أخبار ساعة

19:37 - اللجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة تشرع في مهامها للتحضير للانتخابات القادمة18:48 - لقجع وزجته تحت سقف واحد في القيادة السياسية لـ”البام”18:25 - الفريق أول محمد بريظ يزور مصنع “تاتا” للدفاع ببرشيد لتعزيز الشراكة المغربية الهندية18:12 - ميمون أزيزا… سيرة مؤرخ جعل من التاريخ مشروعا علميا لفهم المجتمع وإنتاج المعرفة18:10 - ميمون أزيزا.. سيرة مؤرخ من جبال الريف إلى الجامعات الأوروبية| مسارات باحثين18:09 - مآل الحيين الصناعي والحرفي بأولاد تايمة يثير امتعاض ساكنة المنطقة17:00 - خبير أمريكي: المغرب بقيادة الملك محمد السادس يرسخ مكانته كواحة للاستقرار وشريك استراتيجي للولايات المتحدة16:30 - لماذا تتجاهل بعض الإدارات المغربية الرد على شكايات المواطنين؟16:15 - تبون يتعهد بحماية تونس من أي تهديد خارجي15:42 - إتاوات خارج القانون” بسوق قلعة السراغنة.. شباب وذوو سوابق يفرضون رسوماً على الباعة وسط صمت السلطات
الرئيسية » الرئيسية » ميمون أزيزا… سيرة مؤرخ جعل من التاريخ مشروعا علميا لفهم المجتمع وإنتاج المعرفة

ميمون أزيزا… سيرة مؤرخ جعل من التاريخ مشروعا علميا لفهم المجتمع وإنتاج المعرفة

لا تبدو المسارات الأكاديمية الكبرى، في الغالب، نتيجة قرارات جاهزة أو خطط مرسومة بعناية منذ البدايات، بقدر ما تتشكل عبر تفاعل معقد بين البيئة الاجتماعية، والصدف، والاختيارات الفكرية، والرهانات الشخصية. وهذا ما يكشف عنه الحوار الذي أجراه الدكتور المصطفى المريزق مع المؤرخ المغربي الدكتور ميمون أزيزا، ضمن برنامج “مسارات الذي تبثه جريدة الشعاع الجديد، حيث لم يكن الهدف مجرد استعراض السيرة الذاتية لأستاذ جامعي، وإنما تفكيك المراحل التي صنعت شخصية باحث تحول، عبر سنوات طويلة من التكوين والبحث، إلى أحد أبرز المتخصصين في تاريخ الريف والعلاقات المغربية الإسبانية والهجرة المغربية.

يبدأ ميمون أزيزا حكايته من مدينة الناظور في مطلع ستينيات القرن الماضي، حين كانت المدينة ما تزال تحمل آثار الحقبة الاستعمارية الإسبانية. لم تكن الناظور بالنسبة إليه مجرد مكان للولادة، بل فضاء ثقافيا مختلفا عن بقية المدن المغربية، بحكم موقعها الحدودي وانفتاحها على مليلة ووهران وتطوان والعرائش أكثر مما كانت مرتبطة بالمراكز التقليدية للدولة المغربية. لذلك لم يكن غريبا أن تكون اللغة الإسبانية، إلى جانب اللغة الريفية، أول ما سمعه الطفل قبل أن يتعلم العربية في المدرسة، وأن تصبح هذه الثنائية اللغوية لاحقا أحد المفاتيح التي ستحدد مساره العلمي وتوجه اهتمامه نحو التاريخ الإسباني بالمغرب.

ولا يتحدث أزيزا عن طفولته باعتبارها زمنا رومانسيا، بل يربطها بالسياق الاجتماعي الذي كان يميز منطقة الريف آنذاك، حيث كانت الهجرة إلى أوروبا تمثل الحلم الأكبر للأسر، أكثر من المدرسة نفسها. ففي المخيال الجماعي آنذاك، لم يكن النجاح مرتبطا بالحصول على الشهادات، بل بالوصول إلى ألمانيا أو بلجيكا أو هولندا. ولذلك لم تكن المؤسسة التعليمية تحظى بالمكانة التي أصبحت لها لاحقا، وهو ما يجعل نجاحه الدراسي يبدو، في نظره، خروجا نسبيا عن النسق الاجتماعي السائد.

