أخبار ساعة

20:52 - الروداني: استمرار الخلاف المغربي الجزائري يحرم المنطقة من سوق تتجاوز 100 مليون مستهلك20:31 - المعهد الوطني الإسباني للإحصاء: المغاربة يتصدرون الحاصلين على الجنسية الإسبانية خلال 202520:14 - حارس أمن يحاول إنهاء حياته بسلاحه الوظيفي بالرباط.. وفتح بحث قضائي لكشف الملابسات18:30 - ضابط سابق في الاحتياط الإسرائيلي: استراتيجية إسرائيل تجاه إيران انهارت وأنتجت تداعيات سلبية على واشنطن16:15 - المغرب يتصدر الدول الصناعية في إفريقيا متجاوزا جنوب إفريقيا وفق تقرير بنك التنمية الإفريقي14:59 - مسؤول أمريكي: حل قضية الصحراء المغربية يجب أن يتم وفق قرار مجلس الأمن 2797 ومسار أممي سلمي14:21 - المغرب يخطط لإطلاق أول طائرة كاملة التجميع بشراكة هندية بحلول 203013:21 - الطريق الرابع: تحرير اليسار من سجن الإيديولوجيا وإعادة بناء الفكرة12:28 - عمر هلال: إدراج قضية الصحراء المغربية ضمن لجنة الـ24 بالأمم المتحدة أصبح متجاوزا12:21 - كيف ساهمت طنجة في تغيير الملكية البريطانية؟
الرئيسية » الرئيسية » الجهادية العالمية بعد الحرب على العراق 2003..   تفكك البنية الفكرية من “إدارة التوحش” إلى “الخلافة”

الجهادية العالمية بعد الحرب على العراق 2003..   تفكك البنية الفكرية من “إدارة التوحش” إلى “الخلافة”

تعنى هذه الدراسة بتحليل التحولات البنيوية العميقة التي شهدها التيار الجهادي بعد عام 2003، والتي أدت تدريجيا إلى انهيار الحدود المفاهيمية والفقهية بين ما يعرف بـ )السلفية الجهادية(، بوصفها مشروعا قتاليا ذا أبعاد سياسية واستراتيجية، وبين ) الداعشية(، التي تمثل نمطا راديكاليا قائما على التوسع في التكفير والعنف المفتوح.

لم تكن هذه التحولات مجرد انقسامات تنظيمية أو تنافسات على النفوذ بين تنظيمات مسلحة، بل مثلت تحولا جوهريا في طبيعة )الجهادية العالمية( ذاتها، مما أعاد تشكيل صورة الحركات الجهادية في المجالين الإسلامي والدولي. وقد أفضى هذا التحول إلى صعوبة التمييز الواضح بين مشروع تنظيم القاعدة التقليدي ومشروع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، على الرغم من الاختلافات الجوهرية بينهما في الرؤية والمنهج والأولويات.

لقد درج كثير من الباحثين والسياسات الأمنية الغربية على التعامل مع الحركات الجهادية باعتبارها كتلة أيديولوجية واحدة، وهو تصور أدى إلى اختزال التعقيد الداخلي لهذا التيار وإهمال التمايزات الفكرية والتنظيمية التي كانت قائمة داخله. فالتيار المرتبط بتنظيم القاعدة تشكل تاريخيا حول مفهوم )الجهاد العالمي( الموجه ضد )العدو البعيد(، أي الولايات المتحدة وحلفائها، مع تأجيل مشروع الدولة والخلافة إلى مرحلة التمكين.

في المقابل، نشأ لاحقا تيار آخر أكثر راديكالية ارتبط بتنظيم الدولة الإسلامية، تجاوز كثيرا من الضوابط النظرية التي كانت القاعدة نفسها تطرحها، خصوصا في ما يتعلق بالتكفير والعلاقة بالمجتمع المسلم واستخدام العنف. وقد أدى الخلط بين هذين النموذجين إلى نتائج خطيرة، منها توسيع دائرة الاتهام بالتكفير، وتبرير سياسات التدخل الأمني الدولي، وتشويه فهم الظاهرة الجهادية، فضلا عن انهيار ما تبقى من الشرعية الاجتماعية لبعض الحركات المسلحة في البيئات السنية

تكمن أهمية هذه الدراسة في تفكيك هذه الكتلة الأيديولوجية ، وتقديم تحليل للتمايزات الداخلية التي طرأت على التيار الجهادي، وكيف أدت هذه التمايزات إلى ظهور نموذج داعش.

