أخبار ساعة

02:48 - في مداخلات ندوة “الإسلاميون المغاربة إلى أين؟”.. تحليل نقدي لمضمون النقاش، وبنيته الحجاجية، وإطاره المفاهيمي والمنهجي23:55 - الرباط وباريس تضعان اللمسات الأخيرة لقمة 16 يوليوز تمهيدا لزيارة ملكية مرتقبة إلى فرنسا23:04 - فرنسا تنهي مغامرة “الأسود” بثنائية وتتأهل لنصف نهائي المونديال22:44 - محكمة الاستئناف بمراكش تجمع نخبة من القضاة والخبراء لقراءة مستجدات قانون المسطرة المدنية رقم 58.2522:01 - المغاربة ببلجيكا.. اندماج راسخ أم هجرة متجددة؟21:43 - جيل جديد لحماية جواز السفر المغربي في مخرجات المجلس الحكومي20:01 - “تروتينت” والدراجات الكهربائية.. الحكومة تقنن وسائل التنقل الحديثة وتحدد مستجدات صارمة19:51 - بونو ومبابي يقودان قمة المغرب وفرنسا.. التشكيلة الرسمية لصدام ربع نهائي المونديال19:26 - المنتخب المغربي… هكذا أصبحت كرة القدم قوة ناعمة تعيد رسم صورة المغرب في العالم19:25 - “البام” يحسم لوائح سوس وعائلة وهبي في مقدمة التزكيات
الرئيسية » الرئيسية » في مداخلات ندوة “الإسلاميون المغاربة إلى أين؟”.. تحليل نقدي لمضمون النقاش، وبنيته الحجاجية، وإطاره المفاهيمي والمنهجي

في مداخلات ندوة “الإسلاميون المغاربة إلى أين؟”.. تحليل نقدي لمضمون النقاش، وبنيته الحجاجية، وإطاره المفاهيمي والمنهجي


شكر وتقدير

تتقدم هذه الدراسة بخالص الشكر والتقدير لموقع (الشعاع الجديد) على تنظيم هذه الندوة القيمة والمثرية بعنوان “هل انتهى زمن الإسلاميين في المغرب؟”، والتي أثارت نقاشا أكاديميا وعاما مهما حول مستقبل الحركات الإسلامية في المشهد السياسي المغربي والعربي.

مقدمة منهجية

تتناول هذه القراءة بالتحليل النقدي مضمون ندوة نظمتها جريدة الشعاع الجديد بالرباط حول موضوع “الإسلاميون المغاربة إلى أين؟”، بمشاركة أربعة متدخلين يجمعون بين الصفة الأكاديمية والصفة السياسية أو التحليلية: عمر أحرشان القيادي في العدل والاحسان، وعبد العالي حامي الدين (القيادي في حزب العدالة والتنمية)، وخالد البكاري، ورشيد مقتدر. والهدف من هذه القراءة ليس تلخيص مضامين الندوة، بل إخضاعها لمساءلة نقدية من زوايا أربع: مدى دقة الإطار المفاهيمي المستعمل، ومدى اتساق البنية الحجاجية لكل متدخل على حدة، ومدى سلامة الاستدلال التاريخي والمقارن الذي اعتمد، وأخيرا الإشكاليات المنهجية العامة التي طبعت النقاش ككل. وتنطلق هذه القراءة من افتراض أساسي مفاده أن أي نقاش حول (مالات الإسلاميين) لا يمكن أن يكون محايدا معرفيا بشكل كامل، ما دام أغلب المتدخلين فاعلين مباشرين أو غير مباشرين في الحقل الذي يتناولونه بالتحليل؛ وهو ما يستوجب تفكيك خطاباتهم لا الاكتفاء بعرضها.

