سلّط تقرير حديث صادر عن معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي الضوء على التداعيات المتسارعة للأزمة الأمنية في مالي وانعكاساتها المباشرة على منطقة الساحل والمغرب العربي، مؤكدا أن التطورات الميدانية الأخيرة تعيد رسم موازين النفوذ الإقليمي، وسط تصاعد التنافس المغربي الجزائري على الحضور داخل منطقة الساحل الإفريقي.
وأوضح التقرير، ضمن نشرة “MED This Week”، أن الهجمات المنسقة التي شنتها جماعات مسلحة في مالي منذ 25 أبريل الماضي كشفت هشاشة المقاربة الأمنية التي اعتمدتها دول تحالف الساحل، خاصة بعد الانتكاسات التي تعرضت لها القوات المالية والعناصر الروسية التابعة لـ”فيلق إفريقيا” في مدينة كيدال شمال البلاد.
وأشار التقرير إلى أن المغرب يتابع بحذر تطورات الوضع الأمني في مالي، في وقت تمكن فيه من تعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي داخل منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، مستفيدا من التحولات السياسية التي عرفتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو بعد سلسلة الانقلابات العسكرية.
وأكدت الباحثة نادية الهاشمي العلوي، الأستاذة بجامعة الرباط الدولية، أن الرباط نجحت في استثمار التحولات الجديدة داخل الساحل عبر مقاربة تقوم على التعاون الاقتصادي واللوجستي، مبرزة أن “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2023 شكلت مدخلا استراتيجيا لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي وتعزيز اندماجها الإقليمي.
وأضاف التقرير أن هذا التوجه المغربي تُرجم سياسيا من خلال إعلان باماكو، قبل أسابيع، دعمها الرسمي لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، في خطوة اعتبرها التقرير مكسبا دبلوماسيا مهما للرباط داخل منطقة طالما شكلت مجال تنافس مع الجزائر.
في المقابل، أشار التقرير إلى أن الجزائر تواجه وضعا أكثر تعقيدا في علاقتها مع السلطات المالية الحالية، خاصة بعد تراجع اتفاق الجزائر لسنة 2015 وتصاعد التوترات السياسية والأمنية بين الجانبين.
واعتبرت الباحثة كاترينا روجيرو، من مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التابع للمعهد الإيطالي، أن مالي أصبحت تمثل “نقطة حساسة” بالنسبة للجزائر بسبب تشابك الملفات الأمنية والحدودية والعرقية، خاصة مع الامتداد القبلي للطوارق على طول الحدود الجزائرية المالية.
وسجل التقرير أن الجزائر، رغم انتقادها المتواصل للوجودين الفرنسي والروسي في الساحل، ما تزال تحاول الحفاظ على دورها التقليدي في الوساطة الإقليمية، مع تنامي مؤشرات على سعيها لاستعادة بعض النفوذ عبر التعاون الاقتصادي والطاقة مع النيجر وبوركينا فاسو خلال الأشهر الأخيرة.
وفي تقييمه للتوازنات الجديدة بالمنطقة، أكد التقرير أن الأزمة في مالي لا تخدم مصالح المغرب أو الجزائر على حد سواء، بالنظر إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، غير أن الرباط تبدو حاليا أكثر استفادة من التحولات السياسية التي يشهدها الساحل.
وأشار التقرير إلى أن عددا من الخبراء يعتبرون أن المغرب نجح في ترسيخ صورة “الشريك الموثوق” لدى الأنظمة الجديدة في الساحل، بفضل اعتماده على أدوات التعاون الاقتصادي والديني والتنموي، بدل الاقتصار على المقاربة العسكرية.
كما حذر التقرير من أن استمرار تدهور الوضع الأمني في مالي قد يدفع الجماعات المتطرفة إلى توسيع نشاطها نحو شمال إفريقيا، ما يفرض على دول المنطقة تعزيز التنسيق الأمني ومراقبة الحدود، خصوصا في المناطق الصحراوية الواسعة التي يصعب التحكم فيها.
وتوقف التقرير أيضا عند الحضور التركي والروسي المتنامي في الساحل، مشيرا إلى أن أنقرة قد تستغل الأزمة الحالية لتعزيز تعاونها العسكري واللوجستي مع دول الساحل، بينما تواجه موسكو تحديات ميدانية بعد الانتكاسات الأخيرة التي تعرضت لها قواتها وشركاؤها المحليون في شمال مالي.
وخلص التقرير الإيطالي إلى أن منطقة الساحل دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الجيوسياسي، حيث لم تعد الأزمة مجرد مواجهة أمنية داخل مالي، بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح، سيكون له تأثير مباشر على مستقبل التوازنات داخل المغرب العربي وإفريقيا الغربية.



تعليقات الزوار ( 0 )