أصدرت رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة قرارات تأديبية قطعية أفضت إلى الإقصاء النهائي لواحد وعشرين طالبا وتوجيه إنذار مكتوب لطالبين آخرين، لتطرح هذه الخطوة الإدارية الصارمة علامات استفهام كبرى حول مسار التعاطي المؤسساتي مع الحركات الاحتجاجية الطلابية.
وتضع هذه القرارات القاسية مستقبل عشرات الشباب في مواجهة مجهول أكاديمي واجتماعي، متجاوزة بذلك الأعراف الجامعية التي تعتبر الحرم الأكاديمي مشتلا تاريخيا للفكر المعارض وحاضنة طبيعية للتيارات السياسية والثقافية المختلفة. ويتعارض اللجوء المباشر إلى عقوبة الطرد مع الأدوار التربوية المفترضة للمؤسسة، والتي تتطلب استحضار الخصوصية العمرية والسيكولوجية لفئة الشباب، واعتماد آليات الإنصات المؤسساتي وفتح قنوات النقاش والمصاحبة وتفعيل لجان الوساطة. وتفرض التحديات الحالية تجاوز المقاربات الزجرية الجاهزة التي تقطع حبل التواصل وتغلق أبواب المدرجات في وجه جيل كامل من الباحثين عن الترقي الاجتماعي، وتستوجب استبدالها بهياكل استشارية تمتلك القدرة على امتصاص الغضب وتوجيه الطاقات نحو حوار بناء.
وتندرج الأحداث التي شهدتها كليات القنيطرة ضمن سياق وطني ومحلي يتسم باحتقان متصاعد نتيجة تراكم الملفات المطلبية المشروعة للفصائل الطلابية، والتي تضع تحسين ظروف التحصيل العلمي على رأس أولوياتها الميدانية. وخرج آلاف المسجلين للاحتجاج والتعبير عن رفضهم القاطع لمساعي تسليع المعرفة ومقاومة التوجهات الرامية إلى فرض رسوم مادية مقابل الولوج لبعض التخصصات ومسالك التميز، معتبرين ذلك ضربا مباشرا لمبدأ مجانية التعليم العمومي وتكريسا للطبقية الأكاديمية.
وارتبطت هذه التحركات الميدانية برفع حزمة من المطالب الاجتماعية الصرفة، تتصدرها الدعوة الملحة لتوسيع البنيات التحتية وبناء مدرجات إضافية لتجاوز معضلة الاكتظاظ الخانق الذي يحد من جودة الاستيعاب ويجعل ظروف التلقين شبه مستحيلة. وطالت المطالب أيضا ضرورة الرفع من حصيص المستفيدين من المنح المالية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية لتحسين ظروف الإيواء والتغذية، وتوفير بطاقات النقل الحضري بأسعار تفضيلية، بهدف ضمان بيئة لائقة تحفظ كرامة الوافدين من المناطق القروية والمدن المجاورة.
ويشكل الإضراب ومقاطعة الدروس حقا يكفله العرف النقابي كأداة للضغط وإيصال الصوت حينما توصد أبواب الحوار وتتجاهل الإدارة تظلمات القاعدة الطلابية. وبادرت التقارير المرفوعة من طرف عمادات الكليات وإدارة الجامعة إلى تكييف هذه الممارسات الاحتجاجية ضمن خانة المخالفات الجسيمة، مستندة خلال جلسات المجالس التأديبية المنعقدة منتصف شهر مارس الجاري إلى مقتضيات المرسوم رقم 2.06.619 لتبرير قراراتها الزجرية.
ووجهت الإدارة للمفصولين تهما تتعلق باقتحام الإدارات ومنع الموظفين من أداء مهامهم، وعرقلة سير الامتحانات الفصلية، وممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد الأطقم التربوية. وتبرز في هذا الإطار فجوة عميقة ومقلقة بين الرواية الإدارية التي تتحدث عن شلل استوجب تدخل السلطات الأمنية وتسجيل شكايات رسمية، وبين الموقف الطلابي الذي يرى في هذه التهم مجرد غطاء قانوني لتجريم العمل النقابي، وتصفية حسابات ضيقة مع القيادات الميدانية التي تؤطر الاحتجاجات وترفض التنازل عن المطالب الهيكلية للمنظومة.
وتطرح المسطرة المعتمدة في إصدار أحكام الطرد النهائي إشكالات إجرائية تتمثل في البت الغيابي في ملفات المتابعين، بعدما قاطع المعنيون جلسات الاستماع والمواجهة لرفضهم المسبق الاعتراف بشرعية وحياد اللجان التأديبية المشكلة حصرا من ممثلي الإدارة.
ويفقد هذا الغياب ضمانات المحاكمة التأديبية المتوازنة، ويحول المجالس إلى آلة للمصادقة على تقارير أحادية الجانب صاغها الأساتذة ورؤساء المؤسسات المتضررون مباشرة من الاحتجاجات، دون إتاحة الفرصة لتقديم دفوعات مضادة أو إشراك أطراف محايدة لتقييم حجم التجاوزات المزعومة ومقارنتها بدوافع التوتر الحقيقية. وتكرس هذه المنهجية سياسة الهروب إلى الأمام، متجاهلة الجذور السوسيو-اقتصادية للاحتقان، ومكتفية بمعالجة الأعراض والنتائج عبر بتر العناصر النشيطة، مما يهدد بتفريخ أزمات أشد تعقيدا خلال المواسم الأكاديمية القادمة، ويزيد من منسوب العداء المتبادل بين مكونات الحرم التعليمي الموكول إليه بناء أجيال متشبعة بقيم التسامح وقبول الاختلاف.
ويفرز الاعتماد الحصري على المقاربة العقابية لردع الطلبة في معالجة أزمات الجامعة فشلا ذريعا في استيعاب التحولات العميقة التي تخترق صفوف الشباب، ويوثق عجز الهياكل المسيرة عن ابتكار حلول توافقية تضمن استمرارية المرفق العام دون سحق المستقبل المهني للمسجلين. وتضع هذه الحصيلة التأديبية الثقيلة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب رئاسة جامعة ابن طفيل، في قلب المساءلة المباشرة حول مسؤوليتها الثابتة في توفير بيئة سليمة للتحصيل وتدبير الخلافات الداخلية بمرونة تتناسب مع قدسية الرسالة التربوية.
ويتحول ترك الملفات الاجتماعية عالقة واللجوء لسياسة لوي الأذرع والمحاضر الأمنية إلى وصفة جاهزة لتدمير مسارات جيل كامل، تاركا آلاف الباحثين عن المعرفة ضحايا لتعنت إداري يرفض النزول من مكاتبه لفتح حوار جاد ومسؤول ينتشل الجامعة من مستنقع المقاربات الانتقامية ويعيدها لسكتها الأكاديمية السليمة.



تعليقات الزوار ( 0 )