نقد الإطار المفاهيمي: إشكالية المصطلح: إسلاميون أم فاعلون بمرجعية إسلامية؟

شكل الخلاف حول مصطلح (الإسلاميين) نقطة انطلاق النقاش، حين رفض عبد العالي حامي الدين هذا الوصف جملة وتفصيلا، معتبرا إياه صناعة (مختبرات أجنبية) تهدف إلى عزل جزء من المجتمع عن عمقه الحضاري، ومقترحا بدلا منه الحديث عن(مسلمين يمارسون السياسة انطلاقا من مرجعية إسلامية). هذا الموقف، وإن كان مشروعا من زاوية نقد المركزية الاستشراقية للمفهوم، يقع في مفارقة منهجية لافتة: فهو ينفي صفة تصنيفية عن فاعل سياسي ينتمي تنظيميا وتاريخيا وأيديولوجيا إلى عائلة سياسية معروفة عالميا بهذا الوصف (حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها)، بينما تصر أدبيات الحزب نفسه، بحسب اعتراف حامي الدين ذاته، على مرجعية إسلامية معلنة كأساس تمايز عن باقي التنظيمات. والحال أن رفض المصطلح من داخل موقع الفاعل السياسي نفسه (لا من موقع الباحث المحايد) يطرح سؤالا لم يطرح بالقدر الكافي في الندوة: هل الاعتراض على المصطلح اعتراض معرفي بالفعل، أم هو استراتيجية خطابية لتحرير الحزب من عبء التصنيف في سياق إقليمي ودولي أصبحت فيه صفة (الإسلامي) مرادفة، في خطابات كثيرة، للتطرف أو الإرهاب؟ لم يفكك هذا البعد الاستراتيجي للمصطلح، رغم أن خالد البكاري أشار لاحقا، بشكل عابر لا معمق، إلى أن (التقرب من الإسلاميين أصبح يثير شبهة) في السياق الدولي الراهن، وهو ما كان يستدعي ربطا أوضح بين رفض المصطلح والسياق الجيوسياسي الذي يجعل تبنيه مكلفا سياسيا.

في المقابل، اكتفى بقية المتدخلين باستعمال المصطلح دون مساءلته نظريا، رغم أنهم استعملوا تصنيفات فرعية متعددة (الإسلاميون الإصلاحيون، الإسلاميون المشاركون، الإسلاميون خارج قواعد اللعبة) دون توضيح المعيار الذي بني عليه هذا التصنيف: هل هو معيار أيديولوجي (طبيعة المرجعية الفكرية)، أم معيار سلوكي (المشاركة أو المقاطعة)، أم معيار تنظيمي (حزب مقابل حركة مجتمعية)؟ اختلاط هذه المعايير الثلاثة طوال النقاش أضعف من دقة التصنيفات المقترحة، وجعل مصطلح (الإسلاميين) يستعمل تارة بوصفه فئة تحليلية وتارة بوصفه حكما قيميا ضمنيا.

دار جزء كبير من النقاش حول ثلاثة مفاهيم مركزية — الأزمة، الانتقال أو (ما بعد الإسلاميين)، والاستمرارية — دون أن يقدم لأي منها تعريف إجرائي واضح يمكن اختباره تجريبيا. فحين استعمل رشيد مقتدر مفهوم (الأزمة بالمعنى الإيجابي) مستلهما تصور آصف بيات حول (ما بعد الإسلاموية)، بدا الانتقال من المستوى النظري العام (حالة إيران كما درسها بيات) إلى الحالة المغربية سلسا أكثر مما ينبغي، دون تفصيل الفوارق البنيوية الجوهرية بين سياق دولة ثيوقراطية قامت أصلا على انتصار مشروع إسلامي سياسي شامل (إيران)، وسياق دولة ملكية ذات شرعية دينية مستقلة عن أي حزب سياسي (المغرب). فالتشابه اللفظي في استعمال مفهوم (الأزمة) لا يعني بالضرورة تماثلا بنيويا في حيثيات نشوئها أو في مالاتها المحتملة، وهو ما كان يستوجب تفكيكا أعمق لشروط قابلية النظرية للتطبيق بدل الاكتفاء بالاستعارة المفاهيمية.