الأسس المفاهيمية للجهادية العالمية قبل 2003

قبل عام 2003، كانت الجهادية العالمية، كما صاغها أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، تقوم على فكرة مركزية مفادها أن العالم الإسلامي يعيش حالة )احتلال غير مباشر( عبر الأنظمة المحلية المدعومة غربيا، وأن مواجهة هذه الأنظمة لا يمكن أن تتم إلا بعد استنزاف القوة الدولية الراعية لها، أي )العدو البعيد( 1. ولذلك، لم يكن مشروع القاعدة في تلك المرحلة قائما على بناء دولة فورية أو فرض السيطرة الإدارية المباشرة، بل على تعبئة الأمة واستنزاف الخصوم ضمن حرب طويلة النفس. كما أن أدبيات القاعدة الكلاسيكية، رغم نزعتها الراديكالية، لم تكن تتبنى من حيث المبدأ تكفير عموم المسلمين أو إعلان الحرب الشاملة على المجتمعات المحلية. فقد كانت هناك، على الأقل نظريا، تفرقة بين (القتال) و(التكفير)، وبين الأنظمة السياسية وعموم السكان، كما كان إعلان (الخلافة) مؤجلا إلى حين تحقق شروط التمكين والاستقرار 2.

تأسس نموذج القاعدة الكلاسيكي على رؤية استراتيجية تضع الولايات المتحدة وحلفاءها في صدارة الأعداء، معتبرة إياهم العدو البعيد الذي يدعم الأنظمة المرتدة في العالم الإسلامي. وقد تجلى ذلك بوضوح في بيانات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، التي ركزت على استهداف المصالح الأمريكية والغربية كسبيل لإضعاف هذه الأنظمة 3. كانت الأولوية القصوى هي استنزاف القوة الأمريكية اقتصاديا وعسكريا، بهدف إجبارها على الانسحاب من المنطقة، مما يفتح المجال لاحقا لإسقاط الأنظمة المحلية وإقامة الدولة الإسلامية. هذا التوجه يعكس براغماتية معينة في الفكر الجهادي للقاعدة، حيث تم تأجيل الصدام المباشر مع الأنظمة المحلية إلى مرحلة لاحقة، بعد تحقيق (التمكين) 4.

وعلى الرغم من راديكالية خطاب القاعدة، إلا أن أدبياتها المبكرة كانت تحاول الحفاظ على تفرقة نظرية بين مفهومي القتال والتكفير. فقد كان التكفير ينظر إليه كأداة فقهية استثنائية، لا تستخدم إلا بشروط وضوابط صارمة، لتجنب الوقوع في الغلو وتكفير عموم المسلمين. كانت القاعدة تدرك أهمية الحاضنة الشعبية، وتسعى لكسب تأييدها، مما جعلها حذرة في استخدام التكفير بشكل واسع النطاق 5. هذه التفرقة كانت تمثل جدارا فاصلا، وإن كان رقيقا، بين الجهادية التقليدية والنزعات التكفيرية المتطرفة، وهو ما سيتغير بشكل جذري بعد عام 2003.

منعطف 2003 وصعود النموذج الزرقاوي

غير أن الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 مثل لحظة مفصلية أدت إلى تفكك هذا التوازن النظري الذي كانت القاعدة الكلاسيكية تحاول الحفاظ عليه. فقد أدى انهيار الدولة العراقية وظهور فراغ أمني وطائفي واسع إلى نشوء بيئة جديدة جذبت جيلا مختلفا من الجهاديين، أكثر حدة وأقل ارتباطا بالتقاليد الفكرية الكلاسيكية التي عرفتها تجربة (أفغان العرب) 6. في هذا السياق، برز دور أبو مصعب الزرقاوي بوصفه الشخصية التي نقلت الجهادية من إطارها العالمي التعبوي إلى إطار هوياتي طائفي قائم على مركزية الصراع المذهبي وتوسيع مفهوم الردة. فبينما كانت القاعدة التقليدية ترى أن الأولوية هي لمواجهة الهيمنة الغربية، جعل الزرقاوي من العدو القريب والبيئة الشيعية محور المواجهة الأساسية، وهو ما أدى إلى عسكرة العقيدة وتحويل الخلافات المذهبية إلى مبرر للحرب المفتوحة 7.

