أخبار ساعة

01:07 - انسداد أفق الحوار بين المحامين ووهبي يدفع أصحاب “البذلة السوداء” للحديث عن التحكيم الملكي00:56 - صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان00:53 - التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة00:46 - المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية23:42 - وزارة التعليم العالي تفند الشائعات وتؤكد صحة نجاح مترشح في مباراة كليات الطب23:34 - “ماتقيش ولدي” تثمن إطلاق حملة “منسكتوش” وتدعو لإجراءات عملية لحماية الأطفال22:48 - إبراهيم العسري رئيسا جديدا للوداد الرياضي خلفا لهشام أيت منا22:37 - خماسية ودية أمام الرأس الأخضر تنهي تحضيرات “لبؤات الأطلس” لنهائيات “كان 2026”22:05 - وزارة الخارجية تتابع بانشغال بالغ وفاة مواطن ببولونيا وتطالب إيطاليا بتحقيق شامل21:44 - المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تطالب سفير إيطاليا بفتح تحقيق نزيه في مقتل عبد الرحيم فقير
الرئيسية » مقالات الرأي » سوسيولوجيا الغلو العقدي ومسارات التشدد في تونس بين السياق الوطني والفضاء الجهادي العابر للحدود

سوسيولوجيا الغلو العقدي ومسارات التشدد في تونس بين السياق الوطني والفضاء الجهادي العابر للحدود

أفرزت التحولات التي أعقبت ثورة 2011 في تونس ظاهرة لافتة تمثلت في الارتفاع الكبير في عدد التونسيين الذين التحقوا ببؤر التوتر، خاصة بسوريا والعراق، ضمن صفوف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد استرعى الانتباه، في عدد من الدراسات والشهادات الصادرة عن منشقين ومتابعين، توصيف متكرر مفاده أن بعض العناصر التونسية داخل التنظيم اتسمت بدرجة عالية من التشدد العقدي، لا سيما في قضايا التكفير والعذر بالجهل، مقارنة ببعض الجنسيات الأخرى.

غير أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بردها إلى عامل واحد أو نزعة نفسية فردية، بل تستدعي مقاربة مركبة تستحضر التفاعل بين السياق الوطني التونسي، والتحولات السياسية بعد الثورة، والبنية الدينية التي سبقت ذلك، إضافة إلى أثر التيارات العقدية المتشددة التي وجدت طريقها إلى بعض الأوساط السلفية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل جذور هذا الغلو، من خلال تفكيك العوامل الأيديولوجية المرتبطة بتيار الحزيمية، وربطها بالسياق البنيوي والتاريخي التونسي، ثم مقارنتها بتموقع جنسيات أخرى داخل التنظيم، مع تخصيص محور لدراسة مسارات تجنيد النساء، خاصة في مقارنة الحالة التونسية بالمغربية.

أولا: تيار الحزيمية وإشكالية التكفير المتسلسل

يعد تيار الحزيمية أحد المفاتيح التفسيرية المركزية لفهم بعض مظاهر الغلو العقدي التي ظهرت لدى عناصر تونسية داخل تنظيم الدولة الإسلامية. وينسب هذا التيار إلى أحمد بن عمر الحازمي، وهو داعية سعودي لم يكن عضوا في التنظيم، غير أن أطروحاته العقدية، خاصة المتعلقة بمسألة “تكفير العاذر”، وجدت صدى لدى بعض الشرعيين الشباب.

يقوم هذا التصور على اعتبار أن من يعذر بالجهل في مسائل الشرك يقع في دائرة الكفر، بل إن من يتوقف عن تكفيره يصبح بدوره كافرا. وهكذا تتولد سلسلة تكفيرية لا تتوقف عند الفعل الأصلي، بل تمتد إلى دوائر متتابعة، فيما عرف في الأدبيات الجهادية بـ”التكفير المتسلسل”.

بعد الثورة، وجد هذا الخطاب بيئة خصبة للانتشار داخل فضاء ديني غير منظم نسبيا. فقد شهدت البلاد انفجارا في النشاط الدعوي غير المؤطر، وظهرت منابر ومساجد خارج الرقابة المؤسسية الصارمة التي كانت سائدة سابقا. في هذا السياق، انتقلت بعض الأفكار العقدية المتشددة إلى شبكات شبابية، ثم حملها مقاتلون تونسيون معهم إلى سوريا.