نقد البنية الحجاجية لكل متدخل

رشيد مقتدر: التوظيف الانتقائي للأطر النظرية الغربية

اتسمت مداخلة رشيد مقتدر بالتنظير الأكاديمي الأكثر كثافة في الندوة، عبر استحضار مقولات جيل كيبل وأوليفييه روا وآصف بيات. غير أن هذا التوظيف اتسم بانتقائية واضحة: فقد استدعيت أطروحة بيات (الأزمة كفرصة لإعادة التفكير) لدعم فرضية “الاستمرارية المتموجة” التي تبناها المتحدث سلفا، بينما جرى نقد أطروحة أوليفييه روا (فشل الإسلام السياسي عبر معيار الفشل الانتخابي) باعتبارها متأثرة بمنطق (الدورة الانتخابية الفرنسية) الذي لا ينطبق على سياقات أخرى. هذا التفاوت في درجة التسامح النقدي بين نظرية تستدعى للتأييد ونظرية تستدعى للدحض يكشف عن توظيف وظيفي للأدوات النظرية أكثر منه اختبارا محايدا لصلاحيتها التفسيرية. كما أن الاستدلال بحالتي إيران وتونس ومصر لتفنيد أطروحة (الفشل) اعتمد على أمثلة مختارة (نجاح حزب الله وحماس في (الصمود) دون استحضار أمثلة معاكسة كانت لتخدم الطرح المضاد بالقدر نفسه من المشروعية (تفكك تنظيمات أخرى، أو تراجع شعبية بعض الحركات في الشارع).

عبد العالي حامي الدين من الشاهد الأكاديمي إلى المحامي عن الذات

جمعت مداخلات حامي الدين بين موقعين متداخلين بصعوبة: موقع الباحث الجامعي وموقع القيادي الحزبي المدافع عن تجربة حزبه المباشرة. وقد ظهر هذا التداخل بوضوح حين انتقل الخطاب من التأصيل التاريخي العام (المرجعية الإسلامية للحركة الوطنية) إلى الدفاع المباشر عن سجل حزب العدالة والتنمية الحكومي عبر مفهوم (الملاءمة بين الوسيلة والهدف)، وهو مفهوم تحليلي وجيه من حيث المبدأ، لكنه استعمل هنا بشكل غير متكافئ إذ قدمت أمثلة إيجابية دقيقة (رفض تخفيض رسوم الاستيراد، اقتطاع الدعم عن كبرى الشركات) للدلالة على ملاءمة الخيارات الحكومية لمرجعية العدل، دون التطرق بالقدر نفسه من التفصيل إلى الملفات التي انتقدها خالد البكاري لاحقا (قوانين الأسرة، الفشل في تعديل القانون الانتخابي، التطبيع). وحين أثيرت هذه الملفات من طرف البكاري، لم يقابل النقد بحجاج مضاد مفصل بالقدر نفسه، بل بإحالة عامة إلى طبيعة العمل السياسي والقيود البنيوية للبيئة السياسية الداخلية والخارجية، وهو ما يقترب من مغالطة الاستثناء المسوَّغ دوما التي تبقي الفرضية الأصلية بمنأى عن أي دحض تجريبي ممكن.

