في خضم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خاصة على مستوى مضيق هرمز وباب المندب، بدأت ملامح تحول عميق في مسارات التجارة البحرية العالمية تتشكل، مدفوعة بمخاطر أمنية متزايدة وارتفاع تكاليف النقل.
وفتح هذا التحول، الذي فرضته الحرب والاضطرابات الجيوسياسية، الباب أمام بروز فاعلين جدد في سلاسل الإمداد الدولية، وفي مقدمتهم المغرب، الذي باتت موانئه، وعلى رأسها طنجة المتوسط، وجهة مفضلة لشركات الشحن الكبرى.
وأجبرت الهجمات في البحر الأحمر والتضييق الإيراني في مضيق هرمز شركات الشحن العالمية على البحث عن بدائل آمنة، ما أدى إلى اعتماد مسار “الالتفاف حول إفريقيا” عبر رأس الرجاء الصالح.
وهذا الخيار، رغم كلفته الزمنية الإضافية التي تتراوح بين 10 و14 يوماً، أصبح ضرورة لتفادي مناطق التوتر. شركات عملاقة مثل Maersk وHapag-Lloyd وCMA CGM سارعت إلى تعديل مساراتها، مع فرض زيادات في تكاليف الشحن قد تصل إلى 3300 دولار للحاوية الواحدة.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز المغرب كأحد أكبر المستفيدين. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة على الواجهة الأطلسية وقربها من أوروبا يمنحها أفضلية لوجستية حاسمة.
ويتوقع أن يشهد ميناء طنجة المتوسط ارتفاعاً ملحوظاً في حركة السفن، خاصة مع استعداده المسبق لتدبير الضغط المتزايد على بنياته التحتية.
وتشير الأرقام إلى أن الميناء عالج سنة 2025 أكثر من 11.1 مليون حاوية، ما يعزز مكانته كأكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.
ولا يقف الأمر عند طنجة المتوسط فقط، إذ ينتظر أن يشكل ميناء الداخلة الأطلسي، المرتقب دخوله الخدمة بحلول 2029، إضافة نوعية للشبكة اللوجستية المغربية، بما يعزز جاذبية المملكة كمحور عبور رئيسي بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.
في المقابل، بدأت موانئ أوروبية كبرى مثل ميناء روتردام تشهد تراجعا نسبيا في حركة الشحن، حيث انخفض حجم البضائع المعالجة بنسبة 1.7% خلال 2025. هذا التراجع يعكس تحولا تدريجيا في موازين النقل البحري، مع انتقال جزء من النشاط نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.
وتفتح هذه التحولات الباب أمام مشاريع بنيوية كبرى قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، مثل مشروع “قناة إسطنبول” الذي تسعى تركيا إلى إنجازه لتخفيف الضغط عن مضيق البوسفور، إضافة إلى مشروع الربط السككي تحت مضيق جبل طارق بين إفريقيا وأوروبا، والذي قد يشكل، في حال تنفيذه، نقلة نوعية في نقل البضائع بين القارتين.



تعليقات الزوار ( 0 )