داخل تنظيم الدولة الإسلامية، تحولت هذه الأفكار إلى محور جدل حاد، بلغ حد تكفير بعض الفصائل داخل التنظيم نفسه. وقد اضطر الجهاز القيادي إلى التدخل لاحتواء ما سمي بأزمة “الغلاة”، عبر اعتقالات وتفكيك تكتلات داخلية. تكشف هذه الأحداث أن التطرف لم يكن موجها فقط نحو الخصوم الخارجيين، بل تحول إلى صراع داخلي حول تعريف الإيمان والكفر وحدود الشرعية.

ثانيا: السياق البنيوي والتاريخي لبروز التطرف في تونس

لا يمكن فهم تشدد بعض التونسيين داخل التنظيم دون استحضار المسار التاريخي للدولة الوطنية. فمنذ عهد الحبيب بورقيبة، تبنت تونس نموذجا تحديثيا سعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، عبر إخضاع المجال الديني للسلطة المركزية وتقليص دور المؤسسات التقليدية، وعلى رأسها جامع الزيتونة.

في عهد زين العابدين بن علي، تعزز هذا المسار ببعد أمني صارم، حيث جرى التعامل مع الحركات الإسلامية بوصفها تهديدا سياسيا مباشرا. هذا “التجفيف المزدوج” – المعرفي والأمني – لم يقض على التدين، بل خلق فجوة بين الدولة وقطاعات من المجتمع، وترك فراغا في التأطير الديني الوسطي.

عندما انهار النظام في 2011، انتقلت البلاد فجأة من فضاء منضبط أمنيا إلى فضاء مفتوح بلا مؤسسات دينية قادرة على استيعاب موجة التدين الجديدة. في هذا المناخ، ظهرت جماعات سلفية دعوية وجهادية استثمرت الحرية الناشئة لنشر خطابها في الأحياء المهمشة والمساجد والفضاء الرقمي.

تزامن ذلك مع أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، خاصة في المناطق الداخلية مثل سيدي بوزيد والقصرين. بالنسبة لعدد من الشباب، مثل الانخراط في التنظيمات الجهادية شكلا من الاحتجاج الرمزي والبحث عن معنى وهوية في سياق شعور بالإقصاء. قدم الخطاب الجهادي سردية بسيطة لعالم منقسم بين حق وباطل، ومنح أتباعه إحساسا باليقين والتفوق الأخلاقي.

كما أسهم الاستقطاب الهوياتي الحاد بعد الثورة – حول موقع الدين في الدستور وطبيعة الدولة المدنية – في تغذية شعور لدى بعض الفئات بأن هويتهم مهددة. في هذا المناخ، بدت الأطروحات المتشددة أكثر جاذبية بوصفها تعبيرا “نقيا” عن الدين في مواجهة ما اعتبر تمييعا أو تغريبا.

ثالثا: التونسيون داخل التنظيم مقارنة بجنسيات أخرى

خلال سنوات الذروة بين 2014 و2017، برز الحضور التونسي داخل تنظيم الدولة الإسلامية من حيث العدد ومن حيث التموقع داخل البنية الشرعية. فقد شغل عدد من التونسيين مواقع في القضاء الشرعي والحسبة، وشاركوا بفعالية في الجدل العقدي الداخلي.

وإذا كانت جنسيات أخرى برزت في الأدوار العسكرية أو الأمنية، فإن خصوصية بعض العناصر التونسية تمثلت في انخراطها المكثف في النقاشات المتعلقة بضبط التكفير وشروطه. لذلك فإن توصيفهم بالأكثر تشددا يتعلق أساسا بموقعهم في الجدل العقدي، لا بالضرورة بدرجة العنف الميداني.

هذه المشاركة المكثفة في النزاعات النظرية تكشف عن بحث عن يقين عقدي صارم في سياق انتقال سريع من تدين عام إلى التزام جهادي صلب، دون تراكم فقهي عميق. كما تظهر أن التنظيمات الراديكالية ليست كيانات متجانسة، بل ساحات صراع داخلي قد يبلغ حد التكفير المتبادل.

