تحت عنوان “في سوريا.. التحول غير المكتمل لأحمد الشرع… الإسلامي المتمرّد الذي أصبح رئيسا”، تناولت صحيفة لوموند الفرنسية، في الجزء الأول من بورتريه مطوّل ضمن سلسلة “سوريا ما بعد الأسد” (1/5)، التحولات العميقة التي قادت أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني، إلى رأس الدولة بعد سقوط النظام البعثي. ورغم نجاحه في إنهاء عزلة سوريا الدولية وإسقاط حكم عائلة الأسد، تشير الصحيفة إلى استمرار عجزه عن معالجة التوترات الطائفية والإثنية المتجذّرة منذ سنوات الحرب.
وجد الشرع نفسه، الذي خرج من عباءة قيادة جيب إدلب منذ 2017، في موقع إدارة دولة أنهكتها أربعة عشر عاما من الحرب الأهلية. وببدلته الرسمية ولحيته المشذبة، ظهر في احتفال الذكرى الأولى لاستعادة حلب، مخاطباً السوريين بدعوة لإعادة إعمار البلاد وكتابة صفحة جديدة من تاريخها. قبل عام واحد فقط، كان الجولاني يدخل المدينة بصفته قائداً لجماعة “هيئة تحرير الشام”، بعد عملية عسكرية باغتت النظام. وبعد سيطرته على دمشق في 8 دجنبر 2024 وفرار بشار الأسد إلى موسكو، استعاد الشرع اسمه الحقيقي، ليتحول بشكل سريع من “جهادي سابق” إلى رئيس انتقالي لسوريا.
وبحسب الصحيفة، يتعامل الدبلوماسيون ورجال الأعمال مع الشرع بوصفه قائداً حازما وذكيا في التكتيك، لكنه كذلك شديد الحساب ومحاط بدائرة ضيقة من المقرّبين. وقد حظي بدعم سياسي من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فيما استقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في خطوة عدّتها الصحيفة اختراقاً دبلوماسياً بارزاً.
نجح الشرع في إخراج سوريا من محور النفوذ الإيراني والروسي، وتجنب الخضوع للضغط التركي، كما عزّز علاقاته بالسعودية، وفتح قنوات تفاوض مع إسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية، وسجّل انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في نوفمبر الأخير. غير أن هذا التوجه البراغماتي يثير امتعاض جزء من قاعدته السنية المحافظة، التي كانت تنتظر مواقف أكثر تشدّداً، خاصة تجاه النظام السابق وتطبيق الشريعة.
وتبرز شهادات الباحثين السوريين، التي نقلتها الصحيفة، أن الشرع أدرك حدود الحكم العقائدي المتشدد في دولة متعددة الطوائف والقوميات، وهو ما دفعه إلى تبني توجه ديني معتدل أثار تحفظات داخل الأوساط السلفية وبعض رفقاء السلاح السابقين.
منذ تولّيه الرئاسة الانتقالية في يناير 2025، حاول الشرع بناء شرعية سياسية جديدة، واعداً بانتخابات بعد أربع سنوات وبصياغة دستور جديد. لكن طبيعة الحكم المركزية بقيت حاضرة، حيث تُتخذ القرارات داخل حلقة ضيقة تضم خمسة أو ستة أشخاص، بينهم شقيقاه اللذان يشغلان مواقع مفصلية في الرئاسة والاقتصاد.
على مستوى السلطة، واجه الشرع اختباراً مبكرا مع تمرّد علويين في الساحل في 6 مارس، انتهى بقمع دموي خلّف حوالي 1400 قتيل أغلبهم من المدنيين، مما زاد الاحتقان الطائفي. كما تعمّقت التوترات مع الكرد والدروز، وتفاقمت الأزمة إثر هجوم حكومي دموي على السويداء دفع إسرائيل للتدخل لوقف قوات الشرع.
اقتصادياً، ورث النظام الجديد بلداً منهاراً: دمار واسع، احتياطي فارغ، وأكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. ورغم دعم مالي محدود من دول الخليج، ما تزال العقوبات الأمريكية تعرقل الاستثمار. ويرى خبراء، نقلت عنهم لوموند، أن نجاح المرحلة الانتقالية لن يتحقق دون بناء مؤسسات سياسية وقضائية مستقلة، معتبرين أن إدارة الشرع للدولة وفق النموذج الإداري الذي اتبعه في إدلب قد يقود إلى الفشل.
وتخلص الصحيفة إلى أن مسار أحمد الشرع يمثل تحولاً غير مكتمل، يجمع بين الطموح السياسي والقيود البنيوية، في سياق دولة تبحث عن إعادة تأسيس ذاتها بعد عقد ونصف من الحرب.



تعليقات الزوار ( 0 )