتحويلها إلى فرصة لإعادة البناء وفق نموذج أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على البقاء. ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا خلال السنوات القليلة المقبلة ليس نهاية الظاهرة ولا عودتها إلى صورتها السابقة، بل استمرارها في التحول إلى شبكات لا مركزية متعددة البؤر، تتفاوت في قوتها من إقليم إلى آخر، لكنها تشترك جميعا في قدرة عالية على إعادة التشكل كلما تغيرت البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها.
خاتمة استشرافية
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن ظاهرة المقاتلين الأجانب الأوروبيين، بمعناها الكلاسيكي المرتبط بالهجرة الجماعية نحو ساحة قتال واحدة، تتجه فعليا نحو الانكماش الكمي، نتيجة التطور الكبير في القدرات الأمنية والتشريعية الغربية. غير أن الحركات الجهادية العابرة للحدود لا تبدو في طريقها إلى الزوال، بل إلى إعادة التشكل عبر ثلاثة مسارات متوازية تؤكدها المعطيات المستعرضة في هذه الورقة أولا، الاعتماد المتزايد على التجنيد المحلي في البيئات الهشة، وأبرز نماذجه الساحل الإفريقي حيث تتقاطع النزاعات المجتمعية مع ضعف الدولة وتجاوزات القوات الأمنية والمليشيات الحليفة لها. ثانيا، التوظيف المكثف للفضاء الرقمي كبديل جزئي عن الهجرة الفعلية، كما يوضح نموذج ولاية خراسان في استقطابها وتوجيهها عن بعد لمجندين من آسيا الوسطى. ثالثا، وهو الأكثر استجدادا، بروز نماذج هجينة من إعادة تدوير المقاتلين الأجانب الموجودين أصلا ضمن شبكات عابرة للحدود عبر دمجهم المؤسسي داخل أجهزة دولة هشة، كما تظهر التجربة السورية غير المسبوقة.
وعليه، فإن الاستشراف الأكثر اتساقا مع المعطيات الراهنة هو أن الجهادية العالمية تدخل مرحلة إعادة تشكل لا مرحلة أفول نهائي، حيث يتراجع نموذج (الهجرة الجماعية إلى الجهاد)، فيما تتعزز أنماط ثلاثة متكاملة التمرد المحلي المرتبط بشبكات عابرة للحدود في إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، والتوجيه الرقمي عن بعد في آسيا الوسطى وأوروبا، والاندماج المؤسسي الهجين في الدول الهشة كما في سوريا. وتبقى قابلية استمرار هذا الاندماج الأخير، وما إذا كان سيتحول إلى نموذج مستقر أو إلى شرارة انفجار جديد، أحد أهم الأسئلة البحثية المفتوحة التي ستحدد ملامح الظاهرة خلال السنوات القادمة.
قائمة المراجع
• Africa Center for Strategic Studies, “The Widening Scope of Africa’s Militant Islamist Threat,” April 2026, https://africacenter.org.
• Alhurra / MBN, “Syria’s Foreign Fighters Are an X-Factor for the Country and the Region,” 2026, https://alhurra.com.
• Atlantic Council, “From Dushanbe to Berlin: The Emerging ISIS-K Threat,” October 2024, https://www.atlanticcouncil.org.
• Atlantic Council, “ISIS Has Its Sights Set on a New Potential Ally—Uyghur Jihadi Groups,” September 2025, https://www.atlanticcouncil.org.
• Caspian Policy Center, “ISKP’s Resurgence: The Growing Threat to Central Asia and Global Security,” https://www.caspianpolicy.org.
• Combating Terrorism Center at West Point, “From Insurgency to Statecraft: Al-Sharaa and Syria’s Foreign Fighters Test,” 19 February 2026, https://ctc.westpoint.edu.
• Combating Terrorism Center at West Point, “Uzbek Foreign Fighter Groups in the Syrian Jihad: The Evolution of KIB and KTJ from 2011 through 2025,” 29 January 2026, https://ctc.westpoint.edu.
• Council on Foreign Relations, “Violent Extremism in the Sahel,” Global Conflict Tracker, updated May 2026, https://www.cfr.org.