رابعا: النساء بين التجربتين التونسية والمغربية

لم تقتصر الظاهرة على الرجال، إذ سجلت تونس نسبة مرتفعة من النساء اللواتي التحقن بمناطق سيطرة التنظيم. شاركت بعضهن في جهاز الحسبة النسائي، ولعبن أدوارا في مراقبة الالتزام السلوكي ونشر خطاب عقدي متشدد داخل دوائر مغلقة.

عند المقارنة بالحالة المغربية، يظهر اختلاف في مدخل التجنيد. ففي المغرب، غالبا ما تمر عملية التطرف النسوي عبر الروابط العائلية، حيث يبدأ المسار من الرجل – زوجا أو أخا – ثم تنتقل القناعة داخل الأسرة في دينامية مغلقة.

أما في تونس، فقد أتاح الفضاء العام المفتوح بعد الثورة إمكانية بروز مبادرات نسوية أكثر استقلالا نسبيا، سواء عبر شبكات دعوية أو فضاءات جامعية أو رقمية. لذلك بدت بعض التونسيات أكثر حضورا وتأثيرا داخل البنية التنظيمية، مقارنة بنظيراتهن المغربيات اللواتي اتسمت تجربتهن غالبا بطابع أسري مغلق.

تكشف هذه المقارنة أن تطرف النساء لا يمكن اختزاله في التبعية العاطفية أو الهشاشة الفردية، بل يرتبط ببنية المجال العام وطبيعة التأطير الديني والاجتماعي في كل سياق وطني.

خاتمة

يتضح من خلال هذه الدراسة أن تشدد بعض التونسيين المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية لم يكن ظاهرة معزولة أو نتيجة دعاية عابرة، بل ثمرة تفاعل معقد بين عوامل أيديولوجية وبنيوية وتاريخية. فقد التقت أطروحات عقدية متشددة، مثل الحزيمية، مع سياق وطني اتسم بفراغ مؤسسي بعد الثورة، وتهميش اقتصادي، واستقطاب هوياتي حاد، لتنتج بيئة قابلة لاحتضان خطاب تكفيري صارم.

كما أظهرت التجربة أن هذا الغلو لم يوجه فقط نحو الخصوم، بل تحول إلى صراع داخلي داخل التنظيم نفسه، ما يعكس هشاشة البنية الفكرية للتنظيمات الراديكالية حين تنزلق إلى منطق التكفير المتسلسل.

إن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز المقاربة الأمنية الصرفة، نحو تحليل سوسيولوجي وفكري يأخذ في الاعتبار ديناميات الهوية، وإصلاح الحقل الديني، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التعدد دون دفع فئات إلى الهامش أو إلى التطرف.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

22 يوليو 2026 - 12:56 ص

     ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ

التقاعد .. وأكذوبة استرح بعد الخدمة وأنعم بالصحة

22 يوليو 2026 - 12:53 ص

ثمة صورة سائدة في مجتمعنا تتعلق بنظرات الشفقة والرأفة للمتقاعدين والمتقاعدات على اعتبار أجلهم المهني والوظيفي قد انتهى وفائدتهم الاجتماعية

المجال الأطلسي الإفريقي… عندما تعيد الطاقة رسم الجغرافيا السياسية

22 يوليو 2026 - 12:46 ص

تشهد القارة الإفريقية تحولًا نوعيًا في مفهوم الأمن الطاقي؛ فلم تعد مشاريع الطاقة تُقاس بحجم الاحتياطيات أو طول خطوط الأنابيب،

تسمية الشوارع المغربية بين الهوية الوطنية والانفتاح الدبلوماسي

21 يوليو 2026 - 3:02 م

أثارت بعض الأنباء والتقارير حول إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة المغربية الرباط جدلاً

الكولابس والانهيار الكبير هل يدفعنا الذكاء الاصطناعي لتدمير أنفسنا

21 يوليو 2026 - 1:22 م

في أمسية فكرية استثنائية احتضنتها مدينة القنيطرة ضمن اللقاء الافتتاحي لصالون البروفيسورة مريم آيت أحمد الفكري تقاطعت الرؤى وتشابكت الهواجس

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°