بين أزقة هانوي العتيقة في مطلع القرن العشرين، وظْلال قاعات الامتحانات في مغرب اليوم، يمتدّ خيطٌ خفيّ من الحكاية الإنسانية؛ خيطٌ يغزل فيه الإنسان شباك الحيلة، وتحاول السلطة فيه ملاحقة السراب. هي قصة صراع قديم بين “التكنولوجيا” والحياد، بين رغبة جامحة في تجاوز العقبات، وبين يدٍ تريد ضبط الإيقاع بالقوة.
دعونا نسافر في رحلة عبر الزمن والمكان، لنرى كيف يلتقي “ذيل الفأر” الفيتنامي بجهاز “كشف الغش” المغربي في مقال يمزج بين مفارقات التاريخ وشاعرية الموقف.
ملحمة “ذيل الفأر” في هانوي.. حين غلبت الحيلةُ المُستَعمِر
في عام 1902، كانت هانوي — درّةُ الهندِ الصينيةِ تحتَ رايةِ الاستعمار الفرنسي — تنازعُ عدوّاً لا تراهُ العين: الطاعون. كانتِ الجرذانُ تسكنُ مجاريَ المدينةِ الحديثةِ كما يسكنُ الوسواسُ صدراً قلِقاً، تنخرُ كبرياءَ المستعمرِ وتُهدِّدُ عافيته.
أصدر الحاكم الفرنسي قراراً عبقرياً في ظاهره، كارثياً في باطنه: “مقابل كل ذيل فأر مقطوع يُسلم للسلطات، سيحصل المواطن على مكافأة مالية”.
ظنّ المستعمر أنه اشترى ذكاء الأهالي، لكنه لم يدرك أنه لكنه لم يدرك أنه أيقظ مكامن الإبداع البشري من أجل االمال:
بدأ السكان يصطادون الفئران، يقطعون أذيالها، ثم يطلقونها في الظلام لتعود إلى أحضان المجاري وتنجب جيلاً جديداً من «الذيول المستقبلية». تحولت الأزقة الخلفية إلى مزارع سرية تُرَبَّى فيها الفئران كالدجاج، وصارت الذيول عُملةً متداولة في سوق الحيلة.
ماذا فعل البشر؟
لم يقتلوا الجرذان. لا، ذلك ساذج. لقد ربّوها. كانوا يقطعون الذيل، ويُطلقون الفأر عارياً من زينته الوحيدة ليعود إلى جحره، فيتزوج، وينجب، ويمنحهم ذيولاً جديدة. تحولت أزقة هانوي إلى مشاتل سرية للفئران، وكانت المكافأة تتدفق كالمطر، بينما كان المستعمر يمسح جبينه متعجباً: “كيف يزداد الوباء كلما دفعتُ أكثر؟!”
تحولت أزقة هانوي الخلفية إلى مزارع سرية لتربية الفئران.
لحظة شاعرية: كانت الفئران بلا ذيول تركض في شوارع هانوي كشواهد حية على أن إرادة الإنسان، حين تُحاصَر بالحاجة أو الضغط، تجد دائماً ثقباً في جدار المنطق لتنفذ منه. لقد قبضت السلطة على “الذيل”، لكنها خسرت المدينة بأكملها للفئران.
قاعات البكالوريا بالمغرب.. صراع الشاشات والشرائح الخفية
نقفز بآلة الزمن إلى مغرب اليوم. شمس يونيو الدافئة تشرق على وجوه أمهات ينتظرن خلف أبواب مراكز الامتحان، قلوبهن تدق مع كل دقيقة تمر. في الداخل، يجلس تلميذ يرى في ورقة الامتحان “مستقبلاً” بأكمله: إما العبور نحو الضفة الأخرى من الحياة، أو السقوط في غياهب الانتظار.
يمر المراقب بين الطاولات كأنه خبير متفجرات يمسح حقل ألغام، يبحث عن ذبذبة لاسلكية، عن سماعة “بلوتوث” غير مرئية دُست في الأذن، أو أُخفيت في جيب أو تحت خصلات شعر، عن “VIP” صغير يربط قاعة الامتحان بالعالم الخارجي.
ولا شك في أن آلات كشف الغش ساهمت في:
ـ ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص: حين تصمت الهواتف الخفية، وتُعزل سماعات “البلوتوث” غير المرئية، ينطق الاستحقاق وحده. تصبح الورقة مرآة حقيقية لليلِ طال صبحه في المراجعة، ليعود لكل ذي حق حقه، فلا يستوي الذين كابدوا عناء السهر والذين اتخذوا من الخديعة مصعداً.
ـ إعادة الهيبة للمؤسسة التربوية: إن وجود هذه الحراسة الرقمية يضفي على فضاء الامتحان هالة من الجدية والوقار، ويعيد لشهادة البكالوريا بريقها الذي كادت التكنولوجيا العشوائية أن تطفئه.
ـ حماية نفسية للمراقب والتلميذ معاً: تُخَفِّف تلك الأجهزة من حدة الاصطدام المباشر والشحن النفسي بين المراقب والتلميذ؛ فالآلة المحايدة لا تُحابي ولا تظلم، مما يمنح القاعة جواً من الانضباط الصارم لكنه غير مشوب بالعداء الشخصي.