لقد كان غزو العراق عام 2003 نقطة تحول حاسمة في مسار التيار الجهادي. فمع انهيار النظام العراقي وظهور فراغ السلطة، تحولت الساحة العراقية إلى بؤرة جذب للجهاديين من مختلف أنحاء العالم. وقد استغل أبو مصعب الزرقاوي هذا الفراغ لإنشاء تنظيم (التوحيد والجهاد) الذي تحول لاحقا إلى (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) 8. على عكس استراتيجية القاعدة الأم التي ركزت على العدو البعيد، أعطى الزرقاوي الأولوية لمواجهة العدو القريب، متمثلا في القوات الأمريكية وقوات التحالف، وكذلك الشيعة العراقيين الذين اعتبرهم (مرتدين) و(صفويين) 9. هذا التحول من الصراع العالمي إلى الصراع الطائفي المحلي كان له تأثيرات عميقة على طبيعة الجهادية، حيث أصبحت الهوية المذهبية هي المحرك الأساسي للصراع، وتوسعت دائرة التكفير لتشمل قطاعات واسعة من المجتمع.

في هذا السياق، تبرز أهمية كتابات أبو مصعب السوري بوصفها شهادة نقدية داخلية مبكرة على بداية الانهيار الفكري داخل التيار الجهادي. فقد حذر السوري منذ أواخر التسعينيات من أن التداخل بين السلفية العقدية والسلفية الحركية، مع غياب التأصيل العلمي وانتشار الحماس الثوري والضغوط النفسية الناتجة عن السجون والحروب، سيؤدي إلى انهيار (الجدار الفاصل) بين الجهادية والتكفيرية 10. الأهمية التحليلية لهذا الطرح أنه لا يذهب إلى اعتبار الجهادية تكفيرية بطبيعتها، بل يرى أن (العموميات العقدية) والصياغات الحادة أنتجت (هامشا رقيقا) يفصل بين المشروعين، بحيث أصبح الانتقال من الجهادية إلى التكفيرية أمرا سهلا في ظل ظروف الفوضى والحرب والانهيار المؤسسي 11. وقد أثبتت التطورات اللاحقة، خاصة مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية، صحة هذه النبوءة، حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين الجهاد والتكفير بشكل كبير.

إدارة التوحش وانهيار الحدود من الجهادية إلى التكفيرية

شهدت الفترة التي تلت عام 2003 تحولات عميقة في الفكر الجهادي، حيث بدأت الحدود الفاصلة بين الجهادية التقليدية والتكفيرية المتطرفة تتلاشى بشكل متسارع. وقد لعبت عدة عوامل دورا في هذا الانهيار، أبرزها ظهور أدبيات جديدة مثل كتاب (إدارة التوحش)، ودور السجون في إعادة تشكيل العقيدة الجهادية، بالإضافة إلى الصراع الاستراتيجي بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية حول مفهوم الدولة والخلافة.

يعتبر كتاب (إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة) لأبي بكر ناجي (اسم مستعار) من أهم الأدبيات التي أثرت في تطور الفكر الجهادي بعد عام 2003، وشكل جسرا نظريا للانتقال نحو العنف المفتوح والتكفير الشامل 12. يقدم الكتاب رؤية استراتيجية للتعامل مع حالة التوحش، وهي الفوضى التي تنشأ بعد انهيار سلطة الدولة في مناطق معينة. ويدعو ناجي إلى استغلال هذه الفوضى لـ النكاية والإنهاك بالعدو، ثم إدارة التوحش من خلال ملء الفراغ الأمني وتقديم الخدمات الأساسية للسكان، وصولا إلى مرحلة التمكين وإقامة الدولة الإسلامية 13.