ورغم ذلك، فإن شخصية واحدة داخل العائلة لعبت دورا حاسما في تغيير هذا المسار، ويتعلق الأمر بعمه، الذي كان أول من حصل على شهادة البكالوريا داخل الحي، وأول من امتلك مكتبة منزلية تضم الروايات والكتب الفكرية. هناك، وسط تلك المكتبة الصغيرة، بدأت علاقة ميمون أزيزا بالقراءة، قبل أن تتحول إلى شغف بالبحث، ثم إلى مشروع حياة كامل. ولم يكن تأثير العم مقتصرا على توفير الكتب، بل تحول إلى نموذج اجتماعي جعل الطفل يكتشف أن الترقية لا تمر فقط عبر الهجرة، بل أيضا عبر المعرفة.

ومع نهاية السبعينيات، بدأ الاهتمام بالسياسة يتسلل إلى جيل كامل من الشباب المغربي، وكان أزيزا واحدا منهم. فقد تزامن دخوله المرحلة الثانوية مع انتشار أفكار اليسار والأحزاب الوطنية، وهو ما جعله يختار دراسة التاريخ والجغرافيا، ليس فقط بدافع الفضول العلمي، بل أيضا بحثا عن أدوات لفهم المجتمع والتحولات السياسية التي كان يعيشها المغرب والعالم. ومنذ سنوات الجامعة الأولى بوجدة، بدأت تتشكل لديه قناعة بأن الإجازة ليست نهاية الطريق، وأن البحث العلمي ينبغي أن يستمر إلى ما بعد التخرج.

في جامعة وجدة، لم يكن يكتفي بحضور المحاضرات، بل كان يقتني المجلات الأكاديمية المغربية، ويقرأ الصحف الثقافية، ويتابع الإصدارات الجديدة في التاريخ والعلوم الإنسانية، قبل أن تأتي أول زيارة إلى أوروبا لتغير تصوراته بالكامل. فهناك اكتشف جامعات أخرى، ومكتبات ضخمة، ومراكز بحث، وأرشيفات، وأدرك أن إنتاج المعرفة لا يتم داخل قاعة الدرس فقط، وإنما في المختبرات ودور الوثائق واللقاءات العلمية.

ويصف أزيزا قرار السفر إلى فرنسا بأنه كان مغامرة حقيقية بكل المقاييس. فقد وصل إلى باريس بحقيبة صغيرة، من دون ضمانات، ولا منحة، ولا حتى تصور واضح عن الجامعة التي سيدرس فيها. كل ما كان يملكه هو رغبة عارمة في مواصلة البحث. تنقل بين جامعات فرنسية عدة، وفكر في دراسة التاريخ القديم، قبل أن يكتشف أن تكوينه الجامعي لا يسمح له بمجاراة متطلبات هذا التخصص، ليقرر في النهاية التوجه نحو التاريخ المعاصر، وهو القرار الذي سيحدد مجمل إنتاجه العلمي لاحقا.

ولم يكن البحث عن مشرف للأطروحة أقل صعوبة من البحث عن موضوعها. فقد التقى عددا من كبار المؤرخين الفرنسيين قبل أن يستقر على الأستاذ غونزاليس، الذي وجهه نحو الاشتغال على تاريخ الريف والاستعمار الإسباني. كان ذلك الاختيار نقطة تحول حاسمة، لأنه أعاد ربط الباحث بفضائه الأول، ولكن هذه المرة بأدوات علمية جديدة، وبمنهج تاريخي حديث، وبالاستناد إلى الأرشيف الإسباني والفرنسي.

