أخبار ساعة

01:07 - انسداد أفق الحوار بين المحامين ووهبي يدفع أصحاب “البذلة السوداء” للحديث عن التحكيم الملكي00:56 - صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان00:53 - التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة00:46 - المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية23:42 - وزارة التعليم العالي تفند الشائعات وتؤكد صحة نجاح مترشح في مباراة كليات الطب23:34 - “ماتقيش ولدي” تثمن إطلاق حملة “منسكتوش” وتدعو لإجراءات عملية لحماية الأطفال22:48 - إبراهيم العسري رئيسا جديدا للوداد الرياضي خلفا لهشام أيت منا22:37 - خماسية ودية أمام الرأس الأخضر تنهي تحضيرات “لبؤات الأطلس” لنهائيات “كان 2026”22:05 - وزارة الخارجية تتابع بانشغال بالغ وفاة مواطن ببولونيا وتطالب إيطاليا بتحقيق شامل21:44 - المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تطالب سفير إيطاليا بفتح تحقيق نزيه في مقتل عبد الرحيم فقير
الرئيسية » مقالات الرأي » صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

     ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ هي صناعة للمعنى، وبناء للوعي، وتشكيل للذاكرة الجماعية.

     ومِن أهم أدوات هذه الصناعة ” المصطلح السياسي “، فهو الكلمة التي تختزل مرحلةً، والعبارة التي تُلخِّص مشروعًا، والتسمية التي تعيد ترتيب العلاقات بين القوى والأحداث. وكثيرًا ما كانت المصطلحات أكثر بقاءً من الوقائع نفسها، إذْ تمضي الأحداث، ويبقى اللفظُ شاهدًا عليها، يُوجِّه فهمها، ويُؤَثِّر في تأويلها.

     وفي التاريخ الصحفي العربي الحديث، يبرز اسمان تركا أثرًا واضحًا في تشكيل اللغة السياسية والإعلامية، هُما الكاتب المِصري محمد حسنين هيكل (1923_ 2016) والكاتب الفِلَسطيني عبد الباري عطوان ( وُلد 1950 ). ولكل واحد منهما منهج خاص في صياغة المصطلحات وتوظفيها، يعكس تكوينه الثقافي، ومدرسته الصحفية، ورؤيته للعالَم، وأسلوبه في قراءة التحولات الدولية والإقليمية.

     أدركَ هيكل أنَّ اللغة ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الخبر، وإنما هي أداة لفهم التاريخ وصناعته. لذلك جاءت كتاباته مشبعة بالمفاهيم المُركَّبة، التي تمزج بين التحليل السياسي والرؤيةِ التاريخية.وكان يميل إلى صياغة تعبيرات ذات طابع إستراتيجي، لا تستهدف الإثارةَ العابرة، وإنما تسعى إلى تفسير الظواهر الكبرى، وربطها بسياقاتها العميقة. ففي مقالاته وكتبه تبدو المصطلحات جُزءًا من بناء فكري متكامل، لا مُجرَّد زخارف لغوية، أو عناوين صحفية.

     وكان هيكل شديد العناية بدقة اللفظ، لأن الكلمة عنده مسؤولية معرفية قبل أن تكون وسيلة إعلامية. لذلك كثيرًا ما كان يشرح المصطلحَ، ويُبَيِّن ظروفَ نشأته، ويُوضِّح حدوده الدلالية، حتى لا يتحوَّل إلى شعار فارغ أو أداة للتضليل. ومِن هُنا اكتسبت مصطلحاته قدرة على الاستمرار، لأنها وُلدت من قراءة واسعة للتاريخ والسياسة والعلاقات الدولية، لا مِن انفعال لحظة، أو تأثير حدث عابر.

     أمَّا عطوان فقد جاء من مدرسة صحفية مختلفة، تقوم على القرب من الحدث، والاحتكاكِ المباشر بتفاصيل الصراع، ومخاطبة جمهور واسع بلغة تَجمع بين الفصاحة والوضوح. لهذا اتَّجه إلى إنتاج مصطلحات أكثر التصاقًا بالإعلام اليومي، وأكثر قدرة على الانتشار في الفضاء العام، مستفيدًا من قوة الصورة البلاغية، وسرعةِ الإيقاع، وحيويةِ الأسلوب.

     وفي كتابات عطوان نجد المصطلحَ يولد غالبًا من رحم الحدث الساخن، ثم يتوسع استعماله حتى يصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي. وهو يميل إلى التعبيرات التي تستفز الذهنَ، وتثير النقاش، وتختزل موازين القوى في صورة لغوية مكثفة. لهذا استطاعت كثير من عباراته أن تجد طريقها إلى المقالات والبرامج الحوارية ومِنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تخاطب المتلقي بلغة مباشرة دون أن تتخلى عن بُعدها السياسي.

