ليست الأزمة في الدين، بل في تحويله إلى جهازِ احتكارٍ للشرعية. الجماعاتُ المنغلقة تُعيد ترتيب الحاضر وفق سرديةِ جرحٍ قديم، فتجعل السياسة امتدادًا لمعركةٍ مؤجلة، وتُسقط على الدولة معنى “الغنيمة” لا معنى “العقد”. هكذا تُختزل الأمة في تنظيم، ويُختزل التنظيم في قراءة، وتُختزل القراءة في ولاء. والنتيجة: مجالٌ عامٌّ مُصادَر، ومواطنةٌ مشروطة، وشرعيةٌ تُستمدّ من تمثيلٍ مزعومٍ للسماء.
العقدُ الاجتماعي ليس تنازلًا عن الإيمان، بل تحرّرًا من ادعاء احتكاره. إنه انتقالٌ من سؤال “من يملك الحقيقة؟” إلى سؤال “كيف نؤمّن العيش المشترك بين حاملي الحقائق المتعددة؟”. بهذا المعنى، الدولةُ الحديثة ليست خصمًا للدين، بل حارسًا لتعدديته. فهي لا تُفاضل بين ضمائر المواطنين، بل تُساوي بينهم في الحق والواجب، وتُخضع السلطة لقواعدٍ مُعلنة، لا لبيعةٍ مُغلقة.
حين صاغ Thomas Hobbes فكرته عن الدولة، كان يبحث عن حدٍّ للحرب الأهلية. وحين وسّع John Locke المفهوم، جعل حماية الحقوق معيار الشرعية. أما Jean-Jacques Rousseau فربط السيادة بالإرادة العامة لا بإرادة جماعة. هذه الأطروحات، على اختلافها، تتفق على مبدأٍ واحد: لا شرعية بلا تعاقدٍ حرٍّ بين متساوين.
في تراثنا، لم تكن السياسة خارج معنى التعاقد. البيعة عقد، والطاعة مقيدة، والولاية مسؤولية. غير أن القراءة التنظيمية حوّلت العقد إلى تبعية، وجعلت الطاعة أصلًا لا قيدًا، وبدّلت مقصد العدل بمنطق الاصطفاف. هنا يقع الخلط: تُستعار مفاهيم التراث لتبرير احتكارٍ معاصر، وتُستدعى الأزمات التاريخية لإدامة الاستثناء.
الدولة الوطنية الحديثة هي الردّ السليم لأنها تُنهي وهم التمثيل المطلق. لا جماعة تختصر الأمة، ولا تفسير يحتكر النص، ولا تاريخ يُملي الحاضر. الدولة إطارٌ دستوريٌّ يحدّد الصلاحيات، ويُوزّع السلطة، ويُخضعها للمساءلة. وهي، بهذا، تُحرّر الدين من عبء الإدارة والصراع، وتعيده إلى مجاله: إلهام القيم، لا فرض الولاءات.
القول بأن الدولة الحديثة تُقصي الهوية خطأ في التشخيص. الهوية حين تُحمى بالقانون تزدهر؛ وحين تُسلَّح بالسياسة تنقلب إلى ساحة تنازع. المواطنة ليست بديلاً عن الإيمان، بل ضمانةً لحرية الإيمان. وهي تنقل الانتماء من رابطةٍ مغلقة إلى فضاءٍ مشترك، حيث يُعرَّف الفرد بصفته القانونية قبل صفته المذهبية.
إن الإصرار على إعادة تمثيل الماضي بوصفه نموذجًا ملزمًا هو عجزٌ عن إنتاج المستقبل. التاريخ موردُ خبرةٍ لا قالبُ حكم. والعقد الاجتماعي الحديث ليس وثيقةً شكلية، بل ممارسةٌ دائمة لإدارة الاختلاف ضمن قواعدٍ ثابتة. لذلك فهو أقرب إلى روح القيم الكبرى—العدل، والرحمة، والكرامة—من أي مشروعٍ يجعلها شعارًا للصراع.
الخلاصة واضحة: منطق الجماعة يُنتج دولةً حزبية، ومنطق العقد يُنتج دولةً وطنية. الأولى تُطالب بالطاعة، والثانية تُنشئ المسؤولية. الأولى تُصنّف المواطنين، والثانية تُساوي بينهم. وإذا كان المطلوب حفظ الدين والإنسان معًا، فالدولة الوطنية الحديثة، المؤسسة على تعاقدٍ جامع، هي الطريق الأقل كلفةً والأكثر اتساقًا مع العقل والتجربة.






تعليقات الزوار ( 0 )