تكمن خطورة هذا الكتاب في تبريره للعنف المفرط والوحشية كأدوات ضرورية لكسر إرادة الخصوم وإرهابهم، وهو ما يطلق عليه التوظيف السياسي للعنف 14. هذه الرؤية كانت بمثابة الأساس النظري الذي استند إليه تنظيم الدولة الإسلامية في ممارساته العنيفة، حيث اعتبر العنف ليس مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف، بل قيمة بحد ذاتها تعزز صورة الدولة المهابة وتفرض السيطرة من خلال الرعب.

لعبت ايضا السجون العراقية، وخصوصا سجن بوكا، دورا محوريا في هذا التحول الفكري. فداخل فضاءات الاعتقال، حدث احتكاك مكثف بين بقايا التنظيمات الجهادية التقليدية وجيل جديد أكثر تطرفا تشكل وعيه في ظل الاحتلال والطائفية والعنف الأهلي 15.

في هذه البيئة، أعيد إنتاج الأفكار الجهادية ضمن سياق أكثر تشددا، حيث جرى توسيع مفهوم الولاء والبراء، وربط الهوية الدينية بالمواجهة المسلحة المباشرة، وإعادة تعريف المجتمع من خلال ثنائية (المؤمن المرتبط بالمشروع) و(المرتد أو المتخاذل) 16. وهكذا، لم يعد التكفير مجرد أداة فقهية استثنائية، بل تحول تدريجيا إلى بنية تفسيرية شاملة للعالم، مما مهد الطريق لظهور تنظيم الدولة الإسلامية بفكره المتطرف.

يمكن فهم الصراع اللاحق بين القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية بوصفه اختلافا في طبيعة المشروع نفسه، لا مجرد صراع على السلطة أو القيادة. فالقاعدة ظلت ترى أن إقامة الدولة يجب أن تكون نتيجة لمسار طويل من الاستنزاف والتمكين وكسب الحاضنة الاجتماعية، بينما اعتبر تنظيم الدولة أن إعلان الخلافة والسيطرة المكانية الفورية هما المدخل الضروري لإعادة تشكيل الأمة 17.

كما أن القاعدة، رغم تبنيها للجهاد، تعاملت معه بوصفه أداة سياسية مرتبطة بأهداف استراتيجية، في حين تحول الجهاد لدى داعش إلى عنصر هوياتي واستعراضي يقوم على الإخضاع والترهيب وإنتاج الرعب بوصفه قيمة قائمة بذاتها 18. ولهذا السبب، توسع التنظيم في التكفير ليشمل الخصوم المحليين والفصائل الإسلامية الأخرى وقطاعات واسعة من المجتمع، بينما بقيت القاعدة أكثر حذرا في هذا المجال، إدراكا منها لتأثير التكفير الشامل على الحاضنة الشعبية 19. هذا الاختلاف الجوهري في الرؤية والمنهج هو ما أدى إلى تباعد المسارين وتعميق الهوة بين التنظيمين.

المراجعات والنقد الداخلي والمقاربات الأكاديمية

لم يمر التحول نحو الغلو والتوسع في التكفير داخل التيار السلفي الجهادي دون أن يحدث أزمة فكرية عميقة داخل البيئة الجهادية نفسها، خاصة بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتمدد خطابه القائم على التكفير المتسلسل واستباحة الخصوم والمجتمعات والفصائل الإسلامية الأخرى. فقد وجد عدد من أبرز منظري السلفية الجهادية التقليدية أنفسهم أمام ظاهرة جديدة لم تعد تمثل ـ في نظرهم ـ الامتداد الطبيعي للقاعدة أو لأفغان العرب، بل تحولت إلى تيار ذي نزعة تكفيرية مغالية تهدد بتفجير المشروع الجهادي من الداخل.

