تعتبر الرؤى والمنظورات المتطرفة القائمة على الإقصاء التام للآخر واقتطاعه من الوجود، سواء الوجود السياسي أوالجغرافي أوالثقافي أوالديني أوالفكري، من أخطر العوامل المسببة للنزاعات المدمرة، وللإضطربات وانعدام الأمن والإستقرار على مختلف المستويات الدولية والإقليمية والداخلية، حيث تدفع الآخر مباشرة بشكل آلي إلى الدفاع عن حقه الأصيل في الوجود وفق تصوراته وتمثلاته الخاصة أو الموروثة.
فعلى المستوى الدولي كان المنظور الإقصائي الذي تبنته النازية والفاشية للآخرين، عاملا أساسيا في اندلاع الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من مآسي ودمار هائل على المستوى العالمي، كما كان قبله المنظور الإقصائي الذي تضمنته معاهدة فرساي لحقوق ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى، عاملا أساسيا في خلق البيئة الملائمة لصعود النازية واندلاع الحرب الكبرى من جديد، حيث لم تنظر القوى المنتصرة بشكل دقيق إلى المستقبل، وعملت وفق المعادلة التقليدية في الحروب، وهي التعسف في استغلال الإنتصار لصالحها إلى أبعد حد، ولم تعمل بدلا من ذلك على الإستغلال المتوزان الذي يضمن المصالح المشروعة بشكل طبيعي من جهة، والتأسيس لعدم خلق الأوضاع التي قد تؤدي إلى حرب مدمرة أخرى يخسر فيها الجميع، فالتعسف في استغلال حق المنتصر أدى إلى جولة أخرى من الحرب أكثر دمارا، خرجت منها جميع الدول الأوروبية من دائرة التأثير العالمي، وفقدت مستعمراتها تدريجيا، وتبوأت مكانتها العالمية قوى أخرى تمثلت في الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي.
وفي الشرق الأوسط يعتبر المنظور الإقصائي الذي تتبناه إسرائيل ضد حقوق الفلسطينيين وضد الدول العربية والإسلامية، واحدة من أكثر عوامل انعدام الأمن والإستقرار في العالم الإسلامي، فهي تسعى إلى إبادة المكون الفلسطيني والحلول محله سكانيا وهوياتيا ودينيا، بل أكثر من ذلك لا تخفي منظوراتها الإقصائية ضد دول الجوار، حيث تستهدف بشكل علني اقتطاع أجزاء كبرى من الجغرافيا العربية لصالح مشروع إسرائيل الكبرى، والذي لا يعدوا هو الآخر كونه مشروعا اقصائيا بامتياز يقوم على تفتيت وإضعاف الدول العربية والإسلامية، وممارسة الوصاية عليها بشكل غير مباشر، بحيث تكون لإسرائيل الكلمة الفصل في المنطقة، والمتحدث باسمها مع القوى الكبرى، وهذا يمثل إلغاء واقتطاع سياسي وجغرافي وهوياتي وديني وسكاني لمئات الملايين من البشر، وهو ينطوي على بذور حروب وصراعات مأساوية لا تنتهي.
وعلى الرغم من كل الجرائم التاريخية التي ارتكبتها إسرائيل قبل عقود طويلة ضد المكون العربي والإسلامي، كانت لديها فرصة تاريخية لتنضم تدريجيا إلى المنطقة مع اتفاقيات أوسلو ثم اتفاقيات أبراهام بعد ذلك، لكنها تبعا للمنظور الإقصائي الذي تبقى متشبعة به، ورؤيتها المتطرفة تجاه الآخر العربي والإسلامي، وحرب الإبادة الجماعية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري التي مارستها في غزة حيث الجرائم المنكرة التي يندى لها جبين البشرية جمعاء، والجرائم الكبرى في لبنان وغيره من الدول العربية والإسلامية التي انتهكت حرمتها ومارست ضدها العدوان، وضد أهداف مدنية بدون قيود، حيث قصف قطر واليمن، ودمرت البنية التحية العسكرية لسوريا في أعقاب الثورة، وتحتل أجزاء مهمة واستراتيجية منها حيث تبقى قاب قوسين من دمشق، وخاضت حربا خارج أي ضوابط أو أخلاق متعارف عليها ضد إيران قضى فيها مئات الأطفال والمدنيين والأبرياء، والإنتهاكات العلنية التي مارستها ضد أسطول الصمود، وما يطلقه مسؤولوها الرسميون من تصريحات يومية تمثل جرائم بموجب القوانين الدولية الجاري بها العمل، هي بكل ذلك أجهضت كل فرصة لها في أن تكون جزءا طبيعيا من المنطقة وفق ما كان يعتبر حل الدولتين على حدود 67 قبل أن يلغيه الكينيست الإسرائيلي، لأن مجمل هذه الأمور والوقائع الثابثة والموثقة لا تطرح أسئلة أخلاقية وقانونية وحسب، ولكنها تطرح أسئلة على الفاعلين في المنطقة من الناحية السياسية، فمن الناحية العقلانية المجردة، ومن ناحية الواقعية السياسية في العلاقات الدولية وما تقوم عليه من اقتراضات، فإنه لا يمكن القبول بمكون سياسي يفعل ما تفعله إسرائيل، ويتبنى ما تتبناه من رؤى متطرفة وإقصائية ومدمرة ضد عشرات الدول ومئات الملايين من البشر، ليس قولا وتصريحات فقط، ولكن بالفعل أيضا الذي لا يترك مجالا للشك. فهذا الوضع يطرح سؤالا أمنيا وسياسيا محرجا على الخبراء والفاعلين يجب أن يجيبوا عليه بكثير من التفصيل والعقلانية، فلا المنطق الإنساني الأخلاقي، ولا المنطق الواقعي السياسي يقول إن الأمر طبيعي، وإلا سنكون أمام أزمة في المنطق، وأمام أزمة نظرية في العلاقات الدولية وبحاجة إلى نظريات جديدة تفسر هذا الوضع وتؤطره.
