دق المصطفى العيسات، الخبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، ناقوس الخطر بشأن الوضعية الكارثية التي آل إليها وادي إيكم، محذرًا من اختفاء هذه اللوحة البيئية الفريدة والمنطقة الرطبة الاستثنائية التي باتت تصارع الموت الصامت جراء الانجرافات الترابية الحادة والأنشطة البشرية غير المستدامة.
وعبر الخبير البيئي، في نداء استغاثة عاجل، عن أسفه الشديد لتحول صور الوادي القديمة إلى مجرد ذكريات باهتة، فبعد أن كانت المنطقة تشكل ملاذًا حيويًا للتنوع البيولوجي ومحطة رئيسية للطيور المهاجرة بين رمال الصحراء، أصبحت اليوم تتقلص يومًا بعد آخر، متحولة إلى ما يشبه مقبرة من الطين والتراب بفعل كابوس الانجراف الدائم الذي يبتلع المساحات الخضراء ويخنق معالمها.
وعزا العيسات تراجع بحيرة وادي إيكم إلى تضافر عوامل مناخية وأخرى بشرية؛ حيث ساهمت التقلبات المناخية القاسية، المتمثلة في الجفاف الخانق المتبوع بأمطار غزيرة جارفة، في تفاقم الوضع، كون التربة الجافة تفقد قدرتها على امتصاص المياه، ومع أول زخة مطر تتحول إلى سيول عارمة تحمل أطناناً من الرواسب التي تستقر في قاع المنطقة الرطبة وتخنقها ببطء.

ولم تكن الطبيعة مسؤولة وحدها عن هذه الكارثة، بل أشار الخبير إلى أصابع الاتهام البشرية التي عجلت بالتدهور، ومن أبرزها الرعي الجائر في المناطق المحيطة، والضخ المفرط وغير القانوني للمياه الجوفية، والتعدي المستمر على حرمة هذا النظام البيئي الهش.
وحذر من أن الصمت أمام هذه الكارثة يعني خسارة إرث طبيعي استراتيجي لا يعوض، يتلخص في فقدان تنوع بيولوجي فريد وموائل نباتية وحيوانية متأقلمة، وضياع مخزون مائي حيوي في ظل أزمة الشح المائي المتزايد التي تعيشها المنطقة، فضلاً عن خسارة الدرع الواقي الذي كان يصد زحف التصحر والتغيرات المناخية.
وفي ظل تسارع الوقت، وجه العيسات المصطفى نداءً ثلاثي الأبعاد شمل كافة المتدخلين؛ حيث دعا السلطات المحلية والوطنية للتدخل الفوري عبر وضع مخطط تدبير استعجالي وإدراج وادي إيكم رسميًا ضمن المناطق المحمية وتخصيص ميزانية طارئة لترميمه.
وحث المجتمع المدني والساكنة على الانخراط في حملات التنظيف والتشجير والتبليغ عن الخروقات، فيما طالب الباحثين بتقديم حلول علمية مبتكرة لمكافحة الانجراف وتطوير نماذج للتكيف المناخي.
ولإنقاذ الوادي قبل فوات الأوان، اقترح الخبير البيئي خارطة طريق تتضمن خمس خطوات عملية ومباشرة، تبدأ بإنشاء حواجز نباتية ومدرجات وسدود ترابية صغيرة لمكافحة الانجراف، وتنظيف المجاري المائية لاستعادة التدفق الطبيعي للمياه، مرورًا بتقنين الضخ المائي ومنع الرعي الجائر، وصولاً إلى إطلاق عملية تشجير عاجلة بنباتات محلية مقاومة للجفاف، وإرساء نظام مراقبة مستمر للموقع.
ولفت العيسات في ندائه إلى أن وادي إيكم ليس مجرد نقطة جغرافية بل هو رمز للصمود، مؤكدًا أن فرصة الإنقاذ متاحة اليوم، بينما الغد قد لا يحمل سوى البكاء على الأطلال، متسائلاً بنبرة حاسمة عن موقف الجميع حين كانت الطبيعة تصرخ طلبًا للنجدة.


تعليقات الزوار ( 0 )