مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول القنوات التلفزيونية المغربية إلى فضاء تنافسي تتقاطع فيه رهانات المشاهدة مع رهانات الإنتاج الدرامي، حيث تتصدر الأعمال الكوميدية والدرامية واجهة الشبكات البرامجية في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من المشاهدين خلال أوقات الذروة، وغير أن هذا الموسم، كما في مواسم سابقة، أعاد إلى الواجهة النقاش ذاته حول مستوى الإنتاج التلفزيوني، ومدى قدرته على مواكبة التحولات الفنية والجمالية التي يشهدها المجال السمعي البصري في العالم.
وفي خضم هذا الجدل، يطرح عدد من النقاد والباحثين أسئلة جوهرية حول طبيعة ما يقدم للمشاهد المغربي، بين من يرى أن التلفزيون نجح في الحفاظ على نسب متابعة مرتفعة، وبين من يعتبر أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة جودة فنية حقيقية ولا تشكل تغييرًا ملموسًا لواقع الدراما التلفزيونية الرمضانية، ولاسيما ما يتعلق ببنيتها الإنتاجية وحدود تجديدها الجمالي.
–غياب التغيير
يرى إدريس القري، الباحث والناقد الفني، المتخصص في الجماليات البصرية والسينما والفلسفة، أن الحديث عن تحول حقيقي في مستوى الإنتاج التلفزيوني الرمضاني يظل أمرًا مبالغًا فيه، إذ يؤكد أن ما يعرض خلال هذا الموسم لا يعكس تغيرًا مقنعًا سواء على المستوى الجمالي أو على مستوى جودة الإنتاج.
وأبرز القري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أنه لا يمكن الحديث عن قفزة نوعية في الدراما المغربية ما دامت شروط إنتاجها الأساسية لم تتغير منذ سنوات.
وفسر هذا الوضع بالعودة إلى بنية الإنتاج التلفزيوني نفسها، حيث يشير إلى أن أغلب الشركات المنتجة هي نفسها التي تتولى إنتاج الأعمال سنة بعد أخرى، كما أن أسماء المخرجين والممثلين تتكرر بشكل شبه دائم داخل الشبكات البرامجية.
وأردف الباحث والناقد الفني، أن الأمر ذاته ينطبق على خلايا الكتابة واللجان المكلفة بمنح الإنتاجات، وهو ما يجعل المنظومة الإنتاجية برمتها تدور في حلقة مغلقة.
وأشار إلى أن هذه الاستمرارية في الأسماء والآليات تجعل من الصعب انتظار تحول فعلي في المضامين أو في الأساليب الفنية، لأن الإبداع غالبًا ما يحتاج إلى انفتاح على طاقات جديدة ورؤى مختلفة.
وشدد على أنه حين تبقى نفس البنية الإنتاجية قائمة دون تغيير، فإن النتائج في الغالب، تعيد إنتاج نفسها بصورة تكاد تكون متطابقة من موسم إلى آخر.
–إخراج وظيفي
في تقييمه للجانب الفني، يعتبر القري أن الإخراج التلفزيوني في عدد كبير من الأعمال الرمضانية يظل إخراجًا وظيفيًا أكثر منه إبداعيًا، بمعنى أنه يركز أساسًا على التقاط الحوار والمشهد دون محاولة خلق رؤية بصرية متميزة، فالكاميرا في رأيه، توضع غالبًا من أجل تسجيل ما يقال وما يرى فقط، دون البحث عن لغة سينمائية أو جمالية خاصة.
ويمتد هذا التقييم بحسبه، إلى عناصر تقنية أخرى مثل الإضاءة وتكوين اللقطات واستعمال التقنيات السمعية البصرية، حيث يرى أن هذه العناصر لا تشهد تطورًا ملحوظًا في كثير من الأحيان، بل تظل خاضعة لمنطق الإنتاج السريع الذي يفضل السرعة على الابتكار.
وأما على مستوى الكتابة الدرامية، فيؤكد القري أن الحوارات تفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق الفكري أو الشاعرية الفنية، كما أن البعد الرمزي والإيحائي يكاد يكون غائبًا في عدد كبير من الأعمال.
وأبرز الباحث والناقد الفني، أنه نتيجة لذلك، تتحول الدراما إلى خطاب مباشر يفتقد التعقيد الجمالي الذي يميز الأعمال الفنية القادرة على التأثير في المتلقي.
ولفت إلى أن هذه الوضعية لا يمكن فصلها عن الإطار العام الذي يشتغل داخله التلفزيون المغربي، إذ إن طبيعة المعايير المعتمدة في الإنتاج تؤثر بشكل مباشر في طبيعة الاختيارات الإخراجية والفنية.
