عن مساحة تراث دروب المدينة العتيقة المغربية وحمولة أمسها، وعن هذه الأخيرة حيث تازة المدينة العتيقة (تازة العليا)، وحيث درب الزاوية الذي بزخم روحي رمزي وهو الشهير محليا ب “درب الزاوية الكًبشية / اليجبشية”.
ولعله أحد أعرق وأقدم دروب المدينة لموقعه وأهمية عمارته التاريخية وخصوصية معالمه وغنى وتفرد ذاكرته، وقد أخذ هذا الاسم “درب الزاوية” هكذا، نسبة لدفينه الصوفي والولي الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم التازي الشهير بـ “ابن يجبش التازي”، الذي يتوسط ضريحه الدرب منذ أواخر مغرب العصر الوسيط.
حول هذا الأخير الذي يعد من تحف عمارة تراث تازة الرمزي الروحي، ارتأينا بعض الضوء تقاسما وكذا تنويرا للمهتمين بشأن ذاكرة المدينة التاريخية. فهو محمد بن عبد الرحيم بن يجبش دفين تازة، أديب صوفي اهتم بعلوم الدين واللغة والفقه والنحو والعروض، كان صديقاً للامام السنوسي صاحب “العقائد” الذي كانت له معه مراسلات عدة.
ولعله واحد مما انجبته تازة من فقهاء وعلماء مفتين ومقرئين ورجال تصوف كبار، فضلا عن ناظمين وشعراء جمعوا بين الشعر والتصوف من قبيل : إبراهيم التازي اللتني الشاعر الصوفي الرحالة المتوفى بوهران سنة 866 هـ، وقد خلف من الشعر الصوفي لحد الآن أكثر من مائتي بيت.
ثم أحمد بن فتوح التازي الذي كان حيا أواسط القرن الثاني عشر الهجري، وقد ترك من الشعر 240 بيتا في المديح النبوي ومدح أولياء الزاوية الشرقاوية، التي كانت له علاقة وثيقة برجالها وقد توفي بمنطقة ابي الجعد.
ثم أحمد الحبيب اليعقوبي الرشيدي الشاعر الصوفي دفين رشيدة، ثم أحمد زروق البرنوسي الشاعر الصوفي الذي خلف ما يقرب من مائة مؤلف، ما بين شروح وقصائد في الفقه والتصوف وغيرهما. والى جانب ما تميز به ابن يجبش التازي الفقيه الأديب والناظم، عُرف بقصيدة “المنفرجة” التي سلمها ابنه أبو عبد الله لإبن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد المكناسي وهو الذي أفاده أيضا بوفاته بتازة عام 920هـ. وإذا كان ابن يجبش قد أدرك ابراهيم التازي الشهير بسلطان الأولياء دفين وهران وأخذ عنه، فقد كان عاشقاً لا يفارق السماع بقصائد له فيه ومن أكابر العلماء العارفين فصيحاً صوفياً بشأن في ذلك.
عن منزلة شيخنا التازي هذا الفقهية والصوفية في مغرب دولة بني وطاس في مغرب العصر الوسيط، ورد أنه لما ذاع صيت أبو عبد الله الغزواني الذي توفي في أواسط ثلاثينات القرن العاشر الهجري وكثر أتباع زاويته ببلاد الهبط، وبعدما تضايق السلطان أبو عبد الله محمد بن الشيخ الوطاسي من شعبيته، أمر بالقبض عليه خاصة وأن الدولة كانت تمر بضعف واضطراب شديد.
ولما نقل الشيخ الغزواني لفاس للمثول أمام السلطان، وبعدما سكت جميع أعضاء مجلس السلطان الذي كان من بينهم عامل تازة أبو العباس أحمد بن محمد الشيخ وشقيق السلطان، تكلم كاتب وإمام صلاة السلطان طالباً من الغزواني الاجابة حول المنسوب اليه، والمتعلق بهداية الناس وانهائهم عن المنكر حيث استجاب له من استجاب وأبى من أبى.
فكان جواب الشيخ الغزواني هو مطالبته بالسكوت حتى يغتسل من جنابته، وعلى اثر ما أحدثه هذا الرد من غضب تدخل أخ السلطان الذي كان حاضراً موضحاً أن الجنابة في فهم الصوفية هي غير ما هو معروف لدى عامة الناس، وأن المتصوفة يقصدون بذلك غموض المشاعر الاخلاقية.