برز في مقدمة هؤلاء المنظرين كل من أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، اللذين دخلا في مواجهة فكرية وفقهية علنية مع تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة منذ سنوات الاقتتال بين داعش والفصائل السورية الأخرى. وقد شكلت كتابات المقدسي وبياناته إحدى أهم محاولات (النقد الداخلي) داخل السلفية الجهادية المعاصرة، لأنه لم يصدر عن خصوم خارجيين للتيار، بل عن أحد أبرز مؤسسي مرجعياته الفكرية.

كان المقدسي يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ممارسات داعش العسكرية، بل في البنية العقدية التي تؤسس لتوسيع دائرة التكفير بلا ضوابط. ففي أكثر من رسالة ومقال حذر من الغلو في التكفير ومن تحويل مسائل الاجتهاد والخلاف السياسي إلى مسائل إيمان وكفر. ومن أشهر عباراته في هذا السياق قوله إن (الغلو في التكفير باب شر عظيم)، وإن الجماعات التي تتوسع في إخراج المسلمين من الإسلام (تفتح على الأمة أبواب الفتن والاقتتال). وقد انتقد بشدة ما سماه (التسرع في تنزيل أحكام الردة) على الفصائل الإسلامية والمقاتلين المخالفين.

وفي رسائله خصوصا في سلسلة (وقفات مع ثمرات الجهاد) وكتاباته أثناء الأزمة السورية، ركز المقدسي على أن تنظيم الدولة نقل (الولاء والبراء) من كونه مفهوما عقديا عاما إلى أداة لتكفير الخصوم وتصنيفهم بصورة متطرفة. وكان يرى أن التنظيم لا يكتفي بتكفير الأنظمة الحاكمة، بل ينتقل إلى تكفير الجماعات الإسلامية المنافسة، ثم العلماء، ثم عموم المسلمين الذين لا يبايعونه أو لا يهاجرون إليه. وقد اعتبر هذا المسار شبيها بمنهج الخوارج تاريخيا، ولذلك وصف داعش أكثر من مرة بأنهم خوارج العصر أو الغلاة.

ومن النصوص الشهيرة للمقدسي في هذا الباب قوله:
(إن من أعظم البلاء أن يتحول الجهاد إلى سيف على المسلمين والمجاهدين أنفسهم).

كما قال في نقده للتوسع في التكفير:
(ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، فهناك فرق بين الحكم على الفعل والحكم على المعين).

وهذه العبارة تعكس تمسكه ـ نظريا ـ بما يسميه السلفيون ضوابط التكفير المرتبطة بقيام الحجة وانتفاء الموانع، في مواجهة ما اعتبره منهجا داعشيا قائما على التسرع في إصدار الأحكام.

وفي رسالته المعروفة )هذه هي القاعدة(، حاول المقدسي الدفاع عن التمايز بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، معتبرا أن القاعدة ـ رغم تبنيها الجهاد العالمي ـ كانت أكثر حذرا في باب التكفير واستهداف المسلمين. وأكد أن الخلاف مع داعش ليس مجرد خلاف تنظيمي، بل ) خلاف منهجي عقدي( يتعلق بفهم الإيمان والتكفير وضوابط الدماء. وقد رأى أن تنظيم الدولة تجاوز حتى التراث الجهادي التقليدي، وأنه أعاد إنتاج النزعة )الخوارجية( داخل البيئة السلفية الجهادية.

أما أبو قتادة الفلسطيني فقد كان أكثر صراحة أحيانا في توصيف الظاهرة، إذ وصف تنظيم الدولة بأنه )تيار غال (، واتهمه بأنه أدخل الفكر الجهادي في مرحلة من )العدمية الدموية(. كما انتقد فكرة احتكار التنظيم للحقيقة الدينية، ورأى أن تحويل الخلافات السياسية والعسكرية إلى قضايا إيمان وكفر سيقود إلى انهيار البيئة الجهادية نفسها. وفي أكثر من تسجيل وبيان أكد أن )التكفير باب خطير(، وأن التوسع فيه دون ضوابط شرعية يمثل انحرافا عن منهج أهل السنة بحسب تصوره.

