شهدت العلاقات المغربية الإسبانية في الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية دقيقة، تداخل فيها الخطاب الدبلوماسي المعلن لمدريد مع تحركاتها الاستراتيجية على الأرض؛ وهو ما بات يطرح تساؤلات عميقة حول التناقض الواضح بين الشعارات الأخلاقية والإنسانية التي ترفعها إسبانيا في المحافل الدولية، وبين مساعيها الخفية الرامية إلى كبح الصعود العسكري للمملكة المغربية وحماية تفوقها التقليدي في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، في تصريح صحفي توصلت جريدة “الشعاع” بنسخة منه، أن الخطاب الدبلوماسي الإسباني المعلن حول حقوق الإنسان والقانون الدولي والقضية الفلسطينية يتناقض بشكل صارخ مع تحركاتها الجيوسياسية على الأرض، والتي تستهدف بالأساس فرملة الطموح الدفاعي للمملكة المغربية.
وأوضح الطيار أن هذه الازدواجية تتجسد في ملفات تاريخية عالقة؛ في مقدمتها ملف مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، حيث ترفض مدريد قاطعا إدراجها ضمن قضايا تصفية الاستعمار، متفادية في الوقت ذاته تحمل مسؤوليتها التاريخية عن جرائم فترة الحماية، ولا سيما استخدام الغازات السامة ضد المدنيين في حرب الريف، فضلاً عن الطريقة التي انسحبت بها من الصحراء المغربية مخلفة وراءها نزاعاً إقليمياً حرصت على تغذيته واستدامته لعقود.
وأضاف رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية أن الزخم الدبلوماسي الإسباني الموجه ضد إسرائيل تحت غطاء الدفاع عن القضية الفلسطينية يتجاوز البعد الإنساني، ليتحول خلف الكواليس إلى أداة جيوسياسية لعرقلة الشراكة العسكرية والأمنية بين الرباط وتل أبيب.
و أشار إلى أنها نظرا لعدم قدرة مدريد على انتقاد التسلح المغربي بشكل مباشر، بسبب الدعم الأمريكي المطلق له وحرصاً على مصالحها الاقتصادية والأمنية مع المغرب، فإنها توظف التركيز على الحرب والانتهاكات الإسرائيلية كوسيلة قانونية وأخلاقية مقبولة دوليا للضغط من أجل قطع قنوات التواصل التكنولوجي والعسكري التي تستفيد منها المملكة.
ولفت إلى أن هذه الضغوط الدبلوماسية تستهدف مباشرة خنق مشاريع التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا العسكرية فائقة الحساسية على الأراضي المغربية، مثل مصانع الطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ الذكية، للحيلولة دون خروج الرباط من جلباب التبعية لأسواق السلاح.
وأبرز أن مدريد تسعى من خلال هذه المناورات إلى رفع الكلفة السياسية أمام الرأي العام لإبطاء وتيرة المشاريع المشتركة، كالأقمار الاصطناعية التجسسية وشبكات الدفاع الجوي المتطورة (مثل نظام Barak MX)، وذلك بهدف الإبقاء على موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط لصالح الأطراف الأوروبية، وحماية التفوق الجيوسياسي والعسكري التقليدي لإسبانيا في مضيق جبل طارق وجزر الكناري.




تعليقات الزوار ( 0 )