شهدت الهجرة المغربية نحو بلجيكا، على امتداد أكثر من ستة عقود، تحولات عميقة نقلتها من مجرد حركة للبحث عن فرص العمل إلى تجربة استقرار طويلة الأمد أفرزت واحدة من أكثر الجاليات المغربية تجذرا داخل أوروبا، وبينما ما تزال النقاشات العامة حول الهجرة تختزل أحيانا في أعداد الوافدين أو تحديات الاندماج، تكشف المعطيات الحديثة أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ تعكس المؤشرات الديمغرافية والقانونية والاجتماعية مسارا مختلفا يقوم على الاندماج المدني واكتساب الجنسية والاستقرار متعدد الأجيال.
وتسلط الورقة التحليلية التي أعدها حسن بنطالب، الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، ونشرتها منصة “ميغرابريس” (Migrapress)، استنادا إلى المعطيات السنوية الصادرة عن المركز الفيدرالي البلجيكي للهجرة (Myria)، الضوء على تطور الجالية المغربية في بلجيكا، مبرزة أن المغاربة لا يشكلون فقط أكبر جالية من خارج الاتحاد الأوروبي، بل يمثلون أيضا إحدى أكثر الجاليات اندماجا من الناحية القانونية، بالتوازي مع عودة تدريجية للهجرة المغربية بعد سنوات من التراجع، وتأثير واضح للسياسات العمومية البلجيكية على ديناميات التنقل والاستقرار.
اندماج راسخ
تكشف الأرقام أن بلجيكا تضم نحو 359 ألفا و491 شخصا كانت جنسيتهم الأصلية مغربية، وهو ما يجعل المغرب أول بلد من خارج الاتحاد الأوروبي من حيث عدد المقيمين ذوي الجنسية الأصلية داخل المملكة البلجيكية، بنسبة تقارب 12 في المائة من مجموع المقيمين الأجانب ذوي الجنسية الأولى غير البلجيكية.
وغير أن الرقم الأكثر دلالة يتمثل في أن نحو ثلاثة أرباع هؤلاء، أي ما يقارب 269 ألف شخص، حصلوا لاحقا على الجنسية البلجيكية، بنسبة تجنيس بلغت 75 في المائة.
وتعد هذه النسبة من أعلى معدلات التجنيس في أوروبا، إذ تعادل ما حققته الجالية التركية، بينما تتجاوز بشكل واضح معدلات التجنيس المسجلة لدى جاليات أوروبية تاريخية مثل الإيطاليين والفرنسيين والهولنديين.
ويعكس ذلك أن الوجود المغربي في بلجيكا لم يعد مرتبطا بمنطق الهجرة المؤقتة أو الإقامة العابرة، بل أصبح قائماً على الاندماج القانوني والمواطنة الكاملة داخل المجتمع البلجيكي.
كما تؤكد الورقة أن الاعتماد على إحصاءات الأجانب وحدها يؤدي إلى التقليل من الحجم الحقيقي للجالية المغربية، لأن أغلبية أفرادها أصبحوا يحملون الجنسية البلجيكية، وهو ما يجعل حضورهم الديمغرافي والاجتماعي والاقتصادي أكبر بكثير مما تعكسه البيانات التقليدية الخاصة بالأجانب فقط.
انتشار متوازن
على المستوى الجغرافي، لم يعد تمركز المغاربة مرتبطا فقط بالمناطق الصناعية التقليدية، بل أفرزت التحولات الاقتصادية توزيعا متوازنا نسبيا بين العاصمة بروكسيل ومنطقة فلاندر، في مقابل حضور أقل داخل والونيا.
وتشير البيانات إلى وجود 109 آلاف و153 مغربيا متجنسا في فلاندر، مقابل 108 آلاف و879 في بروكسيل، بينما يبلغ العدد في والونيا 50 ألفا و489 شخصا.
ويعكس هذا التوزيع طبيعة فرص العمل التي ظهرت منذ اتفاقية اليد العاملة الموقعة سنة 1964، ثم توسعت لاحقا نحو التجارة والخدمات والصناعة في المدن الكبرى.
وتبرز الدراسة كذلك أن الجالية المغربية أصبحت متعددة الأجيال، إذ يتراوح متوسط أعمار المتجنسين بين 43 و46 سنة حسب الجهات، مع وجود نسب مرتفعة من أبناء الجيلين الثاني والثالث الذين ولدوا في بلجيكا، وهو ما يؤكد انتقال الهجرة المغربية من مرحلة الاستقرار الأولي إلى مرحلة التجذر الاجتماعي والمؤسساتي داخل المجتمع البلجيكي.