ويؤكد أزيزا أن سنوات باريس لم تكن مجرد مرحلة للحصول على الدكتوراه، بل كانت مدرسة كاملة في البحث العلمي. فقد كانت العاصمة الفرنسية آنذاك فضاء مفتوحا للمؤرخين وعلماء الاجتماع والمفكرين، حيث أتيح له حضور ندوات برهان غليون، واللقاء بإبراهيم السرفاتي بعد خروجه من السجن، والتعرف على أسماء أكاديمية كبيرة شكلت جزءا من الذاكرة العلمية الفرنسية. بالنسبة إليه، لم تكن الجامعة مجرد مكان للدراسة، بل فضاء لبناء الشخصية العلمية والانفتاح على مختلف المدارس الفكرية.

ورغم توفر إمكانيات الاستقرار بأوروبا، ظل قرار العودة إلى المغرب حاضرا لديه منذ البداية. ويكشف أن أستاذه الفرنسي كان ينصحه دائما بالعودة إلى بلده، معتبرا أن الباحث الحقيقي ينبغي أن يبني تجربته داخل مجتمعه، وأن يساهم في تطوير جامعته الوطنية قبل التفكير في الاستقرار بالخارج. ولذلك، عاد إلى المغرب بعد حصوله على الدكتوراه، ليبدأ مرحلة جديدة أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، حيث جمع بين التدريس والبحث والتأطير.

غير أن العودة لم تكن نهاية الرحلة، بل بداية معركة أخرى. فداخل الجامعة المغربية، اكتشف أن الباحث لا يواجه فقط تحديات إنتاج المعرفة، وإنما أيضا تحديات البنية الجامعية نفسها، من ضعف التمويل، وقلة المشاريع البحثية، وصعوبة الوصول إلى الأرشيفات الأجنبية، ومحدودية الإمكانيات المخصصة للبحث العلمي. ورغم ذلك، يرى أن المغرب يتوفر على طاقات علمية مهمة، وأن عددا كبيرا من الأساتذة يواصلون الاشتغال بجهود فردية، في غياب منظومة مؤسساتية قوية تحتضن البحث الأكاديمي.

وفي نظره، لا يمكن اختزال الأستاذ الجامعي في وظيفة التدريس فقط، لأن الجامعة الحديثة تقوم على ثلاثة أدوار متكاملة: التدريس، وإنتاج المعرفة، وتأطير الباحثين. ولذلك يرفض الصورة النمطية التي تختزل الأستاذ في ساعات المحاضرات، مؤكدا أن الجزء الأكبر من عمله يتم خارج المدرجات، بين الأرشيفات، والمقالات العلمية، والكتب، والإشراف على رسائل الماستر والدكتوراه، والمشاركة في المؤتمرات الدولية.

ويعتبر أن إنتاج المعرفة التاريخية ليس ترفا فكريا، وإنما ضرورة وطنية. فالتاريخ، بالنسبة إليه، هو الذي يبني الذاكرة الجماعية، ويساهم في الدفاع عن المصالح الوطنية، كما حدث في قضية الصحراء المغربية، حين لعب المؤرخون دورا أساسيا في جمع الوثائق التاريخية التي استند إليها المغرب أمام محكمة العدل الدولية.

ولا يخفي أزيزا قلقه من التحولات التي يعرفها المجال العمومي، حيث أصبح الجميع يكتب في التاريخ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من دون تكوين أكاديمي أو منهجي. وهو يرى أن هذا الوضع يمثل أحد أكبر التحديات الإبستمولوجية التي تواجه المؤرخ اليوم، لأن كتابة التاريخ ليست رأيا شخصيا، وإنما علم له أدواته ومناهجه وقواعده الصارمة.

كما يؤكد أن المؤرخ الحقيقي لا يصدر أحكاما أخلاقية، ولا يكتب لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما يسعى إلى فهم الوقائع في سياقاتها، وقراءة الوثائق بعين نقدية، مع الحفاظ على المسافة الضرورية بين الباحث وموضوعه. فالمؤرخ، في نهاية المطاف، لا يكتب الماضي من أجل الماضي، وإنما لفهم الحاضر والمساهمة في بناء المستقبل.