-منطق السوق
في تفسيره للأسباب الأعمق لهذه الوضعية، يربط القري بين طبيعة الإنتاج التلفزيوني ومنطق السوق الذي يتحكم في جزء كبير من العملية، فالتلفزيون بحسبه، يخضع في اختياراته لاعتبارين رئيسيين يحددان شكل الإنتاجات المقدمة للمشاهد.
وأضاف أن الاعتبار الأول يتعلق بما يسميه “الذوق العام” للأغلبية، حيث تحرص القنوات على تقديم أعمال موجهة أساسًا إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين.
وذكر أن ذلك يعني أن الإنتاجات تميل غالبًا إلى اختيار مضامين بسيطة وسهلة الاستيعاب، حتى تكون في متناول جمهور واسع لا يمتلك بالضرورة تجربة جمالية عميقة في المجال السمعي البصري.
وأما الاعتبار الثاني، فيشير الباحث والناقد الفني إلى أنه يرتبط بالإشهار، خاصة خلال شهر رمضان الذي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في حجم الإعلانات التلفزيونية.
وفي أوقات الذروة، كما يوضح القري، يكتسب المعلنون حضورًا قويًا داخل الشبكات البرامجية، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر في طبيعة الأعمال المنتجة، إذ يصبح الهدف الأساسي هو ضمان نسب مشاهدة مرتفعة تجذب المعلنين.
وأوضح أن هذا الوضع يجعل الدراما التلفزيونية خاضعة لمنطق السوق أكثر مما هي خاضعة لمنطق الإبداع الفني، لأن نجاح العمل يقاس أساسًا بعدد المشاهدين وليس بجودته الفنية أو بقدرته على تقديم رؤية جمالية جديدة.
-صور نمطية
فيما يتعلق بالمضامين الدرامية، يرفض القري اختزال المشكلة في مجرد تكرار “الثيمات”، موضحًا أن القضية لا تتعلق بمواضيع محددة بقدر ما تتعلق بالطريقة التي تصور بها الشخصيات الاجتماعية داخل هذه الأعمال.
وفي رأيه، تقدم كثير من الإنتاجات التلفزيونية صورًا نمطية للمواطنين وللأدوار الاجتماعية المختلفة، سواءً تعلق الأمر بالأم أو الأب أو المرأة أو العامل داخل المؤسسة.
وهذه الصور كما يقول الباحث والناقد الفني، غالبًا ما تكون مبسطة ومكررة إلى درجة تجعلها بعيدة عن التعقيد الحقيقي للحياة الاجتماعية، كما هي موجودًا فعلاً في الواقع المعيش.
ويضرب القري مثالاً على ذلك بطريقة تصوير الإشهار في التلفزيون المغربي، حيث قد يصور إعلان لمنتج بسيط داخل فضاء فاخر لا يعكس واقع حياة معظم المواطنين، وبالنسبة إليه، يعكس هذا التناقض نوعًا من الفوضى في تصور العلاقة بين الصورة التلفزيونية والواقع الاجتماعي.
ويعتقد أن هذه المقاربة قد تعكس غياب رؤية جمالية واضحة لدى المؤسسات المسؤولة عن الإنتاج والبث، خاصة إذا كان الهدف من الإعلام العمومي هو المساهمة في بناء وعي اجتماعي وثقافي حديث لدى المواطنين.
-ضرورة الإصلاح
يؤكد القري أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم عبر مبادرات فردية أو عبر تغييرات جزئية في بعض البرامج، بل تتطلب في نظره، مراجعة شاملة لبنية القطاع السمعي البصري.
وأبرز أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ من مستوى الاستراتيجية العامة للإعلام، بما يشمل إعادة النظر في معايير الإنتاج والتدبير، وطبيعة اللجان المكلفة بتقييم المشاريع، إضافة إلى حجم الموارد المالية المخصصة للأعمال الدرامية.
وشدد على أن تطوير التلفزيون المغربي يجب أن يتم ضمن رؤية سيادية شاملة تعتبر الإعلام والسينما والصحافة مكونات أساسية في بناء المجتمع الحديث.
وأوضح أن هذه القطاعات لا تقتصر وظيفتها على الترفيه أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بل تمتلك أيضًا دورًا ثقافيًا وتربويًا في تشكيل الذوق العام وتعزيز القيم المجتمعية.
ولفت إلى أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإنتاج أعمال جديدة، بل بإعادة التفكير في المنظومة الإعلامية برمتها، حتى تصبح قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وضرورات الجودة الفنية والثقافية.




تعليقات الزوار ( 0 )