تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية مقاربة صارمة في تقويم سلوك المراهقين عبر مراكز تأهيل مغلقة تستقبل شبابا يعانون من الانحراف السلوكي بطلب مباشر من آبائهم.
وتخضع هذه المؤسسات نزلاءها لنظام شبه عسكري يرتكز على الانضباط الجسدي والنفسي الدقيق، مع تطبيق برامج رياضية قاسية تبدأ عادة في الرابعة فجرا.
ويتم عزل هؤلاء المراهقين بشكل تام عن محيطهم الخارجي لفترات تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، وتصادر هواتفهم الذكية لمنع أي اتصال بشبكات التواصل.
ويشمل البرنامج الأمريكي اليومي حصصا مكثفة من التمارين البدنية الشاقة كالجري لمسافات طويلة وتخطي الحواجز، بهدف استنفاد الطاقة السلبية وبناء قدرة التحمل الشخصي.
ويترافق هذا المجهود العضلي مع جلسات علاج نفسي جماعي وفردي يقودها أخصائيون لتقويم السلوكيات العدوانية ومعالجة جذور التمرد الأسري والمجتمعي.
وتحقق هذه الاستراتيجية المندمجة نسب نجاح مرتفعة في إعادة دمج هؤلاء الشباب داخل فصولهم الدراسية وأسرهم بفضل فرض قواعد طاعة صارمة لا تقبل النقاش.
وتلزم القوانين المنظمة لهذه المراكز في أمريكا أولياء الأمور بتوقيع عقود تفويض شاملة تمنح الإدارة صلاحيات واسعة لضبط سلوك أبنائهم وتعديله وتقويمه.
ويتحمل الآباء تكاليف مالية باهظة لضمان مقعد لأبنائهم داخل هذه المجمعات المعزولة، إيمانا منهم بفعالية العلاج بالصدمة والانضباط كحل أخير لتفادي السجن.
وتخضع هذه المؤسسات بدورها لرقابة دورية من لجان صحية وقانونية لضمان احترام المعايير المعتمدة في العلاج النفسي والبدني دون تسجيل تجاوزات تمس بالسلامة الجسدية.
وفي السياق الآسيوي، طورت السلطات الصينية نموذجا مؤسساتيا مشابها لمواجهة تفشي الإدمان الإلكتروني بين صفوف القاصرين والشباب قليلي الحركة وضعاف البنية.
وتعتمد هذه المراكز الطبية والنفسية المتخصصة جدولا زمنيا صارما يمزج بين العلاج المعرفي والتدريب البدني المكثف لإعادة برمجة السلوك اليومي للمدمنين على الألعاب الافتراضية.
ويجبر النزلاء على ارتداء زي موحد والانخراط في أعمال يدوية وتمارين قاسية تهدف إلى استعادة لياقتهم البدنية وتصحيح اختلالاتهم.
ويخضع الشباب الصينيون داخل هذه المصحات لمراقبة طبية دقيقة تشمل تخطيط الدماغ وقياس معدلات التوتر الناتجة عن الحرمان المفاجئ من الشاشات المضيئة.
ويهدف هذا الحجر الصحي السلوكي إلى القضاء على متلازمة الانسحاب الرقمي، وتلقين المراهقين مهارات التواصل الواقعي المباشر بعيدا عن لوحات المفاتيح والعوالم الافتراضية.
وتثبت هذه التجربة نجاعتها في خفض معدلات الانقطاع عن الدراسة وتقليص نسب السمنة المفرطة وتشوهات العمود الفقري الناتجة عن الجلوس الطويل أمام الحواسيب.
مؤشرات محلية تفرض استلهام النموذج
وتفرض هذه التجارب الدولية الناجحة ضرورة استلهام مقارباتها لتصحيح مسار فئة عريضة من الشباب المغربي الذي يواجه تحديات سلوكية معقدة ومتشابكة.
وتكشف المؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للتربية والتكوين تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي وتسرب أزيد من 300 ألف تلميذ سنويا للشارع.
وتتزامن هذه الأرقام المقلقة مع ارتفاع معدلات استهلاك المخدرات التركيبية الرخيصة كالبوفا والإكستازي، وتفشي إدمان الهواتف النقالة.
ويفرز هذا التعلق المرضي بالفضاء الرقمي تغييرات جذرية وخطيرة في العادات البيولوجية للشباب، وتحديدا اضطرابات النوم المزمنة وتدهور الأنماط الغذائية السليمة واستبدالها بالوجبات السريعة.
وتنعكس هذه الاختلالات السلوكية والصحية بشكل مباشر وسلبي على المردودية التعليمية، مما ينتج جيلا يفتقر للحد الأدنى من الانضباط الذاتي والقدرة على التركيز.
ويستدعي هذا الوضع الميداني التدخل الفوري لوقف نزيف الطاقات الشابة قبل تحولها إلى عبء ديمغرافي يثقل كاهل ميزانية الدولة ويهدد أمن مجتمعاتها.
وتسجل المستشفيات والمراكز الصحية الإقليمية توافد مئات الحالات يوميا لقاصرين يعانون من مضاعفات صحية مباشرة مرتبطة بضعف الحركة والإدمان المستمر على الشاشات.
