تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حربا وُصفت بالمدروسة على إيران، في تصعيد عسكري يتجاوز طبيعته الميدانية ليعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ويهزّ أسواق الطاقة والتحالفات الدولية.
ورغم أن المغرب يقع على مسافة جغرافية بعيدة عن مسرح العمليات، فإن طبيعة الصراعات الحديثة تجعل ارتداداتها عابرة للحدود، تنتقل عبر شبكات الاقتصاد والأمن والسياسة بسرعة تفوق سرعة الصواريخ.
فالمملكة ترتبط بشراكة استراتيجية مع واشنطن، وعلاقات متقدمة مع تل أبيب منذ توقيع اتفاقية أبراهام، إضافة إلى تحالفات متينة مع عدد من دول الخليج، خاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
البعد الجغرافي… عامل أمان أول
ويؤكد الباحث والخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية محمد شقير أن البعد الجغرافي يشكل عنصر طمأنة أساسيا. فالمغرب، بحكم موقعه غرب المتوسط، بعيد عن مسرح العمليات العسكرية المباشرة، ما يقلل من احتمالية تعرضه لأي تهديد صاروخي أو استهداف عسكري مباشر.
ويوضح شقير في حديث مع جريدة “الشعاع” الإلكترونية أن “المملكة، حتى في السيناريوهات القصوى، تتوفر على منظومات دفاعية متقدمة تعزز قدراتها الردعية”.
وأشار إلى امتلاك المغرب لمنظومة M142 HIMARS التي اقتناها من الولايات المتحدة، والتي تعد من أحدث أنظمة الراجمات الصاروخية الدقيقة في المنطقة، فضلاً عن منظومة Barak 8 القادرة على التصدي للتهديدات الجوية والصاروخية.
وبحسب شقير، فإن هذه القدرات تجعل المغرب في موقع دفاعي مريح نسبيا مقارنة بدول أخرى قد تكون عرضة لردود فعل انتقامية مباشرة.
احتمال “حروب الظل” في الساحل
أما على مستوى التهديدات غير التقليدية، فيستبعد الخبير إمكانية لجوء طهران إلى تحريك تنظيمات متشددة في منطقة الساحل لاستهداف المصالح المغربية.
ويوضح أن غالبية هذه التنظيمات، سواء المرتبطة بتنظيم “داعش” أو “القاعدة”، تنتمي إلى التيار السلفي الجهادي الذي لا يتقاطع أيديولوجيا مع الطروحات الشيعية الإيرانية، ما يجعل فرضية التنسيق ضعيفة.
غير أن ذلك لا يلغي، وفق مراقبين، مخاطر الاضطراب الإقليمي غير المباشر، خاصة في ظل هشاشة منطقة الساحل وتعدد الفاعلين المسلحين فيها، ما قد يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً.
جبهة البوليساريو… حسابات دقيقة
وفي ما يتعلق بجبهة البوليساريو، يلفت شقير إلى أن أي انخراط مباشر لها في صراعات إقليمية سيكون محفوفا بالمخاطر السياسية.
فالجبهة تواجه ضغوطا متزايدة داخل بعض الدوائر في الكونغرس الأمريكي للتلويح بإمكانية إدراجها ضمن لوائح التنظيمات الإرهابية، كما تواجه دعوات لقبول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل سياسي للنزاع.
ويشير إلى أن محاولات سابقة لاستقطاب الجبهة من طرف أطراف مرتبطة بطهران، عبر تدريب عناصر من “حزب الله”، لم تتحول إلى تحالف استراتيجي دائم، في ظل حسابات دقيقة تتعلق بموقعها الدولي ومستقبلها السياسي.
الاقتصاد… الارتداد الأرجح
وإذا كان البعد الأمني يبدو محدود التأثير، فإن البعد الاقتصادي قد يكون الأكثر حساسية. فالمغرب، باعتباره بلدا مستوردا للطاقة، قد يتأثر بأي اضطراب في إمدادات النفط أو ارتفاع حاد في الأسعار نتيجة إغلاق مضائق استراتيجية أو توسيع رقعة الحرب.
كما أن استمرار التوتر قد يؤثر على ثقة الأسواق والاستثمارات، ويعيد الضغط على الميزانية العمومية في حال ارتفاع كلفة الطاقة والنقل.
دبلوماسية التوازن
سياسيا، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة وهي الحفاظ على تحالفاته الاستراتيجية مع واشنطن وشركائه الخليجيين، دون الانجرار إلى خطاب تصعيدي قد يضر باستقراره الإقليمي. وقد درجت الدبلوماسية المغربية على تبني مقاربة براغماتية تقوم على دعم الاستقرار وتجنب الاستقطاب الحاد.
ويخلص شقير إلى أن المعطيات تظهر أن المغرب، رغم تحالفاته الواضحة، يظل بعيدا عن أي تهديد عسكري مباشر في ظل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، غير أن الارتدادات الاقتصادية والتوازنات الإقليمية تبقى عناصر تستوجب اليقظة.
وأشار الخبير الأمني إلى أن المملكة المغربية تراهن على موقعها الجغرافي، وتحديث قدراتها الدفاعية، ومرونتها السياسية لعبور عاصفة إقليمية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، دون أن تصل شظاياها إلى الضفة الغربية من المتوسط.



تعليقات الزوار ( 0 )