وتكشف هذه المراجعات عن مفارقة مهمة فالنقد لم يكن موجها ضد مبدأ الجهاد المسلح نفسه، بل ضد التحول من )الجهادية( إلى )التكفيرية الشاملة( بمعنى أن منظري القاعدة التقليديين كانوا يحاولون الحفاظ على نوع من الحدود الفاصلة بين قتال الأنظمة أو القوى الأجنبية، وبين تكفير المجتمعات والفصائل الإسلامية على نطاق واسع. ولذلك رأوا في داعش تهديدا ليس فقط سياسيا أو تنظيميا، بل تهديدا لهوية التيار الجهادي ذاته.

ومن هنا يمكن فهم لماذا ركز المقدسي وأبو قتادة على استعادة مفهوم ضوابط التكفير، ومحاولة إعادة التمييز بين الكفر المطلق وتكفير المعين، وبين الخطأ والانحراف وبين الردة. فقد أدركا أن انهيار هذه الحدود يعني انتقال التيار الجهادي من مشروع قتال الأنظمة إلى مشروع حرب مفتوحة ضد الجميع، بما في ذلك الحاضنة الاجتماعية الإسلامية نفسها، وهو ما اعتبراه سببا رئيسيا في عزلة داعش وانهيار تجربتها لاحقا.

قدم ايضا العديد من الباحثين والأكاديميين تحليلات معمقة للتحولات التي شهدها التيار الجهادي، محاولين فهم أسباب صعود داعش وتداعياته:
فواز جرجس (داعش إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة).

ـ يرى فواز جرجس أن داعش تمثل )جيلا ثالثا( من الجهاديين، يختلف عن جيل القاعدة (بن لادن والظواهري) في كونه أكثر محلية وطائفية 22. يركز جرجس على أن انهيار الدولة في العراق وسوريا وفشل الربيع العربي وفراغ السلطة وفر الحاضنة التي سمحت لداعش بالتفوق على القاعدة تنظيميا وعسكريا. فبينما كانت القاعدة نخبوية وتركز على العدو البعيد، أصبحت داعش شعبوية وتركز على العدو القريب (الشيعة والأنظمة المحلية).

ـ حسن أبو هنية(الجهادية العربية: النكاية والتمكين) يحلل حسن أبو هنية الصراع بين القاعدة وداعش بوصفه صراعا بين استراتيجية النكاية والإنهاك التي تبنتها القاعدة، واستراتيجية التمكين والسيطرة التي اعتمدتها داعش 23. يوضح أبو هنية كيف تحولت السلفية الجهادية من فكر حركي إلى مشروع دولة (خلافة) وكيف أثر ذلك على البنية الفقهية للتيار، مما أدى إلى ظهور ممارسات أكثر عنفا وتطرفا.

ـ توماس هيغهامر (الجهاد العالمي)، يركز توماس هيغهامر على مفهوم عولمة الجهاد وكيف تحول من قضية دفاع عن أراضي المسلمين إلى هوية عالمية عابرة للحدود 24. ويرى هيغهامر أن العراق بعد عام 2003 كان بمثابة المختبر الذي أعاد تشكيل الهوية الجهادية لتصبح أكثر راديكالية وعنفا، مما مهد الطريق لظهور تنظيمات مثل داعش.

ـ كول بونزل: أيديولوجية الدولة الإسلامية، يقدم كول بونزل تحليلا لأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية، مؤكدا أن داعش ليست مجرد انشقاق عن القاعدة، بل هي عودة إلى الوهابية التاريخية في أكثر صورها تشددا، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم الولاء والبراء والتكفير 25. يوضح بونزل أن داعش تتبنى منهجا فقهيا نقيا يرفض البراغماتية التي حاولت القاعدة ممارستها، مما يفسر تطرفها في تطبيق الشريعة وتكفير المخالفين.

ـ محمد أبو رمان السلفية الجهادية، يركز محمد أبو رمان على البعد السوسيولوجي للتيار الجهادي، وكيف تساهم السجون والبيئات المهمشة في إنتاج الفكر التكفيري 26. ويشير إلى أن الهامش الرقيق بين الجهادية والتكفيرية يتلاشى في ظل غياب المرجعيات العلمية الرصينة وصعود شرعيي الميدان، مما يسهل عملية الانزلاق نحو الغلو والتطرف.