• Critical Threats Project, American Enterprise Institute, “Salafi Jihadi Areas of Operation in West Africa: Interactive Map and Campaign Analysis,” updated April 2026, https://www.criticalthreats.org.
• Foundation for Defense of Democracies, “From Afghanistan to America: The Rising Reach of the Islamic State Khorasan Province,” 17 February 2025, https://www.fdd.org.
• Foundation for Defense of Democracies, “Syria’s Accommodation of Foreign Jihadists Backfires,” 7 May 2026, https://www.fdd.org.
• Global Terrorism Index 2026, Institute for Economics and Peace, “Jihadist Expansion in the Sahel: Risks and Implications for Coastal West Africa,” https://www.visionofhumanity.org.
• Hoffman, Adam, and Marta Furlan. “Challenges Posed by Returning Foreign Fighters.” Program on Extremism, George Washington University, n.d., https://extremism.gwu.edu.
• HSToday, “JNIM’s Expansion in the Sahel and Coastal West Africa,” 2026, https://www.hstoday.us.
• HSToday, “Syria’s Foreign Fighters: Strategic Asset or Looming Threat?,” 8 September 2025, https://www.hstoday.us.
• International Crisis Group, “The Struggle to Pacify Syria’s Foreign Legions,” 13 May 2026, https://www.crisisgroup.org.
• International Crisis Group, “Understanding JNIM’s Expansion Beyond the Sahel,” 2026, https://www.crisisgroup.org.
• National Counterterrorism Center (NCTC), “ISIS-Khorasan,” Terrorist Groups profile, https://www.dni.gov/nctc.
• Security Council Report, “West Africa and the Sahel, November 2025 Monthly Forecast,” 2 November 2025, https://www.securitycouncilreport.org.
• The Soufan Center, “Nearing the End of 2025, What Is the State of the Islamic State?,” 19 December 2025, https://thesoufancenter.org.
• The Soufan Center, “Stateless Fighters, Stated Goals: Syria’s Precarious Balancing Act,” 1 July 2025, https://thesoufancenter.org.
• Wikipedia, “Islamic State – Khorasan Province,” consulted July 2026 (citing UN Security Council Sanctions Monitoring Team reports).
• Wikipedia, “Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin,” consulted July 2026.
[1]Adam Hoffman and Marta Furlan, “Challenges Posed by Returning Foreign Fighters,” Program on Extremism, George Washington University, n.d.
[2]“ISIS-Khorasan,” National Counterterrorism Center, Terrorist Groups profile, dni.gov/nctc.
[3]International Crisis Group, “Understanding JNIM’s Expansion Beyond the Sahel,” 2026; “Jihadist Expansion in the Sahel: Risks and Implications for Coastal West Africa,” Global Terrorism Index 2026, Institute for Economics and Peace.
[4]Antonio Graceffo, “Rivals in Terror: How JNIM and ISSP Are Spreading the Sahel Islamist Insurgency Across West Africa,” 2026.
[5]Critical Threats Project (AEI), “Salafi Jihadi Areas of Operation in West Africa: Interactive Map and Campaign Analysis,” updated April 2026.
[6]Center for the Analysis of Terrorism / Caspian Policy Center, “ISKP’s Resurgence: The Growing Threat to Central Asia and Global Security.”
[7]“Islamic State – Khorasan Province,” Wikipedia, consulted July 2026, citing UN Security Council Sanctions Monitoring Team reports.
[8]Atlantic Council, “From Dushanbe to Berlin: The emerging ISIS-K threat,” October 2024.
[9]International Crisis Group, “The Struggle to Pacify Syria’s Foreign Legions,” 13 May 2026.
[10]Combating Terrorism Center at West Point, “From Insurgency to Statecraft: Al-Sharaa and Syria’s Foreign Fighters Test,” 19 February 2026; HSToday, “Syria’s Foreign Fighters: Strategic Asset or Looming Threat?,” 8 September 2025.
[11]Alhurra, “Syria’s Foreign Fighters Are an X-Factor for the Country and the Region,” 2026.





تعليقات الزوار ( 0 )