دعا الدكتور الحسن الباكوري، الفاعل السياسي والخبير في الاستراتيجية الاقتصادية وعضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى فتح المجال أمام الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج للمساهمة في التنمية الوطنية وعدم اختزال أدوار مغاربة العالم في التحويلات المالية فقط مؤكدا أن المغرب في حاجة إلى استثمار خبراتهم العلمية والمهنية في الاقتصاد والسياسة وصناعة الوعي المجتمعي
وخلال استضافته في برنامج (حواركم) على جريدة الشعاع الجديد، قدم الباكوري قراءة مركبة للواقع السياسي والاقتصادي والرياضي بالمغرب انطلاقا من تجربته المهنية خارج البلاد ثم عودته إلى المغرب وانخراطه في العمل السياسي المحلي والحزبي إلى جانب مسؤوليته داخل الجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ والمواي طاي والصافات والرياضات المماثلة.
واعتبر الباكوري أن السؤال المتعلق بالكفاءات المغربية بالخارج يرتبط بإشكال وطني أوسع يتصل بهجرة العقول وعدم قدرة البلاد على الاستفادة الكاملة من الأطر التي درست داخل المغرب ثم أكملت تكوينها في جامعات ومؤسسات أجنبية واختارت الاستقرار في الخارج وأوضح أن عددا كبيرا من هذه الكفاءات يحتفظ برغبة حقيقية في العودة غير أن تعقيد المساطر الإدارية وصعوبة الاستثمار وضعف المواكبة قد تحول هذه الرغبة إلى تردد أو إحباط
وبحسب المتحدث فإن استقطاب مغاربة العالم لا ينبغي أن يقتصر على دعوتهم إلى إنشاء المشاريع أو تحويل الأموال بل يجب أن يشمل إدماجهم في إنتاج المعرفة وتحديث الإدارة والمشاركة في النقاش العمومي وتطوير المؤسسات وشدد على أن المعركة الأساسية التي تواجه المجتمع المغربي اليوم هي معركة الوعي سواء تعلق الأمر بالوعي السياسي أو الاقتصادي أو المؤسساتي
وأكد الباكوري أن مغاربة العالم يحتفظون بعلاقة هوياتية قوية مع بلدهم الأصلي رغم نشأتهم في مجتمعات مختلفة مستشهدا بما يقدمه اللاعبون المغاربة المولودون في أوروبا من ارتباط بالمنتخب الوطني واختيارهم تمثيل المغرب رغم توفر فرص اللعب لمنتخبات أوروبية وأبرز أن هذا الارتباط يثبت أن الهوية المغربية قادرة على الاستمرار داخل أسر المهجر وأن أي سياسة عمومية ناجحة ينبغي أن تحول هذا الرصيد العاطفي والرمزي إلى قوة تنموية حقيقية
وانتقل الباكوري إلى تقييم المشهد السياسي بعد انتخابات 2021 موضحا أن التحالف الحكومي القائم على ثلاثة أحزاب امتد من الحكومة والبرلمان إلى الجهات والجماعات والمقاطعات وكان يفترض أن يحقق سرعة أكبر في تنزيل المشاريع العمومية بسبب وحدة مكونات التدبير غير أن الحكم على التجربة لا ينبغي أن يستند إلى البرامج المكتوبة أو الشعارات المعلنة بل إلى الأثر الفعلي في حياة المواطنين
ورأى أن عددا من المؤشرات الاجتماعية يفرض مساءلة حصيلة الأغلبية وفي مقدمتها غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتنامي النقاش حول تضارب المصالح ومتابعة عدد من المنتخبين والمسؤولين في ملفات قضائية إضافة إلى الجدل بشأن الدعم العمومي وبعض المشاريع الاقتصادية الكبرى واعتبر أن حضور التقنيين داخل الحكومة أو المؤسسات لا يكفي إذا غاب الحس السياسي والقدرة على الإنصات إلى المواطنين وفهم حاجاتهم اليومية
وفي هذا السياق طالب بإعطاء مضمون عملي للمبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة معتبرا أن التقييم لا ينبغي أن يؤجل إلى موعد الانتخابات وحده واقترح وجود آليات أو مؤسسات محايدة تقدم للرأي العام تقارير واضحة حول أداء الوزراء والبرلمانيين والفرق السياسية ومدى تنفيذ الوعود والبرامج حتى يمارس المواطن حقه في التصويت على أساس المعرفة لا على أساس الدعاية
كما حذر الباكوري من تأثير المال في الحياة السياسية معتبرا أن الإشكال لا يتعلق بامتلاك الفاعل السياسي للمال في حد ذاته وإنما بغياب الحدود الواضحة بين المصلحة الخاصة والمسؤولية العامة وباستعمال الإمكانات المالية في التأثير على الديمقراطية الداخلية للأحزاب أو استقطاب الناخبين وأشار إلى أن الحملات الانتخابية أصبحت في أحيان كثيرة تبدأ قبل موعدها الرسمي من خلال الموائد والتجمعات الاجتماعية والممارسات التي قد تتحول إلى أدوات غير مباشرة لاستمالة الناخبين