خالد البكاري: النقد التجريبي الأكثر صرامة، وحدوده

قدم خالد البكاري النقد الأكثر استنادا إلى معطيات ملموسة (أرقام الميزانية، القوانين التنظيمية، نتائج انتخابية) مقارنة ببقية المتدخلين، وميز بشكل منهجي مفيد بين نقد منطق المشاركة كخيار استراتيجي الذي اعتبره غير قابل للطعن من موقع خارج الفعل السياسي المؤسساتي ونقد الأداء التفصيلي داخل هذا الخيار، وهو تمييز غاب عن باقي المتدخلين. غير أن هذا النقد التجريبي لم يخل من إشكاليات فحين انتقل البكاري إلى نقد جماعة العدل والإحسان ومنطق التدين الصوفي المرتبط بها عبر استحضار واقعة الرؤيا لعام 2006، اقترب الخطاب من الحكم الأخلاقي والمعرفي على منظومة اعتقادية بأكملها (منطق التدين الصوفي في بعض الأحيان يلغي العقل) أكثر منه تحليلا سياسيا لعواقب هذا الخطاب على الفعل الجماعي، وهو ما اعترض عليه بحق من طرف عمر أحرشان بوصفه تجاوزا لحدود التحليل السياسي إلى إصدار أحكام معرفيةعقدية تستدعي أدوات تحليل مختلفة (أنثروبولوجيا الدين لا علم السياسة). كما أن مطالبته المتكررة بـ(عدم اختزال) مراجعات حزب العدالة والتنمية في حادثة اعتقال عبد الإله بنكيران، وإصراره في الآن نفسه على استحضارها، يكشف عن توتر لم يحسم داخل خطابه بين الرغبة في تحليل بنيوي متجرد من الشخصنة وبين الاستدلال بوقائع فردية دالة.

وعلى الرغم من أهمية تصنيف البكاري في محاولة فهم خريطة التيارات الإسلامية، إلا أن هناك فجوة تحليلية مهمة تستدعي التوقف عندها، وهي تتعلق بالتيار السلفي الجهادي.فالملاحظ أن البكاري لم يمنح هذا التيار مساحة كافية من التحليل حول رؤيته للسلطة، وربما أخرجه من منطق الحركات الإسلامية لأنه لا يقبل باللعبة الديمقراطية ولا بالمشاركة السياسية . هذا الرفض ليس نابعاً من منطق مشابه لمنطق جماعة العدل والإحسان، بل من منطق جهادي صريح.

إن هذا الإغفال يمثل نقطة جوهرية في أي تحليل شامل للتيارات الإسلامية، فالسلفية الجهادية، وإن كانت قد لا تندرج ضمن الأطر الحزبية أو الحركات الإصلاحية التقليدية، إلا أنها تمثل تيارا فكريا وسياسيا مؤثرا في فهم العلاقة بين الدين والدولة، وله رؤية واضحة ومختلفة جذريا عن باقي التيارات الإسلامية في المغرب.

إن استبعاد هذا التيار من التحليل أو عدم إبرازه بشكل كافٍ يمكن أن يؤدي إلى فهم منقوص للمشهد الإسلامي العام وتحدياته الأمنية والفكرية.

عمر أحرشان الدولة كمتغير تفسيري شامل

اعتمد عمر أحرشان مفهوم (استدامة النظام السياسي) كمفتاح تفسيري مركزي لفهم علاقة الدولة المغربية بمختلف التيارات (الإسلامية والأمازيغية واليسارية على حد سواء)، معتبرا أن قدرة الدولة على الاحتواء عبر الية التفاوض التاريخية تفسر الاستقرار النسبي للتجربة المغربية مقارنة بمصر وتونس وليبيا وسوريا. هذا الطرح، رغم قوته التفسيرية الظاهرية، ينزلق في لحظات عدة نحو تفسير النزوع التاريخي المغربي والى الخصوصية والمفاوضة كثابت أنثروبولوجي يمتد من المرابطين والموحدين والسعديين إلى العلويين، دون تفسير سياسي-اقتصادي أو مؤسساتي لشروط تجدد هذا النمط في كل حقبة على حدة.