وتشمل هذه المضاعفات تراجعا حادا في حدة البصر، وظهور حالات من العزلة الاجتماعية والرهاب الاجتماعي، مصحوبة بنوبات غضب هستيرية عند مصادرة الهواتف.
ويضاعف هذا الواقع المرير فاتورة العلاج الطبي والنفسي التي تتحملها الأسر والمؤسسات الصحية، مما يحتم التوجه نحو الحلول الجذرية والوقائية التي توفرها مراكز التأهيل المغلقة.
الاستثمار البشري والحد من الجريمة
ويشكل الاستثمار الموجه نحو تأهيل العنصر البشري القاعدة الصلبة لأي إقلاع اقتصادي حقيقي، حيث ينتفي مسار التطور والنماء في غياب مواطنين أصحاء بدنيا ونفسيا.
وتتجاوز وظيفة مراكز التقويم السلوكي مجرد العلاج الفردي لتشكل درعا وقائيا يحد من ارتفاع معدلات الجريمة وتفريخ الجانحين داخل الأحياء الهامشية والتجمعات السكنية الكبرى.
ويساهم إخضاع المراهقين لهذه البرامج الانضباطية في تجفيف منابع الانحراف المبكر، مما ينعكس إيجابا على خفض الكثافة العددية داخل المؤسسات السجنية.
وتلعب هذه المنشآت التأهيلية دور الشريك الاستراتيجي لقطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي ومراكز التكوين المهني في إعداد مواطن قادر على تحمل المسؤولية.
ويضمن هذا التكامل المؤسساتي تخريج كفاءات شابة قادرة على الاندماج السلس في سوق الشغل الذي يتطلب مهارات الانضباط والالتزام وتحمل ضغط العمل اليومي.
وتوفر برامج إعادة البرمجة السلوكية فرصة حقيقية لاستدراك الفشل الأكاديمي عبر إعادة توجيه طاقات القاصرين نحو مسارات مهنية وحرفية منتجة وذات قيمة مضافة.
قصور المبادرات البديلة وآليات التنزيل
وتحاول بعض البرامج المحلية كالمخيمات الصيفية والأنشطة الكشفية المدرسية تغطية هذا الفراغ التأهيلي عبر تقديم ورشات تربوية محدودة زمنيا ومكانيا خلال فترات العطل.
وتظل هذه المبادرات الموسمية قاصرة عن إحداث تغيير جذري في سلوك المراهقين المتمردين، نظرا لغياب طابع الإلزام وضعف الصرامة الانضباطية داخلها وتقييدها بالجانب الترفيهي.
وتفتقر هذه الفضاءات الصيفية للكوادر الطبية والنفسية المتخصصة في علاج الإدمان الرقمي وتقويم الاعوجاج السلوكي الحاد، مما يبقيها حلولا ترقيعية غير حاسمة.
ويتطلب التنزيل الفعلي لمراكز التأهيل الصارمة بالمغرب صياغة إطار قانوني واضح يحدد شروط الإيداع بطلب من أولياء الأمور أو بأوامر قضائية لقضاة الأحداث.
ويستوجب هذا الورش تشييد مجمعات مغلقة ومحروسة خارج المدار الحضري، مجهزة بمرافق رياضية متكاملة وورشات للتكوين الحرفي التطبيقي المباشر.
ويضمن هذا التوزيع الجغرافي تحقيق العزلة الإيجابية المطلوبة لفصل المدمنين عن بيئتهم الحاضنة للانحراف ومحفزات التشتت الذهني المتواجدة في شوارع المدن.
ويستدعي تدبير هذه المراكز الجديدة تكوين طاقم إداري وتأطيري يجمع بين الخبرة النفسية والطبية، وبين الصرامة والانضباط الميداني المستوحى من التداريب العسكرية.
ويتحمل هذا الطاقم المشترك مسؤولية تطبيق الجداول الزمنية الدقيقة وتتبع الحالة الصحية والسلوكية لكل نزيل بشكل يومي وتسجيل التطورات في تقارير مفصلة.
وتوفر هذه الهيكلة البشرية المحترفة بيئة علاجية متكاملة تمنع أي فرصة للتمرد أو التراخي، وتفرض الانخراط الكلي في ورشات العمل التطبيقي والرياضات الجماعية.
ويعتمد نجاح هذا النموذج المؤسساتي على توفير تمويل مستدام يدمج بين الميزانيات الحكومية المخصصة للقطاعات الاجتماعية ومساهمات المجالس المنتخبة والفاعلين في القطاع الخاص.
ويفرض حجم التحديات السلوكية التي تعصف بالمراهقين توجيه الاستثمارات العمومية نحو بناء مصحات تقويمية صارمة كبديل وقائي عن مضاعفة بناء المؤسسات العقابية وتوسيعها.
ويترجم استمرار ترك الشباب فريسة لشاشات الهواتف والمخدرات التركيبية دون تدخل تقويمي حازم، قصورا في التخطيط الاستراتيجي لحماية الرأسمال البشري وتأمين المورد الأساسي لنهضة البلاد.



تعليقات الزوار ( 0 )