تشهد مالي خلال الأيام الأخيرة تصعيدا أمنيا غير مسبوق، يعكس تحولات عميقة في طبيعة الصراع داخل البلاد، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في منطقة الساحل برمتها. فبين رواية رسمية روسية تتحدث عن إحباط محاولة انقلابية واسعة النطاق، وبيانات صادرة عن جماعات مسلحة تعلن تنفيذ هجمات منسقة، يبدو المشهد المالي مفتوحًا على سيناريوهات أكثر تعقيدًا وخطورة.
في هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مجموعة مسلحة قوامها نحو 12 ألف مقاتل حاولت تنفيذ انقلاب عسكري، مؤكدة أن هؤلاء تلقوا تدريبات على يد عناصر مرتبطة بمرتزقة من أوكرانيا ودول أوروبية. هذا المعطى، إن صحّ، يعكس حجم التشابك الدولي في الأزمة المالية، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على صراع داخلي، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات إقليمية ودولية.
الكرملين شدد، في موازاة ذلك، على أن استعادة الأمن والاستقرار في مالي أصبحت أولوية عاجلة، خاصة في ظل تواصل الهجمات التي استهدفت العاصمة باماكو ومناطق استراتيجية أخرى منذ مطلع الأسبوع. وأفادت تقارير إعلامية بأن عناصر “فيلق أفريقيا” التابع لوزارة الدفاع الروسية تكبدوا خسائر بشرية خلال المواجهات، في مؤشر على شدة الاشتباكات واتساع رقعتها.
وفي تطور لافت، كشفت موسكو عن حصيلة عمليات وصفتها بالنوعية، مؤكدة أن طائرات ومروحيات تابعة للفيلق تمكنت من القضاء على أكثر من 245 مسلحًا خلال التصدي للهجمات، التي استهدفت بشكل متزامن باماكو ومدنًا رئيسية مثل سيفاري وغاو وكيدال. كما أشارت إلى أن الخسائر الإجمالية في صفوف المهاجمين تجاوزت 2500 قتيل، إلى جانب تدمير أكثر من 100 مركبة و150 دراجة نارية.
غير أن هذه الرواية الرسمية تقابلها رواية مغايرة من طرف جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي أعلنت في تسجيل صوتي مسؤوليتها عن سلسلة هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية وصفتها بـ”الاستراتيجية”. وأكدت الجماعة أن عملياتها شملت ضربات مباشرة وعمليات انتحارية، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف القوات المستهدفة، إضافة إلى إرباك انتشارها الميداني.
وأوضحت الجماعة أن هذه الهجمات تأتي ضمن ما وصفته بـ”مواصلة القتال”، معبرة عن عزمها توسيع نطاق عملياتها لتشمل مناطق جديدة، بما فيها العاصمة باماكو، ومؤكدة أن عملياتها لن تتوقف إلا بتحقيق أهدافها المعلنة. هذا الخطاب يعكس انتقال الجماعات المسلحة من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة الهجوم المنسق واسع النطاق.
التقاطع بين الروايتين، الرسمية الروسية والمسلحة الجهادية، يكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع داخل مالين ذلك أن المواجهات لم تعد محدودة جغرافيا أو تكتيكيا، بل أصبحت أكثر تنظيما وتزامنا، مع استهداف مراكز الثقل السياسي والعسكري للدولة، وهو ما يهدد بتقويض ما تبقى من توازن هش.
كما أن انسحاب “فيلق أفريقيا” من كيدال بعد اشتباكات عنيفة يطرح علامات استفهام حول قدرة الحلفاء العسكريين للسلطة الانتقالية على فرض السيطرة في الشمال، الذي ظل تاريخيًا بؤرة توتر ومجالًا لنشاط الجماعات المسلحة والانفصالية.
في العمق، تعكس هذه التطورات أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل المحلية، من هشاشة الدولة وضعف الثقة بين الفاعلين، مع رهانات إقليمية ودولية متصاعدة، حيث باتت مالي ساحة صراع مفتوحة بين قوى متعددة، لكل منها أجندتها الخاصة.
وبين تضارب الأرقام والروايات، يظل المؤكد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها تصعيد ميداني واسع، قد يدفع نحو إعادة رسم موازين القوى داخليًا، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، ليس فقط على مستوى مالي، بل على امتداد منطقة الساحل التي تزداد هشاشتها يومًا بعد يوم.



تعليقات الزوار ( 0 )