بعيدا عن اللغط والكلام العقيم الذي لا قيمة له في الأبحاث أو النقاشات العلمية، أودّ أن أوضح أمرا بالغ الأهمية بصدد مقال (أو بحث) السيد الطحاوي، ومفاد هذا الأمر أن العبرة في تقييم جدة الأبحاث العلمية لا تكمن في اختلاف الكلمات والعبارات وإعادة صياغة الجمل، بل وقد لا تكون في هذا البحث أو المقال الصحفي كبير أهمية عند صاحبه لا المقدمة التاريخية الطويلة ولا الخاتمة، وإنما العبرة بجوهر البحث الدال عليه عنوان المقال الذي هو:” توقع زوال الخلافة وانقراض الشريعة….” ذلك هو جوهر المقال الذي يشدد عليه الكاتب، ويريد فعلا أن يقنع قارئه بنظرته هذه، و”بقراءته الجديدة” لصلب كتاب غياث الأمم للجويني….
هنا يجب التوضيح وفقا للضوابط العلمية المعمول بها في هذا المجال:
فلقد ظل كتاب “غياث الأمم مهملا من طرف الدارسين ومعتبرا في أفضل الأحوال مجرد كتاب في “الأحكام السلطانية” التي لا ترقى إلى كتاب الماوردي المعروف في هذا المجال، حتى إن المستشرق الكبير H.LAOUST المهتم كثيرا بالجانب السياسي والفقهي معاً في تراث الإسلام، مرّ على كتاب الجويني مرّ الكرام كما أوضحنا في دراستنا، كما كان حظّ كتاب الجويني المذكور ضعيفا من طرف المعاصرين من المسلمين، فيما عدا العمل المهم الذي قام به المرحوم عبد العظيم الديب بإخراج كتاب الجويني إلى الوجود وإعادة تحقيقه.
والملاحظ هنا أن المرحوم الديب لم يقم بدراسة معمقة مستفيضة لكتاب غياث الأمم، وإنما اكتفى في تقديمه للكتاب بالإشارة إلى بعض الطروحات الجديدة لهذا الكتاب مكتفيا بمحض بعض الإشارات إليها مع الإكثار من نصوص الكتاب وشواهده الدالة عليها…
في حين أننا من جهتنا قد عقدنا العزم على أن نقوم بقراءة أخرى جديدة لهذا العمل الهام للجويني مع رؤية تكاملية تربط بين الرؤية المقاصدية الجديدة عند الجويني وتوقعاته بانحلال الزمان الإسلامي والتدهور الحضاري الذي توقع حضوره وشيكا في المجتمعات الإسلامية، مع بيان سبل الإنقاذ انطلاقا من تجديد عميق قام به الجويني لأول مرة في مجال المقاصد الشرعية الكلية والقطعية…. وذلك ما تطلب منا زهاء عشر (10) سنوات كاملة لدراسة وتحليل هذا الكتاب محاولين وضعه في سياقه الحضاري وإعادة قراءته “قراءة جديدة وصفها الدكتور رضوان السيد في غلاف كتابنا بكونها تأسيسا لطريقة جديدة في البحث” نزعم انها قراءة لم يُسبق إليها…
والقارئ لمقال السيد الطحاوي يدرك بسهولة أن صاحبه يشدّد كثيرا في ذلك الجانب من كتاب غياث الأمم بجانب تخيل وافتراض انحلال وانقراض كل السلط السياسية والعلمية بل إن سرده لمراحل ذلك التراجع الحضاري وما تقتضيه من إجراءات استعجالية هو عين ما اجتهدنا في بيانه ووقفنا طويلا فيه بل واعدنا لأول مرة بالأدلة القطعية تأصيل ذلك التراجع المتوقع بناء على تنبيهات إلى نشأة “علم مقاصد الشريعة” مع الجويني، ثم مع تخيله وتوقعه انقراض الوعي بالشريعة ذاتها فقها وأصولا ومقاصد كذلك..!
وعليه فتاريخ البحث الجامعي والأكاديمي في العالم العربي المعاصر يوضح أن كتاب غياث الأمم لم يحظ بالاهتمام إلا مع المرحوم عبد العظيم الديب الذي اكتفى، كما قلنا سابقا في تقديمه للكتاب بالإشارة إلى رؤوس مواضيعه دونما تفصيل… وبخلاف ذلك حاولنا من جهتنا الوقوف طويلا على تلك الرؤى الجديدة في كتاب الجويني محاولين إعادة قراءتها وتفصيل كل جوانبها وتبرير منطقها الفكري والتاريخي، خاصة في ضوء البنية النظرية المتمثلة في المقاصد الشرعية التي كان الجويني أوّل منظّر لها (ص 34-442) من طبعة بيروت.
حقا! ليس كتاب غياث الأمم ملكا خاصا لأحد، فهو جزء من تراثنا الإسلامي مشاع لكل باحث، إلا أنه بات من اللازم على كل باحث في موضوع ما، حتى ولو كان مجرد كاتب صحفي ألاّ يحيد عن الشروط الأكاديمية التي تلزمه بالإحالة ولو بمجرد الإشارة، إلى الذين سبقوه في طرح هذا الموضوع، ومعلوم أن كتابنا عن إشكالية السلطة العلمية بعد طبعته الأولى ببيروت سنة 1993 قد أعيد طبعه مرتين متتاليتين سنة 2010 في بلد السيد عبد الله الطحاوي، القاهرة، إحداهما بعناية الدولة المصرية، فكيف لا يتابع مهتم بالشأن الثقافي ما يصدر ببلده من أعمال تتقاطع مع اهتماماته الفكرية؟؟ سواء كان موافقا أو معترضا، ولكن دون أن يحاول إفهام قراءه أنه قد أتى بما لم يأت به الأوائل، وأنه بصدد تقديم رؤية جديدة خاصة به…. هذا أمر لا يمكن التساهل معه في التقاليد الأكاديمية الجامعية وفي الأبحاث العلمية الرصينة، ولِم لا يتحتم مراعاته أيضا في المقالات الصحفية المهتمة بالشأن الثقافي والعلمي كما هو الحال في التقاليد الجامعية الغربية…؟






تعليقات الزوار ( 0 )