تشهد الساحة الإفريقية تحولات لافتة في موازين القوى داخل المؤسسات القارية، بعدما برزت مؤشرات قوية على تراجع قدرة التوافق الجماعي بشأن القضايا الكبرى ذات الامتداد الدولي، إذ يأتي الجدل الأخير حول ترشيح شخصية إفريقية بارزة؛ كانت مدعومة من المغرب-، لمنصب أممي رفيع ليعكس حجم التباينات السياسية والاستراتيجية بين الدول الأعضاء، ويؤكد أن منطق الإجماع لم يعد بنفس القوة التي كان عليها في مراحل سابقة.
وفي خضم هذه التطورات، برزت آليات دبلوماسية تقليدية، من قبيل “إجراء الصمت”، كاختبار حقيقي لمدى انسجام المواقف داخل الاتحاد الإفريقي، غير أن النتائج كشفت عن انقسامات حادة، ترجمتها معارضة جماعية غير مسبوقة، من خلال رفض 20 دولة إفريقية لدعم هذا الترشح، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل الإفريقي المشترك، وحدود التأثير الإقليمي في الاستحقاقات الدولية الكبرى.
-نفوذ جزائري
يرى أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية، أن فشل اعتماد ترشيح ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يعكس استمرار فاعلية التحركات الجزائرية داخل دواليب الاتحاد الإفريقي.
وأبرز نور الدين في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا الأمر يؤكد أن هذا التطور ليس معزولا، بل يندرج ضمن سياق أوسع من التنافس الجيوسياسي داخل القارة، حيث تسعى بعض القوى إلى إعادة تشكيل موازين التأثير وفق حسابات استراتيجية دقيقة.
وأضاف أن قدرة الجزائر على حشد هذا العدد من الدول لكسر “حاجز الصمت” تعني امتلاكها أدوات ضغط فعالة داخل المنظمة القارية، وهو ما يفسر بحسبه، تعثر عدد من المبادرات التي تدعمها أطراف أخرى داخل إفريقيا.
-تساؤلات مغربية
يطرح نور الدين تساؤلات بشأن حصيلة التحرك الدبلوماسي المغربي في إفريقيا، معتبرا أن ما تحقق على مستوى فتح القنصليات لا يوازي في نظره، تأثيرا قانونيا أو مؤسساتيا ملموسا داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي.
ونبه الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن هذا المعطى الأخير يفسر جزئيا عدم قدرة المغرب على تحقيق اختراقات حاسمة في ملفات استراتيجية.
وأشار إلى أن هذا الإخفاق يندرج ضمن سلسلة من النكسات الدبلوماسية، مستحضرا خسارة المرشحة المغربية لطيفة أخرباش لمنصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي خلال سنة 2025، وهو ما يعكس وفقه اختلالا في تدبير المعارك الانتخابية داخل المؤسسات الإفريقية.
-تحول سنغالي
من أبرز النقاط التي يثيرها الخبير أحمد نور الدين، الموقف السنغالي ذاته، حيث يؤكد أن القيادة الحالية في السنغال وقفت بشكل لافت ضد ترشيح رئيسها السابق، وهو ما يعتبره مؤشرا على تحول عميق في توجهات السياسة الخارجية للبلاد.
وأبرز الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا التغير الذي أصبحت عليه داكار اليوم قد يعكس إعادة تموقع استراتيجي يبتعد عن التحالفات التقليدية.
وحذر من أن هذا التحول قد تكون له تداعيات متعددة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضا على الصعيد الاقتصادي، خاصة إذا أدى إلى توتر علاقات السنغال مع شركائها التقليديين.
-مؤشرات مقلقة
في سياق متصل، يبرز أحمد نور الدين معطى دبلوماسيا لافتا يتمثل في عدم قيام الرئيس السنغالي الحالي بشير جمعة فاي بزيارة المغرب منذ توليه السلطة، وهو ما يعتبره سابقة منذ استقلال السنغال سنة 1960.
ولفت الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا الغياب يحمل دلالات سياسية واضحة، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات الثنائية في المرحلة الراهنة.
وشدد على أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس حالة من إعادة تشكيل التحالفات داخل القارة الإفريقية، في ظل تنافس متزايد بين الفاعلين الإقليميين، وهو ما يجعل من الاستحقاقات الدولية، مثل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ساحة حقيقية لقياس النفوذ والتأثير.
-رهانات قارية
يبرز نور الدين أن ما حدث لا يمثل مجرد تعثر لترشيح فردي، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدول الإفريقية على توحيد مواقفها بشأن القضايا الاستراتيجية.
واعتبر أن المرحلة المقبلة ستتطلب إعادة تقييم شاملة للأدوات الدبلوماسية، وبناء تحالفات أكثر صلابة، قادرة على مواجهة التحولات المتسارعة داخل القارة وخارجها.
وشدد على أن التنافس داخل الاتحاد الإفريقي لم يعد محكوما فقط بالاعتبارات التقليدية، بل بات يتأثر بشكل متزايد بحسابات جيوسياسية معقدة، ما يفرض على مختلف الأطراف مراجعة استراتيجياتها إذا ما أرادت الحفاظ على موقعها داخل معادلة التأثير الإفريقي والدولي.




تعليقات الزوار ( 0 )