هجرة متجددة
رغم الاعتقاد السائد بأن الهجرة المغربية نحو بلجيكا دخلت مرحلة الانكماش، فإن معطيات سنة 2024 تشير إلى عودة تدريجية في عدد الوافدين، بعدما شهدت السنوات السابقة تراجعا ملحوظا.
واستقر في بلجيكا خلال سنة 2024 ما مجموعه 7404 مغاربة، وهو ما وضع المغرب في المرتبة السادسة ضمن جنسيات المهاجرين الجدد، بعد رومانيا وفرنسا وأوكرانيا وهولندا وإسبانيا.
كما يظهر المسار الزمني أن عدد المهاجرين ارتفع تدريجيا من 5291 سنة 2014 إلى 6696 سنة 2019، وصولا إلى 7404 سنة 2024، دون أن يبلغ بعد المستويات المسجلة خلال العقد الأول من الألفية الحالية.
وتربط الورقة هذا التعافي التدريجي باستمرار الروابط الأسرية والاقتصادية والثقافية بين المغرب وبلجيكا، فضلا عن تنامي الحركية المهنية والتعليمية، بما يؤكد أن الهجرة المغربية لم تتوقف، وإنما أعادت تشكيل نفسها وفق السياقات الاقتصادية والتشريعية الجديدة.
أثر السياسات
توضح الدراسة أن تطور الهجرة المغربية ظل مرتبطا بشكل مباشر بالقرارات التشريعية البلجيكية، خصوصا الإصلاح الذي عرفه نظام التجمع العائلي سنة 2011، والذي فرض شروطا مالية أكثر صرامة للحصول على الإقامة.
وأدى هذا التشديد إلى انخفاض ملحوظ في عدد المهاجرين المغاربة بين سنتي 2010 و2013، وهو ما تعتبره الورقة دليلا على التأثير المباشر للسياسات العمومية في توجيه تدفقات الهجرة، أكثر من كونه انعكاسا لتراجع الرغبة في الهجرة نفسها.
وترى الدراسة أن هذه الإصلاحات أثرت على المغاربة بشكل أكبر بالنظر إلى المكانة المركزية التي يحتلها التجمع العائلي في المشروع الهجروي المغربي.
وتكشف معطيات تصاريح الإقامة الأولى أن المغرب احتل المرتبة الثانية بين بلدان العالم الثالث من حيث عدد أولى بطاقات الإقامة الممنوحة سنة 2024، بإجمالي 6586 تصريحا، وهو ما يعكس استمرار الحضور المغربي ضمن أهم الجنسيات المستفيدة من قنوات الهجرة القانونية نحو بلجيكا.
دلالات مستقبلية
تشير الورقة التحليلية إلى أن تجربة المغاربة في بلجيكا أصبحت نموذجا أوروبيا لانتقال الهجرة من مرحلة اليد العاملة إلى مرحلة المواطنة والاستقرار طويل الأمد.
وبعد أكثر من ستين عاما على اتفاقية تشغيل العمال بين المغرب وبلجيكا، لم تعد الجالية المغربية مجرد جالية مهاجرة، بل أصبحت مكونا ديمغرافيا واجتماعيا راسخا داخل الدولة البلجيكية، مع استمرار تجدد الهجرة بوتيرة أكثر اعتدالا وتنظيما.
وتؤكد هذه المؤشرات أن قراءة واقع الجالية المغربية لا يمكن أن تقتصر على أعداد المقيمين الأجانب، بل ينبغي أن تشمل مسارات التجنيس، والاندماج المدني، والبنية متعددة الأجيال، والتحولات التي تفرضها السياسات العمومية على حركة الهجرة.
ومن هذا المنطلق، تقدم تجربة المغاربة في بلجيكا نموذجا يعكس كيف يمكن للهجرة أن تتحول، مع مرور الزمن، من مشروع اقتصادي مؤقت إلى حضور مستدام يقوم على المواطنة والمشاركة في الحياة العامة، مع بقاء الروابط مع الوطن الأم قائمة في إطار دينامية متجددة بين الضفتين المغربية والأوروبية.


تعليقات الزوار ( 0 )