ولما سُئل الأمير أخ السلطان عن مصدر معلوماته أجاب بأنه تلقاها من سيدي محمد بن عبد الرحيم بن يجبش، فارتاح السلطان لجواب أخيه والتفت للشيخ الغزواني راجياً منه أن يكون قريباً منه وأن يستقر بفاس.
ولعل شعور عدد من العلماء والمتصوفة بضعف الدولة خلال هذه الفترة، كان وراء تحريك ضمائرهم وإدراك ما عليهم من مسؤولية تاريخية. ومنهم ابن يجبش التازي الذي ارتبط خطاب اصلاحه بهذه الفترة الصعبة من تاريخ البلاد التي كان عليها مغرب بني وطاس حيث الغزو الابيري لسواحل البلاد، فثار غيرة على واقع بدعوته للاصلاح وتوجهه للأمة.
فجاءت رسالته التي ألفها في الجهاد أواخر القرن الخامس عشر الميلادي أحسن مثال، من خلال نص توزع على قسم منثور وآخر منظوم مع خاتمة له بالدعاء للسلطان، الذي قد يكون هو محمد الشيخ الوطاسي1504- 1471 أول سلاطين الدولة الوطاسية. وهذه الرسالة التي لا تخرج عن كونها مجرد دعاء تقليدي، لم تكن تنتظر من السلطان أي عمل لاصلاح وضع المسلمين، وهو ما يدل على أن المغاربة كانوا على درجة كبيرة من اليأس تجاه حكامهم على إثر ما أصابهم.
حيث سقوط غرناطة ونهاية دولة المسلمين بالأندلس. وعلى إثر ما أحدثه وخلفه الاحتلال المسيحي لسواحل المغرب خلال هذه الفترة من أثر قوي، قام الدعاة والمشايخ بحث الناس للدفاع عن البلاد، والى جانب تحريضهم على الجهاد جمعوا المال لتحقيقه وافتكاك أسرى المسلمين. وبقدر ما كانت دعوتهم للجهاد تتقوى بتقوي خطر النصارى، بقدر ما لم تستثن نظرتهم الحاكمين مستنكرين تخاذلهم عن القيام بالتعبئة لمواجهة العدو.
وقد شكل ابن يجبش التازي ضمن هؤلاء خلال هذه الفترة الدقيقة من تاريخ البلاد، مثالا حقيقياً لعظمة ما قام به العلماء من تحسيس وتعبئة. بعدما ذهل مما حصل من غفلة الناس وانحرافهم عن الدين، في وقت جمع فيه العدو كل امكاناته لغزو البلاد.
وقد ارتبط صراخ وصرخات الشيخ ابن يجبش التازي اليائسة، بفترة دقيقة دخل فيها العالم الاسلامي مرحلة انكماش، وعوض بقاء المغرب منفذا لجهاد هجومي في علاقته بأروبا اكتفى بالدفاع حماية لكيانه وهويته، وهو ما أثار غيرة ابن يجبش كشاهد معبراً عن هول ما أصاب المغاربة.
وعليه يرتب على اثر ما كان عليه من ردة فعل تجاه الوضع ضمن قلة قليلة ممن تناول الجهاد من خلال نصوص مستقلة، متوجهاً بندائه لجميع من كان يهمه ويعنيه أمر احتلال الإبيريين لسواحل البلاد داعياً للتعبير عن النكبة في كل مكان.
واعترافاً منه بغيرة شيخنا وما كان له من صدى في التعبئة من أجل وطنه، وبعد استرجاعه لثغر المعمورة وطنجة والعرائش وأصيلا، أصدر مولاي اسماعيل عام1112ه ظهير توقير يخص زاوية ابن يجبش، محدراً من يخرقه قائلا:”من تعدى هذا الحد المذكور أو كسره أو خالف أمرنا يقطع رأسه.
” ونفس إلتفاتة التوقير هذه حافظ عليها كل من أبي العباس أحمد بن المولى اسماعيل، والمولى سليمان والمولى عبد الرحمن بن هشام ثم المولى الحسن الأول، وحتى الفقيه الزرهوني ”بوحمارة” الذي ثار ضد المولى عبد العزير مطلع القرن الماضي توجه بعنايته لهذه الزاوية من خلال ظهير له خدمة لما كان بصدده سياسياً.