من جهة أخرى لا تخلو منطقة شمال إفريقيا من الآثار الخطيرة للمنظورات الإقصائية، فالقطيعة بين الجزائر والمغرب، والأطروحة المتطرفة التي ورثتها الجزائر من عصر القوميات العربية ونظرتها الإقصائية للدول ذات الأنظمة الملكية، وما نجم عن ذلك من عداء وصراعات، ودعم للحركات الإنفصالية، سامهت في تمزيق المنطقة أكثر، وإبقائها في حضيض التخلف والتبعية، وفوتت على شعوبها الكثير من الفرص في الإندماج والتنمية. فقد كان الوضع الطبيعي بعد إجلاء الإستعمار عن المنطقة، هو التوجه بفكر منفتح نحو التكتل والإندماج وإنجاح مبادرة اتحاد المغرب العربي وفق معاهدة مراكش، والتضامن بين دول المنطقة لتعزيز حقوق الإنسان، وتسهيل العبور وإذابة الآثار اللاإنسانية للحدود التي لم تراعى في رسمها من قبل الإستعمار أي اعتبارات إنسانية، فمزقت الأسر والقبائل الواحدة، وأعلت جدران الفصل بين أبناء الأصل الواحد، واللغة الواحدة، والثقافة الواحدة، والدين وحتى المذهب الواحد، وجعلت منهم أعداء يسعى بعضهم في دمار بعض.
هذا المنظور الإقصائي الذي تبنه ليبيا سابقا، والجزائر حاليا تجاه المغرب، لا يستند إلى أطروحات القومية العربية التي انهارت اليوم وحسب، ولكنه في عمقه يرتكز إلى أطروحة صناعة العدو الذي توجه إليه الأنظار، وتصرف من خلاله الأزمات الداخلية حسب ما تناوله بتفصيل الفرنسي بيير كونيسا في كتابه حول صناعة العدو، حيث يستغل الخوف الجماعي لتوحيد الصف خلف النظام الحاكم، وهو ما يفسر تنعت الجزائر في رفض كل مبادرات اليد الممدودة من قبل المغرب لحل المشاكل الكائنة والمتوهمة من خلال آلية ثنائية بين الطرفين، فإذا كانت هناك مشاكل، فالمنطق أن تكون هناك مفاوضات لتسويتها، أما رفض المفاوضات وأي آلية لحل هذه المشاكل فهذا لا معنى له عقليا وسياسيا.
إنه وإن كانت صناعة العدو في الحالة التي لا يكون فيها موجودا، مسألة لا تخلو من منافع أحيانا، إلا أن حسن اختيار العدو هي المسألة الأكثر أهمية، فمن الغباء صناعة عداء مدمر للمنطقة التي تتواجد فيها، ومعطل لحياة شعوبها، فهو العداء الذي يقود إلى الحضيض والدمار، فتوجيه إيران العداء تجاه إسرائيل مثلا جعل منها قوة كبرى ومتقدمة في المنطقة، حيث لا يجب أن تكون في مستوى اقل تقدما ممن تتخذه عدوا، وهذا نقل إيران بعد الثورة من التخلف والحضيض إلى القوة والتقدم والفعالية، أما العداء بين الهند وباكستان، فجعل من هذه الأخيرة قوة نووية لا يستهان بها رغم التحديات وعدد سكانها الكبير وشُح الثروات. فالعدو القوي يجعل منك قويا ومتقدما، وكانت الجزائر تستطيع أن تلبي حاجتها إلى العدو بصناعة العداء تجاه فرنسا التي احتلتها لأكثر من 100 عام، وهي بالتأكيد مع حجم المقدرات النفطية التي تتميز بها، كانت ستجعل منها قوة لا بأس بها في المنطقة، وتلبي أغراضها في التعبئة الشعبية والحفاظ على استقرار النظام الحاكم الذي ليست لديه جذور قوية يستند إليها حال المغرب، لكنها للأسف اختارت مسار العداء للمغرب ودعم الإنفصال، فتعطلت المنطقة وتخلفت، وستنهار في ظل أي حرب بين الجزائر والمغرب، وهو توجه خال من الحكمة والعقلانية، في مقابل توجه الإتحاد والإندماج في المغرب الكبير وتعزيز الحقوق الإنسانية لشعوبه بكل إنصاف، وتسهيل المبادلات والتدفقات البشرية والتجارية التي كان المغرب ولا يزال يدعو إليها.
إن المنظورات الإقصائية والمتطرفة تجاه الآخر تبقى من أخطر ما يهدد مستقبل الإنسان والشعوب والدول حيثما حلت ونمت، فاليوم، فإنه في ظل المجتمع الإنساني العالمي، وما قطعته البشرية من تقدم في مسار الوعي بالأهمية الحيوية للسلام والتعايش والإعتراف بالحقوق المشروعة للإنسان أيا كان، وحيثما كان، بغض النظر عن أي شي آخر، يبقى الإعتراف والإنصاف، والتكتل والإندماج، وتجنب التعنت والتعسف، والتشتت والإنفصال، من أهم ركائز الأمن والإستقرار والتقدم على مختلف المستويات، فالدول والمناطق التي تسودها المنظورات الإقصائية القائمة على الظلم ومنطق التغول والإفتراس، سرعان ما تتفتت وتنحل عراها، وتصبح فريسة مستصاغة للقوى الأكبر حيث لا ينفعها الندم.
باحث في الدراسات السياسية والقانونية





تعليقات الزوار ( 0 )