وتبرز تجربة ميمون أزيزا أيضا من خلال انفتاحه على فضاءات بحثية متعددة، خاصة في إسبانيا، حيث ارتبط بعدد من الجامعات ومراكز الدراسات، وشارك في مشاريع بحثية مشتركة حول الريف والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية، كما أصدر عددا من الكتب باللغتين العربية والإسبانية، تناولت تاريخ الريف، والاستعمار الإسباني، والهجرة، والعلاقات بين الضفتين.

وجه أزيزا، من خلال الحوار، رسالة واضحة إلى الباحثين الشباب، دعاهم فيها إلى اختيار مواضيع أصيلة، وعدم البحث عن الطرق السهلة للحصول على الشهادات، مؤكدا أن الباحث الحقيقي هو الذي يبحث عن الأستاذ المتخصص، ويذهب بنفسه إلى الأرشيف، ويصنع مادته العلمية من الوثائق، لا من إعادة إنتاج ما كتبه الآخرون. كما دعا إلى التحلي بالصبر، لأن البحث العلمي، في نظره، ليس سباقا نحو الدبلوم، وإنما مشروع عمر يتطلب الشغف والانضباط والإيمان بقيمة المعرفة.

هكذا، لم يقدم برنامج “مسارات مجرد سيرة ذاتية لمؤرخ مغربي، بل كشف عن رحلة فكرية وإنسانية تعكس، في العمق، تاريخ جيل كامل من الباحثين الذين انتقلوا من هوامش الجغرافيا إلى قلب الإنتاج الأكاديمي، وجعلوا من التاريخ أداة لفهم المجتمع، وإعادة بناء الذاكرة، والمساهمة في إنتاج معرفة علمية رصينة، تؤكد أن الجامعة ليست فضاء للتدريس فقط، بل مؤسسة لصناعة المستقبل عبر المعرفة.

يرجى الضغط على الفيديو لمتابعة الحوار كاملا بالصوت والصورة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

لقجع وزجته تحت سقف واحد في القيادة السياسية لـ”البام”

27 يوليو 2026 - 6:48 م

كشف موقع “مغرب إنتليجنس” (Maghreb Intelligence) الاستقصائي أن التحاق فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية، بحزب الأصالة والمعاصرة رسميا ابتداء من 25 يوليوز، يضعه جنبا إلى جنب مع زوجته هدى المغاري داخل المكتب السياسي للحزب.

الفريق أول محمد بريظ يزور مصنع “تاتا” للدفاع ببرشيد لتعزيز الشراكة المغربية الهندية

27 يوليو 2026 - 6:25 م

استقبلت شركة “تاتا للأنظمة المتقدمة” (Tata Advanced Systems)، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، الفريق أول محمد بريظ،

خبير أمريكي: المغرب بقيادة الملك محمد السادس يرسخ مكانته كواحة للاستقرار وشريك استراتيجي للولايات المتحدة

27 يوليو 2026 - 5:00 م

أكد رئيس مركز التفكير الأمريكي معهد السياسات العالمية، باولو فون شيراتش، أن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يواصل

لماذا تتجاهل بعض الإدارات المغربية الرد على شكايات المواطنين؟

27 يوليو 2026 - 4:30 م

أعرب، شتور علي ، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو الجامعة المغربية لحقوق المستهلك عن قلقه إزاء استمرار

إتاوات خارج القانون” بسوق قلعة السراغنة.. شباب وذوو سوابق يفرضون رسوماً على الباعة وسط صمت السلطات

27 يوليو 2026 - 3:42 م

شهد السوق الأسبوعي “الإثنين” بمدينة قلعة السراغنة، وفق معطيات متداولة بين عدد من الباعة والزوار، ممارسات يصفها متضررون بغير القانونية،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°