وقد نبه أحرشان نفسه، في لحظة تأمل ذاتي مهمة داخل النقاش، إلى هشاشة مصطلح الحكمة المغربية بوصفه مفهوما فضفاضا، مفضلا الحديث عن (نسق) له وظيفة استدامة النظام، وهي لحظة نقد ذاتي جديرة بالتنويه لأنها نادرة في خطاب باقي المتدخلين إلا أن هذا التصحيح المنهجي لم يستثمر لاحقا بالقدر الكافي، إذ عاد الخطاب إلى الإطار التفسيري نفسه (الدولة الحاوية لكل التناقضات) دون أن يخضعه لاختبار عن الحالات التي فشلت فيها الية (الاحتواء) هذه (كحراك الريف الذي أشار إليه أحرشان نفسه دون ربطه بنقد كاف لحدود نموذج الاستدامة الذي دافع عنه).

نقد الاستدلال التاريخي والمقارن: المماثلة الانتقائية بين الحركة الوطنية والحركات الإسلامية

شكل الربط التاريخي الذي أقامه حامي الدين بين رموز الحركة الوطنية (علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني) وبين الحركات الإسلامية المعاصرة عبر واقعة التضامن مع سيد قطب سنة 1966 أحد أكثر عناصر الندوة إثارة للجدل من الناحية المنهجية. فالانتقال من واقعة تضامن ظرفية (السعي لدى جمال عبد الناصر لعدم إعدام سيد قطب) إلى استنتاج استمرارية بنيوية بين مرجعية الحركة الوطنية الإصلاحية العصرية (المتأثرة بالتجارب الدستورية الأوروبية كما أشار المتحدث نفسه) وبين مرجعية الحركات الإسلامية الحركية اللاحقة يقفز على تمايزات جوهرية بين المشروعين: فالحركة الوطنية انبنت على مطلب دستوري وطني في سياق مواجهة الاستعمار المباشر، بينما نشأت الحركات الإسلامية المغربية لاحقا في سياق دولة وطنية مستقلة، كرد فعل على أزمات أيديولوجية مختلفة (تراجع القومية العربية بعد هزيمة 1967، كما أشار أحرشان نفسه في موضع آخر من النقاش). التذكير بهذا التمايز التاريخي كان ضروريا لتفادي إسقاط شرعية تاريخية بأثر رجعي على تجربة سياسية لاحقة ومختلفة السياق.

المقارنات الدولية: تركيا وإيران وتونس ومصر

لجأ المتدخلون بشكل متكرر إلى المقارنة بتجارب إقليمية (أردوغان في تركيا، الثورة الإيرانية، حركة النهضة التونسية، الإخوان في مصر) لتقوية حججهم حول نجاح أو فشل النموذج الإسلامي السياسي. غير أن هذه المقارنات اتسمت في أغلبها بانتقائية في اختيار وحدة المقارنة فحين استحضرت تجربة أردوغان، جرى التمييز بحق بين نجاحه بوصفه فاعلا سياسيا انتصر فيه النسق الليبرالي العالمي وبين نجاحه لأنه إسلامي، وهو تمييز تحليلي دقيق قدمه خالد البكاري لكن هذا المستوى نفسه من الدقة التفسيرية لم يطبق بالتساوي عند الحديث عن التجربة المغربية، حيث ظل السؤال عن مدى نجاح النموذج المغربي بسبب كونه إسلاميا أم بسبب انسجامه مع نسق الدولة الريعية أو الملكية التنفيذية مطروحا ضمنيا دون معالجة صريحة ومباشرة بالقدر الذي عولجت به الحالة التركية.