     غَير أنَّ الفرق بين الكاتبَيْن لا يكمن في القدرة على ابتكار المصطلحات، وإنما في الفلسفة الكامنة وراء هذا الابتكار. هيكل ينطلق من رؤية المؤرخ الذي يفسر حركة التاريخ، لذلك تأتي مصطلحاته أشبه بالمفاتيح الفكرية لفهم التحولات الكبرى. أمَّا عطوان فينطلق من رؤية الصحفي المتابع للصراع اليومي، فتأتي مصطلحاته أكثر ارتباطًا بإيقاع الأحداث، وتقلباتِ الواقع السياسي.

     وليس من الإنصاف أن تُقَاس تجربة أحدهما بمعايير الآخر، لأن لكل مدرسة غايتها وأدواتها. مدرسة هيكل تسعى إلى تأسيس الوعي التاريخي والسياسي عبر لغة دقيقة ذات نَفَس تحليلي طويل، بينما تسعى مدرسة عطوان إلى مرافقة الحدث، وقراءته لحظة بلحظة، وصياغة خطاب إعلامي قادر على الوصول إلى جمهور واسع في زمن السرعة وتدفقِ المعلومات.

     ومعَ ذلك، فإن العنصر الجامع بينهما هو الإيمان بأن المصطلح ليس كلمة عابرة، بلْ قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام. وحين ينجح الكاتبُ في تسمية ظاهرة سياسية تسميةً دقيقة، فإنه يمنح القارئ إطارًا ذهنيًّا لفهمها، ورُبَّما يُوجِّه النقاشَ العام نحو زاوية مُعيَّنة دون غيرها. لهذا كانت معركة المصطلحات دائمًا جزءًا من معركة السياسة نفسها، إذْ تتنافس الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام والمفكرون على فرض اللغة التي يُقْرأ بها الواقع.

     إنَّ المقارنة بين هيكل وعطوان ليست منافسة بين صَحَفِيَّيْن، بلْ هي مقارنة بين مدرستَيْن في التفكير السياسي والإعلامي، مدرسة تؤمن بأن المصطلح ثمرة للتاريخ، ومدرسة ترى أنَّه ابن اللحظة السياسية المتحركة. وكلتاهما أسهمتْ،بطريقتها الخاصة،في إثراء المعجم السياسي العربي، وتوسيعِ قدرة اللغة العربية على التعبير عن قضايا العصر، وتعقيداتِ العلاقات الدولية.

     وتبقى الكلمة هي أول أدوات السياسة وآخرها. ومن يملك القدرةَ على تسمية الأشياء يملك القدرةَ على توجيه الوعي بها. لهذا سيظل صانع المصطلحات حاضرًا في ذاكرة الأمم، لأن التاريخ لا يُكتَب بالأحداث وحدها، وإنما يُكتَب أيضًا بالأسماء التي تُطلَق عليها، وبالمفاهيم التي تُفَسَّر بها حركتها، وباللغة التي تمنحها معناها الباقي عبر الزمن.

كاتب من الأردن

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة

22 يوليو 2026 - 12:53 ص

ثمة صورة سائدة في مجتمعنا تتعلق بنظرات الشفقة والرأفة للمتقاعدين والمتقاعدات على اعتبار أجلهم المهني والوظيفي قد انتهى وفائدتهم الاجتماعية

المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية

22 يوليو 2026 - 12:46 ص

تشهد القارة الإفريقية تحولًا نوعيًا في مفهوم الأمن الطاقي؛ فلم تعد مشاريع الطاقة تُقاس بحجم الاحتياطيات أو طول خطوط الأنابيب،

تسمية الشوارع المغربية بين الهوية الوطنية والانفتاح الدبلوماسي

21 يوليو 2026 - 3:02 م

أثارت بعض الأنباء والتقارير حول إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة المغربية الرباط جدلاً

الكولابس والانهيار الكبير هل يدفعنا الذكاء الاصطناعي لتدمير أنفسنا

21 يوليو 2026 - 1:22 م

في أمسية فكرية استثنائية احتضنتها مدينة القنيطرة ضمن اللقاء الافتتاحي لصالون البروفيسورة مريم آيت أحمد الفكري تقاطعت الرؤى وتشابكت الهواجس

ماذا بعد الأشواط الإضافية ؟!

20 يوليو 2026 - 2:47 م

لا يبالغ من يرى أن المقاهي في المغرب تحولت إلى ثقوب سوداء تبتلع الأعمار والوقت والصحة والمال. وخلال فعاليات ما

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°