تشهد العلاقات المغربية السورية تحولاً لافتًا بعد سنوات من الفتور والقطيعة السياسية، في سياق إقليمي يتسم بإعادة ترتيب التحالفات العربية وتبدل موازين التموقع داخل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث أعادت التطورات الأخيرة طرح قضية الصحراء المغربية داخل الفضاء العربي من زاوية جديدة، عنوانها اتساع دائرة الدعم الإقليمي للمقترح المغربي للحكم الذاتي.
ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه المنطقة تغيرات سياسية متسارعة؛ سواءً على مستوى إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي أو على مستوى تراجع الاصطفافات التقليدية التي طبعت المرحلة السابقة، كما تعكس هذه الدينامية الجديدة تنامي التقاطعات السياسية بين الرباط وعدد من العواصم العربية المؤثرة، مقابل تراجع هامش المناورة أمام الأطروحات المناوئة للوحدة الترابية للمملكة.
حصيلة سياسية
يعتبر بلال التليدي، الكاتب والمحلل السياسي، أن خطوة إعادة فتح السفارة السورية بالمغرب، بالتزامن مع إعلان دمشق دعمها لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، ليست حدثًا معزولاً أو مفاجئًا، بل تمثل ثمرة مسار سياسي ودبلوماسي طويل امتد لأزيد من أربعة عشر عامًا، ظل خلالها المغرب ثابتًا في دعمه للشعب السوري خلال محنته السياسية والأمنية.
وأوضح التليدي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الرباط اختارت منذ اندلاع الأزمة السورية الاصطفاف إلى جانب ما يعرف بـ”أصدقاء سوريا”، كما ساهمت في دعم الثورة السورية سياسيًا ودبلوماسيًا، في وقت كانت فيه الجزائر تتبنى موقفًا مغايرًا عبر دعم نظام بشار الأسد.
وأشار الكاتب والمحلل السياسي إلى أن هذا التباين في المواقف بين الرباط والجزائر انعكس بشكل مباشر على طبيعة العلاقات التي نسجتها كل دولة مع سوريا الجديدة بعد التحولات التي شهدتها البلاد.
وأضاف أن المغرب لم يتردد في مساندة الدولة السورية الجديدة بعد نجاح الثورة، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الطرفين ظلت تتجه تدريجيًا نحو الانفتاح الكامل.
ولفت إلى أن بعض الاعتبارات المرتبطة باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية داخل سوريا أخرت فقط الإعلان الرسمي عن عودة العلاقات الدبلوماسية وافتتاح السفارة السورية بالمغرب، وهو ما جعل الخطوة الحالية تبدو تتويجًا طبيعيًا لمسار طويل من التقارب والتفاهم السياسي.
إجماع عربي
يؤكد التليدي على أن الموقف السوري الداعم للوحدة الترابية للمملكة ينسجم مع ما وصفه بحالة الإجماع العربي الواسع حول قضية الصحراء المغربية، مبرزًا أن أغلب الدول العربية؛ سواءً في الخليج أو الشرق الأوسط، باتت تدعم بشكل واضح المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره حلاً واقعيًا وذا مصداقية لهذا النزاع الإقليمي.
وأردف أن الاستثناءات العربية في هذا الملف تبقى محدودة، موضحًا أن الجزائر تتبنى موقفًا مناوئًا للمغرب وتواصل دعم جبهة البوليساريو، بينما اختارت موريتانيا الحياد لاعتبارات سياسية وجغرافية وإقليمية، في حين تعيش تونس، حسب رأيه، وضعً سياسيًا واقتصاديًا صعبًا جعلها أقرب إلى التأثير الجزائري في بعض المواقف الدبلوماسية.
وفي المقابل، شدد المتحدث على أن موريتانيا تشهد تطورات تدريجية قد تدفعها مستقبلاً إلى الاقتراب أكثر من الطرح المغربي للحكم الذاتي، مضيفًا أن المشهد التونسي بدوره قابل للتغيير في ظل التحولات السياسية الداخلية التي تعرفها البلاد، وما يرافقها من نقاش داخل النخبة السياسية التونسية حول طبيعة العلاقات مع المغرب وحدود التقارب مع الجزائر.
خسارة جزائرية
يرى التليدي أن التحول السوري الأخير يحمل دلالات سياسية قوية بالنسبة للجزائر؛ خاصة أن العلاقة التي كانت تجمعها بالنظام السوري السابق كانت توصف بالقوية والاستراتيجية، لافتًا إلى أن دمشق ظلت خلال السنوات الماضية تحافظ على نوع من “المنطقة الرمادية” في تعاطيها مع قضية الصحراء المغربية، دون أن تتبنى دعمًا صريحًا للموقف المغربي.
وأوضح أن إعلان سوريا دعمها الواضح للوحدة الترابية للمغرب ولمبادرة الحكم الذاتي يمثل ضربة دبلوماسية للجزائر، باعتبار أن الأخيرة فقدت دولة عربية كانت تحسب ضمن دائرة التقارب السياسي معها، في حين تمكن المغرب من كسب دعم دولة عربية جديدة داخل المشرق العربي.
وأضاف أن هذا التطور يعكس تحولاً أوسع داخل المنطقة العربية، حيث لم يعد هناك أي دعم عربي رسمي للموقف الجزائري داخل الخليج أو الشرق الأوسط، مقابل تنامي الدعم العربي للمغرب في ملف الصحراء، وهو ما يعزز موقع الرباط دبلوماسيًا داخل الفضاء العربي والإقليمي.
علاقات طبيعية
يبرز التليدي أن تزامن إعادة فتح السفارة السورية بالمغرب مع إعلان دعم مغربية الصحراء يعكس ما وصفه بـ”الوضع الطبيعي” الذي ينبغي أن يسود بين الدول العربية، معتبرًا أن العلاقات بين الرباط ودمشق تستند إلى منطق التضامن العربي والمصالح المشتركة، وليس فقط إلى الحسابات الظرفية أو التوازنات المؤقتة.
وأضاف أن المغرب ظل طيلة السنوات الماضية، متمسكًا بموقف داعم لوحدة سوريا واستقرارها، إلى جانب دعمه لتطلعات الشعب السوري، وهو ما ساهم في بناء رصيد من الثقة السياسية بين البلدين، ترجم اليوم في شكل تقارب دبلوماسي وإعادة إحياء للعلاقات الثنائية.
وشدد المحلل السياسي على أن الموقف السوري الجديد لا يخرج عن السياق العربي العام الداعم للوحدة الترابية للمملكة، معتبرًا أن التطورات الأخيرة تعكس اتجاهًا إقليميًا متزايدًا نحو دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، مقابل تراجع الأطروحات المناوئة داخل الفضاء العربي.


تعليقات الزوار ( 0 )