إشكاليات منهجية عامة في بنية النقاش: غياب البيانات الكمية والمصادر الموثقة

رغم الطابع الأكاديمي المعلن للندوة، اتسم النقاش بغياب شبه كامل للاستناد إلى معطيات كمية موثقة (استطلاعات رأي، إحصائيات المشاركة الانتخابية بحسب الشرائح العمرية، دراسات ميدانية حول التدين). فحين أثار عمر أحرشان فرضية تزايد حالة التدين الفردي في المجتمع مقابل تراجع الحركية التنظيمية الإسلامية، قدمت هذه الفرضية كمعطى شبه بديهي (السبحة الإلكترونية، الإقبال على حفظ القرآن) دون سند إحصائي، رغم أن هذا النوع من الفرضيات قابل تماما للاختبار عبر مسوح ميدانية متوفرة جزئيا في الأدبيات السوسيولوجية المغربية. كما أن الإحالات إلى المراجع النظرية (كيبل، روا، بيات، شرابي، حمودي) وردت شفويا دون تحديد دقيق للمصادر أو الطبعات أو سياقات الاقتباس، وهو أمر مقبول في سياق شفوي-إذاعي، لكنه يحد من إمكانية اعتبار الندوة دراسة أكاديمية بالمعنى الدقيق للمصطلح، ويجعلها أقرب إلى حوار فكري-سياسي مستنير منها إلى مساهمة بحثية قابلة للتحقق.

مأزق الذاتية للمتحدثين

يطرح تركيب لجنة الندوة إشكالا منهجيا جوهريا يتعلق بشرط الحياد النسبي في أي نقاش يوصف بـالعلمي: فأحد المتدخلين (حامي الدين) قيادي حزبي في صلب موضوع النقاش، بينما بدا متدخل آخر (أحرشان) أقرب في مرجعيته التحليلية إلى الدفاع الضمني عن جماعة العدل والإحسان في عدة مواضع من النقاش (الإشادة بـصمود الجماعة وعنصر القوة الذاتي الذي لم تفقده رغم التضييق)، بينما جاء موقعا البكاري ومقتدر أقرب إلى موقع المحلل الخارجي النسبي. هذا التفاوت في المواقع لم يُصرَّح به بشكل منهجي في مستهل الندوة (بيان تضارب المصالح أو الموقع التحليلي)، وهو ما يستوجب من القارئ الأكاديمي قراءة كل مداخلة في ضوء موقع صاحبها من موضوع البحث، لا التعامل مع مجمل النقاش كخطاب علمي متجانس المصدر.

البنية الحوارية كثرة المقاطعات وتشظي سلاسل الحجاج

اتسم الجزء الأخير من الندوة، خصوصا في التفاعل بين خالد البكاري وعمر أحرشان حول موضوع جماعة العدل والإحسان ومنطق التدين الصوفي، بكثرة المقاطعات المتبادلة، وهو ما أدى إلى تشظي بعض سلاسل الحجاج قبل اكتمالها منطقيا (كما يظهر من تكرار عبارات (سمح لي)، (انا جايك)، (خليني نكمل)). هذا النمط الحواري، وإن كان طبيعيا في سياق ندوة شفوية حية، يفرض على أي قراءة نقدية لاحقة أن تتعامل بحذر مع بعض المواقف الواردة في الندوة باعتبارها استنتاجات نهائية مكتملة، بينما هي في جوهرها مواقف مقتضبة قطعت في لحظة الذروة الحجاجية قبل أن يستكمل أصحابها تبريرها الكامل.

تقييم عام للقيمة المضافة للندوة

رغم الملاحظات النقدية السابقة، تجدر الإشارة إلى أن الندوة قدمت قيمة مضافة حقيقية على مستويين على الأقل: أولا، نجحت في تجاوز الثنائية التبسيطية الشائعة إعلاميا (نجاح الإسلاميين/فشل الإسلاميين) نحو تصنيف أكثر دقة للتيارات الإسلامية المغربية إلى روافد متعددة (إخواني، متأثر بالتشيع، سلفي، صوفي)، وهو تصنيف مفيد تحليليا رغم الحاجة إلى ضبط معاييره كما أشير أعلاه وثانيا، أتاحت مواجهة مباشرة، وإن كانت متوترة أحيانا، بين موقع الفاعل السياسي المدافع عن تجربته (حامي الدين) وموقع الناقد الخارجي (البكاري)، وهي مواجهة نادرا ما تتوفر بهذا القدر من الصراحة في الإعلام المغربي التقليدي، وتحمل قيمة توثيقية بغض النظر عن مدى اكتمال الحجاج فيها.