ـ جيل كيبل وبرنارد هيكل، يساهم جيل كيبل في فهم الظاهرة من خلال تركيزه على مفهوم “الفتنة” داخل التيار الإسلامي، وكيف أدى الصراع الداخلي إلى إضعاف المشروع الجهادي في النهاية 27. أما برنارد هيكل، فيحلل الأسس العقدية لداعش، مؤكدا أنها تستند إلى نصوص تراثية لكنها توظفها في سياق سياسي حديث يبرر العنف والتطرف 28.

الخاتمة

يمكن القول إن الأزمة التي عاشها التيار الجهادي بعد 2003 لم تكن فقط نتيجة للضغوط الأمنية أو التدخلات الدولية، بل كانت أيضا نتيجة لتفكك داخلي أصاب البنية الفكرية للحركة نفسها. ومع غياب الضوابط النظرية وتراجع المرجعيات التقليدية وصعود جيل تشكل في بيئة الحرب الطائفية، انهار التوازن الذي كان يفصل بين “الجهاد” بوصفه ممارسة سياسية قتالية، والتكفير بوصفه آلية إقصائية شاملة. إن فهم هذه التحولات ضروري لمواجهة التحديات التي يفرضها هذا التيار على المستويين الإقليمي والدولي.

قائمة المراجع

المراجع (الجهادية)
1.الظواهري، أيمن. (2005). رسالة إلى أبي مصعب الزرقاوي.
2.السوري، أبو مصعب. (تاريخ غير محدد). دعوة المقاومة الإسلامية العالمية.
3.ناجي، أبو بكر. إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة.
4.المقدسي، أبو محمد. نقد تنظيم الدولة.
5.تنظيم الدولة الإسلامية.. مجلة دابق ورومية.
المراجع (الأكاديمية)
1.جرجس، فواز.. داعش إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة.
2.أبو هنية، حسن. الجهادية العربية: النكاية والتمكين.
3.هيغهامر، توماس. الجهاد العالمي.
4.بونزل، كول.. أيديولوجية الدولة الإسلامية.
5.أبو رمان، محمد.. السلفية الجهادية.
6.كيبل، جيل. الفتنة والصراع داخل الإسلام الجهادي.
7.هيكل، برنارد. الأسس العقدية لداعش.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الروداني: استمرار الخلاف المغربي الجزائري يحرم المنطقة من سوق تتجاوز 100 مليون مستهلك

28 مايو 2026 - 8:52 م

في مقال تحليلي نشرته مجلة “جون أفريك” الفرنسية تحت عنوان “هل أصبحت المنافسة بين المغرب والجزائر نزوة جيوسياسية؟”، دعا الباحث

المعهد الوطني الإسباني للإحصاء: المغاربة يتصدرون الحاصلين على الجنسية الإسبانية خلال 2025

28 مايو 2026 - 8:31 م

كشفت بيانات رسمية إسبانية أن المواطنين المغاربة تصدروا قائمة الأجانب الحاصلين على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2025، في وقت سجلت

حارس أمن يحاول إنهاء حياته بسلاحه الوظيفي بالرباط.. وفتح بحث قضائي لكشف الملابسات

28 مايو 2026 - 8:14 م

فتحت ولاية أمن الرباط بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة المختصة، زوال اليوم الخميس 28 ماي الجاري، وذلك لتحديد ظروف

ضابط سابق في الاحتياط الإسرائيلي: استراتيجية إسرائيل تجاه إيران انهارت وأنتجت تداعيات سلبية على واشنطن

28 مايو 2026 - 6:30 م

يرى باحث إسرائيلي متخصص في شؤون إيران والشرق الأوسط، وضابط سابق في الاحتياط، أن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران تعرضت للانهيار،

المغرب يتصدر الدول الصناعية في إفريقيا متجاوزا جنوب إفريقيا وفق تقرير بنك التنمية الإفريقي

28 مايو 2026 - 4:15 م

أفاد تقرير صادر عن بنك التنمية الإفريقي بأن المغرب أصبح في صدارة الدول الأكثر تصنيعا في القارة الإفريقية، متجاوزا جنوب

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°