وأكد أن حماية العملية الانتخابية تقتضي مراجعة بعض الثغرات القانونية خصوصا ما يتعلق بتمويل الحملات وأداء تعويضات للمشاركين فيها ومراقبة السقوف المالية لأن غياب الرقابة الدقيقة قد يسمح بتحويل التعويض عن العمل الانتخابي إلى مقابل غير معلن للصوت الانتخابي وشدد على أن الديمقراطية لا تكتمل بوجود صناديق الاقتراع فقط بل تحتاج إلى منافسة نزيهة وقواعد شفافة وأحزاب تحترم إرادة أعضائها
وبخصوص الجدل المرتبط بالتزكيات الانتخابية داخل حزب الاتحاد الاشتراكي أكد الباكوري أن الحزب اعتمد مسطرة داخلية لاختيار مرشحيه وأن تزكية مروان عمامة بدائرة الحي الحسني تمت وفق قرار القواعد الحزبية نافيا وجود صراع شخصي حول الموضوع ومشددا على أن احترام الديمقراطية الداخلية هو الاختبار الأول لمصداقية أي حزب يدعي الدفاع عن الديمقراطية داخل مؤسسات الدولة
وعند تقييمه لأداء المنتخبين في الحي الحسني انتقد الباكوري غياب الحلول الاجتماعية المواكبة لبعض مشاريع الهدم وإعادة الهيكلة معتبرا أن الأوراش التنموية ضرورية لكنها لا ينبغي أن تنفذ على حساب مصادر رزق الأسر ودعا إلى إعداد البدائل قبل إزالة الأسواق أو إخلاء بعض الفضاءات حتى لا يتحول المشروع الحضري إلى سبب في التشرد أو فقدان الدخل
كما وجه انتقادات إلى البرامج الانتخابية التي وصفها بأنها أصبحت متشابهة إلى حد كبير ولا تعكس المرجعيات الإيديولوجية للأحزاب مبرزا أن النظام الانتخابي المغربي يفرض حكومات ائتلافية وهو ما يجعل الأحزاب مطالبة بتوضيح كيفية التوفيق بين برامج متعارضة داخل التحالف الواحد واعتبر أن إطلاق وعود جديدة قبل تقديم حصيلة دقيقة للوعود السابقة يضعف الثقة في العمل السياسي
وأكد أن المواطنين يحتاجون قبل الانتخابات المقبلة إلى تقييم صريح لما تحقق في التشغيل والأجور والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وليس إلى إعادة إنتاج الشعارات نفسها وأشار إلى أن الاحتجاجات الشبابية التي رفعت مطالب مرتبطة بالمدرسة والمستشفى والخدمات العمومية تكشف أن الأسئلة الاجتماعية ما تزال في صلب انتظارات المغاربة
ومن هذا المنطلق رأى الباكوري أن اليسار قادر على تقديم أجوبة عن هذه المطالب لأنه يجعل التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية في مركز مشروعه السياسي لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استعادة اليسار لموقعه لا تتحقق بالخطاب وحده بل بالحضور الميداني والتنسيق بين مكوناته وتقديم برامج قابلة للتنفيذ
وفي الشق الرياضي توقف الباكوري عند واقع الجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ والمواي طاي والصافات مؤكدا أن هذه الرياضات تحظى بانتشار واسع داخل الأحياء المغربية وتشكل الرياضة الفردية الأكثر شعبية في البلاد غير أن نتائجها وإشعاعها لا يعكسان دائما حجم المواهب المتوفرة
واعتبر أن انتخاب البطل السابق خالد القنديلي رئيسا للجامعة يمثل بداية مرحلة جديدة تقوم على الانفتاح على الأندية والجمعيات وإعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية وأوضح أن انتخاب الرئيس من طرف قاعدة واسعة من الأندية يختلف عن ممارسات سابقة كانت تجعل القرار محصورا في عدد محدود من رؤساء العصب
وعزا بعض التوترات التي شهدتها الجامعة إلى مقاومة التغيير من طرف جهات استفادت من أنماط التدبير السابقة مؤكدا أن الاختلاف مشروع لكن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع واحترام المؤسسات يظلان الطريق الوحيد لتدبير الخلافات كما دافع عن طلب افتحاص مالي وإداري للجامعة معتبرا الرقابة أداة لتصحيح التدبير وليست وسيلة للانتقام
وشدد الباكوري على ضرورة استقطاب الأبطال المغاربة المقيمين بالخارج وتنظيم التظاهرات الدولية بالمغرب والاستفادة من تجارب أسماء عالمية في التدريب والتأطير لأن تطوير هذه الرياضات يمكن أن تكون له آثار اجتماعية واقتصادية مهمة وأبرز أن مدربي الفنون القتالية لا يؤدون دورا رياضيا فقط بل يقومون بوظيفة تربوية تحمي عددا من الشباب من المخدرات والانحراف
وخلص إلى أن إصلاح السياسة والاقتصاد والرياضة يلتقي عند عناصر مشتركة هي الوعي والحكامة والشفافية والمحاسبة واحترام إرادة القواعد مؤكدا أن المغرب يمتلك الكفاءات والمواهب والإمكانات البشرية الضرورية لكن تحويلها إلى نتائج يتطلب مؤسسات منفتحة وقوانين واضحة ومسؤولين يضعون المصلحة العامة قبل الحسابات الشخصية.
لمتابعة المقابلة كاملة يرجى الضغط على الفيديو أسفله



تعليقات الزوار ( 0 )