في آخر كتاب / رسالة الجهاد لأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم التازي الشهير بـ ابن يجبش التازي، أورد رحمه الله تعالى” وها أنا أقبض العنان عما طغى به القلم واللسان فلما فرغت من إنشاء هذه الجملة، التي تكون -إن شاء الله – سبيا لتنبيه الخلق مما هم فيه من الغفلة، تأملت حال الاخوان وما هم فيه من الكرب والذلة والهوان، أسال الله العظيم أن يفك أسرهم. وأن ييسر لسبيل النجاة أمرهم، فأدركتني عليهم شفقة الإيمان وترنمت بين جوانحي بلابل الأشجان وهطلت بواكف عبرتها العينان وأراد ان يترجم لساني عما أضمره جناني بنظم قصيدة جامعة لما تقدم من تلك المعاني وقلت: لعل النظم أوقع في النقوس وأقرب لأن يصغي إليه وتنحط إليه الرؤوس فقلت على الحال ونطق اللسان وقال : أبى القلب سلوانا ومن لي بسلوة، ونومي حفا من أجل مابي مقلتي، وصرت حليف الحـزن مما كتمته، وبين ضلوعي مثل كي بجمرة، وللقلب ما بين الجوانح زفـرة، ودمعي على الخدين يحكي لمزنتي، ولم أستطع صبرا وكيف يصح لي، وقد هتكت من ديننا كل حرمة، وشاركنا الأعداء في قطر غربنا، وقد اخذ واجل البلاد البهيـة، وقد أرعبت تلك السواحل منهـم، وصاروا يؤدون الخراج كجزية، فـهذا هوان واحتقار وذلة، وعـار شنيع ثم قلة حيلـة، فصرت إذا أدعو وأرغب راجيا، ولي في الذي أرجوه أصدق لهجة، ولا تدبروا عن القتال فمن يمت، شهيدا ينل من كل خير ونعمـة، ويدرك رضوان الإله ولم يذق، عقابا ولا هولا غدا دون مرية، ويُعطى من الخيرات ما قد يريده، وتلقاه الحور الحسان بتحفة، كذا قال خير العالمين محمد، هو الصادق المصدوق في كل قصة.
” ثم يختم شاعرنا الصوفي المجاهد قصيدته بهذا الدعاء الخالص: فنسأل مـولانا بـجاه نبيه، خلاصا وتوفيقا لكل فضيلة، وإن ينقذ الإخوان من حال كربهـــــم، وينجيهم من كل خوف ومحنة، وأن يهلــك الأعداء حتى يبيدهم، ويجعلهم فينا لأفضل أمة، وينصر جيش المسلمين بـعزه، ويجمع منهم كل شمل مشتت، وعم بغفران جميع ذنوينا، بجاه شفيع الخلق في كل زلة، عليه صلاة الله ثم سلامه، متى رمت الأطيار في كل دوحة، وأصحابه واللائذين بحبه، عليهم من الرحمان أزكى تحية.
اللهم يا من له القوة والاقتدار والعزة والانتصار ويكور النهار على الليل والليل على النهار، إنا توجهنا إليك بجاه نبيك المصطفى وأصحابه الخلفا، أن تفتح لنا من خزائن رحمتك بابا لا تغلقه معاصينا، وأن تجود بفضلك وكرمك على مطيعنا وعاصينا، وأن تدخلنا في حزب أولئك المهتدين وأن تكفينا شر أعدائك المعتدين، وأن تبلغ قصدنا في تفريج ما أهمنا من أمور الدنيا والدين، إنك على كل شي قدير … “. وهذه الرسالة مع القصيدة، نشرت في كتاب “أضواء على أبن يجبش التازي” لأبو بكر البوخصيبي الصادر سنة 1976.
وتحفظ خزانة جامع تازة الأعظم المرينية بعض من مخطوطات ابن يجبش التازي، منها مخطوط “تنبيه الهمم العالية على الصدقة والانتصار للملة الزاكية وقمع الشرذمة الطاغية”، الذي لايزال يئن تحت رحمه ربه وسط رطوبة خزانة عتيقة الى حين تحقيقه. ولعله بقدر ما هو عليه من قيمة تاريخية لفائدة الباحثين في التراث المغربي، بقدر ما هو بحاجة لعمل تحقيق علمي كغيره من مئات الكتب المخطوطة بهذه الخزانة، لجعل ذخيرة تازة من الارث الفكري في متناول الباحثين والدارسين، علماً أن التوجه بالعناية للكتب المخطوطة عموماً بخزانات البلاد العتيقة، هو دعوة للتحقيق باعتبار هذه العملية والورش أداة حماية الى جانب أهميتها من الوجهة البحثية العلمية التراثية.
عبد السلام انويكًة، رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث



تعليقات الزوار ( 0 )