تكشف هذه القراءة النقدية أن ندوة (الإسلاميون المغاربة إلى أين؟) أقرب إلى حوار فكري-سياسي رفيع المستوى منها إلى ندوة اكاديمية بالمعنى المنهجي الصارم للمصطلح، نظرا لغياب الإسناد التجريبي الكافي، وتداخل مواقع المتحدثين بين الفاعل والمحلل، وانتقائية بعض المقارنات التاريخية والدولية. ومع ذلك، فإن هذا لا ينتقص من قيمتها بوصفها وثيقة أولية غنية بالفرضيات القابلة للاختبار، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لندوة أكاديمية لاحقة أكثر صرامة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الرباط وباريس تضعان اللمسات الأخيرة لقمة 16 يوليوز تمهيدا لزيارة ملكية مرتقبة إلى فرنسا

9 يوليو 2026 - 11:55 م

كشف موقع “أفريكا إنتليجنس” (Africa Intelligence) الفرنسي، المتخصص في الشؤون الاستراتيجية بالقارة الإفريقية، عن وجود تحركات دبلوماسية مكثفة بين الحكومتين المغربية والفرنسية لصياغة برنامج عمل غني ومفصل استعدادا للاجتماع رفيع المستوى المقرر عقده في 16 يوليوز الجاري بالمملكة المغربية.

فرنسا تنهي مغامرة “الأسود” بثنائية وتتأهل لنصف نهائي المونديال

9 يوليو 2026 - 11:04 م

ودع المنتخب الوطني المغربي منافسات كأس العالم 2026 من الدور ربع النهائي، بعد خسارته أمام نظيره الفرنسي بهدفين دون رد، ليحجز “الديوك” رسميا مقعدهم في المربع الذهبي للمونديال ويضربوا موعدا مع الفائز من مواجهة إسبانيا وبلجيكا، لينتهي بذلك مشوار تاريخي آخر لأسود الأطلس في المحفل العالمي.

محكمة الاستئناف بمراكش تجمع نخبة من القضاة والخبراء لقراءة مستجدات قانون المسطرة المدنية رقم 58.25

9 يوليو 2026 - 10:44 م

في إطار مواكبة المستجدات التشريعية وتعزيز النقاش العلمي حول الإصلاحات القانونية التي يشهدها قطاع العدالة، تنظم محكمة الاستئناف بمراكش، يوم الأربعاء 15 يوليوز 2026، ندوة علمية تحت عنوان: “قراءة في مستجدات القانون الجديد رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية”، وذلك ابتداء من الساعة الثانية والنصف بعد الزوال بمقر المركب الاصطيافي التابع لوزارة العدل بمراكش.

المغاربة ببلجيكا.. اندماج راسخ أم هجرة متجددة؟

9 يوليو 2026 - 10:01 م

شهدت الهجرة المغربية نحو بلجيكا، على امتداد أكثر من ستة عقود، تحولات عميقة نقلتها من مجرد حركة للبحث عن فرص العمل إلى تجربة استقرار طويلة الأمد أفرزت واحدة من أكثر الجاليات المغربية تجذرا داخل أوروبا، وبينما ما تزال النقاشات العامة حول الهجرة تختزل أحيانا في أعداد الوافدين أو تحديات الاندماج، تكشف المعطيات الحديثة أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ تعكس المؤشرات الديمغرافية والقانونية والاجتماعية مسارا مختلفا يقوم على الاندماج المدني واكتساب الجنسية والاستقرار متعدد الأجيال.

جيل جديد لحماية جواز السفر المغربي في مخرجات المجلس الحكومي

9 يوليو 2026 - 9:43 م

أقر مجلس الحكومة، في اجتماعه المنعقد اليوم الخميس برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مشروع المرسوم رقم 2.26.551 الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والقاضي بتغيير وتتميم المرسوم الصادر سنة 2008 المحدث بموجبه جواز السفر البيومتري.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°