ما وراء الوميض الرقمي: هل تكبح الآلة الصماء ما عجز عنه الوجدان؟
لكن، هل تكفي هذه الشاشات الباردة وحدها لتصنع جيلاً، أو لتحمي الامتحان من داء “سهولة العبور”؟
إن ذبذبات الأجهزة، مهما بلغت دقتها، لا تملك عيوناً لتقرأ بها ملامح الخوف، ولا قلباً لتنبض معه مشاعر المسؤولية. الآلة تكشف الغش، لكنها لا تزرع الأمانة. إنها تمنع الجريمة في لحظة وقوعها، لكنها لا تَشْفِي من علة الرغبة فيها.
إن الحراسة الإلكترونية هي قناع للوجع، وليست دواء للعلة. إذا لم يتحول ضمير التلميذ/الطالب إلى مراقبٍ داخلي، يرى في الغش خيانة لنفسه قبل مجتمعه، فإن التكنولوجيا ستظل مجرد جدار قصير يسهل القفز فوقه كلما تطورت أساليب الخديعة.
نعم خلف الجهاز: تكنولوجيا تريد حماية “تكافؤ الفرص”، ترفع شعار العدالة الصارمة.
وخلف الغش: عوالم من القلق، المراهقة الطائشة، والخوف من الفشل الذي يدفعه لابتكار حيل تفوق أحياناً عبقرية تكنولوجيا الكشف نفسها.
الخيط الرابط: فلسفة “المطاردة” بين هانوي ووزارة التربية الوطنية
لو تأملنا المشهدين، لوجدنا أن جوهر الحكاية واحد، ينبض بذات الشاعرية الممزوجة بالأسى:
وجه المقارنة: قصة فئران هانوي (1902) وجهاز كشف الغش بالمغرب (2026)
السلطة والمقاربة:
ظنت سلطة الاستعمار الفرنسي أن جمع “الذيول” سينهي الوباء.
ظنت وزارة التربية الوطنية أن مُصَادرة ” الهواتف النقالة والسماعات وباقي الأجهزة الإلكترونية التي تُعين على الغش ” سَتُنهي الرغبة في الغش.
وهذا النموذج الصارخ من ردود الفعل ليس بعيداً عما نشهده اليوم في قاعات الامتحانات بالمغرب؛ فكلما نثرت بوابات الاختبار راداراتها، وطوّرت منظومات الكشف الرقمي، انبرى التلاميذ في كل عام لابتكار حيل أقصى عمقاً وأشد تعقيداً لتجاوز هذه الترددات. لقد تحول الأمر إلى تحدٍ لإثبات الذات، لينزلق الامتحان —بأسف شديد— من أفقه الأصيل بوصفه عرساً معرفياً وتربوياً يحتفى فيه بالعقل والإبداع، إلى ساحة حرب تكنولوجية باردة؛ جبهة صامتة يسعى فيها المراقب لاقتناص الإشارة، ويبدع فيها الطالب في تشفير الخديعة.
خاتمة
إن قصة “ذيل الفأر” في هانوي وجهاز “كشف الغش” في البكالوريا المغربية، تخبرنا بلسان شاعري فصيح: إن القوانين الزجرية والأجهزة الجافة لا يمكنها وحدها صياغة السلوك الإنساني.
وأن خارج الأسوار حكاية أخرى؛ ففي زوايا الغرف العاتمة ومتاهات الفضاء الأزرق المجهول، يستولد جيل جديد من «مزارعي الفئران» خطط الغد. الأسلحة هذه المرة شفرات رقمية غير مرئية، ووسائط ذكية تخترق الصمت، وجسور خفية تتكلم بالنيابة عن الورق. ومثلما تتأهب شباك الصياد، تتملص الطريدة؛ إنها المطاردة القديمة ذاتها، حيث يُعيد ثعبان الكشف تشكيل جلده، بينما يتقن ابن آوى فنون الاختفاء.”
وفي النهاية، تبقى الحيلة الإنسانية أسرع من كل أدوات الضبط؛ ولن يكف الإنسان عن «تربية الفئران» و«تحديث العتاد الإلكتروني» ، إلا يوم يدرك أن قيمة الأشياء تسكن في جوهرها، لا في الذيول التي يسلمها للسلطة ليثبت براءته.
ليست البكالوريا ساحة حرب تقنية تتقاطع فيها ذبذبات الرادارات وبلوتوث الخديعة، بل هي مخاض تربوي يكشف شروخ الوعي وأزمة المعنى. لن تنتهي فصول المراوغة بحصار الطاولات بآلات صماء، بل بولادة الأمانة داخل القلوب الحائرة؛ ليعود للتعلم شغفه البكر، وللمعرفة جلالها القديم. إن الاكتفاء بـ«القبضة الحديدية والمراقبة الصارمة» دون التطلع إلى «التربية المتبصرة والوعي اليقظ»، يجعل من امتحاناتنا مجرد مطاردة عبثية بين شباك الصياد وحيل الطريدة، مغامرة تنتهي بلا منتصر. فالرهان الحقيقي كان وسيظل: كيف نزرع الرقيب الداخلي في نفس الإنسان ليقود خطاه في عتمة الطريق.
كاتب وباحث في علوم التربية والتعليم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي



تعليقات الزوار ( 0 )