يشكل قطاع الصيد البحري أحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني بالنظر إلى ما تزخر به السواحل المغربية من موارد بحرية متنوعة، وما يوفره القطاع من فرص للشغل ومداخيل من العملة الصعبة، وغير أن المفارقة التي تثير الجدل تتمثل في استمرار شكاوى المهنيين والبحارة من تراجع أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، رغم توالي البرامج والاستراتيجيات المعلنة لتطوير القطاع.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن حصيلة إيجابية بلغة الأرقام والمؤشرات، تتصاعد أصوات من داخل القطاع تعتبر أن الواقع الميداني يكشف اختلالات عميقة تتعلق بالحكامة والتمثيلية والمراقبة وتوزيع عائدات الثروة البحرية، كما تطرح تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاس هذه السياسات على البحار البسيط والمستهلك المغربي الذي ما يزال يواجه ارتفاع أسعار الأسماك رغم وفرة الموارد البحرية.
الأرقام والواقع
يرى مولاي الحسن الطالبي، عضو غرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية بالداخلة عن هيئة الصيد التقليدي، أن تقييم أي استراتيجية لا ينبغي أن يتم فقط من خلال لغة الأرقام والمؤشرات التي تقدمها الوزارة الوصية، بل من خلال انعكاساتها الفعلية على المهنيين والبحارة والطبقات المرتبطة بالقطاع.
وأشار الطالبي في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن استراتيجية “أليوتيس”، التي رأت النور سنة 2009، كانت محل انتقادات منذ انطلاقتها من طرف عدد من الفاعلين المهنيين الذين اعتبروا أنها ستخدم مصالح الفاعلين الكبار أكثر مما ستخدم الفئات الضعيفة والعاملة في الصيد التقليدي.
وأبرز أن السنوات التي أعقبت تنزيل هذه الاستراتيجية عززت هذه القناعة، بعدما استفادت منها فئات محددة دون أن تحقق تحسنا ملموسا في أوضاع البحارة الصغار.
وشدد على أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بمآل الثروة السمكية التي كانت تزخر بها السواحل المغربية، معتبرا أن التراجع المسجل لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الطبيعية أو التغيرات المناخية، بل يجب ربطه أيضا بطريقة تدبير القطاع والسياسات العمومية المعتمدة فيه خلال السنوات الماضية.
أزمة المراقبة
من بين أبرز الانتقادات التي يوجهها الطالبي للقطاع، ما يعتبره ضعفا واضحا في منظومة المراقبة البحرية، رغم تأكيد الوزارة اعتماد آليات حديثة من بينها التتبع عبر الأقمار الاصطناعية.
ويطرح الطالبي تساؤلات حول مدى فعالية هذه الوسائل في مراقبة حقيقة المصطادات البحرية والكميات التي يتم التصريح بها، معتبرا أن مراقبة تحركات السفن وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بآليات دقيقة للتحقق من نوعية وكميات الأسماك المصطادة وما يتم التخلص منه في عرض البحر.
ويرى أن وزارة الصيد البحري فقدت مع مرور السنوات جزءا كبيرا من وسائلها التنفيذية والزجرية، داعيا إلى إعادة بناء جهاز مراقبة مستقل وقوي، على غرار مؤسسات المراقبة المعمول بها في قطاعات أخرى، مع إشراك الدرك البحري وعناصر متخصصة تابعة للوزارة في عمليات المراقبة والتتبع الميداني.
تمثيلية محدودة
يعتبر عضو غرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية أن إحدى الإشكالات البنيوية التي يعاني منها القطاع تتمثل في ضعف تمثيلية مهنييه داخل المؤسسات المنتخبة والاستشارية مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى.
ويستدل على ذلك بعدد غرف الصيد البحري المحدود على المستوى الوطني، والذي لا يتجاوز أربع غرف، مقابل حضور أكبر لقطاعات أخرى داخل مجلس المستشارين ومختلف المؤسسات التمثيلية.
ويرى أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على قدرة المهنيين على الدفاع عن مصالحهم واقتراح إصلاحات تعالج الاختلالات القائمة.
وضرب مثالا بقطاع الصيد التقليدي في الداخلة الذي يضم أكثر من ثلاثة آلاف قارب، ورغم ذلك لا يحظى سوى بتمثيلية محدودة، معتبرا أن توسيع التمثيلية المهنية من شأنه تعزيز النقاش المؤسساتي حول مستقبل القطاع وتمكين الفاعلين الحقيقيين من إيصال صوتهم إلى دوائر القرار.
الضمان والإنقاذ
يثير الطالبي كذلك ملف الحماية الاجتماعية للبحارة، معتبرا أن حجم المساهمات المالية التي يتم اقتطاعها سنويا يطرح تساؤلات حول مستوى الخدمات المقدمة لفائدة المنخرطين، خاصة فيما يتعلق بالتقاعد والحماية الاجتماعية طويلة الأمد.
ولفت إلى أن العديد من الأسر التي فقدت معيلها في حوادث البحر ما تزال تواجه أوضاعا اجتماعية صعبة، الأمر الذي يستدعي مراجعة آليات الاستفادة وضمان وصول الحقوق الاجتماعية إلى مستحقيها.
وفي السياق ذاته، ينتقد منظومة الإنقاذ البحري الحالية، معتبرا أنها لا تستجيب بالسرعة المطلوبة للحوادث التي تقع في عرض البحر، خصوصا بالمناطق البعيدة.
واقترح في هذا الإطار تعزيز وسائل التدخل عبر توفير طائرات مروحية برمائية متخصصة في المراقبة والإنقاذ، بما يسمح بالاستجابة السريعة للحالات المستعجلة وحماية الأرواح البشرية.
الأسعار والثروة
على مستوى السوق، يرى الطالبي أن استمرار ارتفاع أسعار الأسماك رغم الامتداد البحري الكبير للمملكة يثير العديد من علامات الاستفهام لدى المستهلك المغربي.
واعتبر أن تحرير الأسعار أضعف آليات الضبط والمراقبة التي كانت تحد من المضاربات، مشيرا إلى أن المواطن أصبح يواجه أسعارا مرتفعة في ظل غياب تدخل فعال لضبط الأسواق ومراقبة هوامش الربح.
وأكد على أن المغرب يتوفر على أنواع بحرية ذات قيمة عالية لا تصل في الغالب إلى المستهلك المحلي، إذ يتم توجيه جزء مهم منها نحو التصدير أو الاستفادة منها من طرف فاعلين كبار في القطاع، بينما يبقى المواطن مرتبطا في الغالب بأصناف محدودة من الأسماك.
إصلاح مؤسساتي
بالنسبة للحلول، يؤكد الطالبي أن الإصلاح الحقيقي لا يرتبط فقط بتغيير الأشخاص، بل يقتضي مراجعة شاملة لأساليب تدبير القطاع وللمنظومة المؤسساتية التي تؤطره.
ودعا إلى إعادة الاعتبار لوزارة الصيد البحري ومنحها وسائل مراقبة وزجر فعالة، مع تعزيز استقلالية أجهزة التتبع والمراقبة وتطوير آليات الشفافية المتعلقة بالمخالفات والعقوبات وتدبير الثروة السمكية.
وشدد على أهمية إشراك المهنيين الحقيقيين في صياغة القرارات والاستراتيجيات المستقبلية، مع فتح نقاش وطني واسع حول الحكامة البحرية، بما يضمن حماية الموارد السمكية وتحقيق العدالة بين مختلف المتدخلين في القطاع، ويجعل الثروة البحرية رافعة للتنمية لفائدة جميع المغاربة، وليس لفائدة فئات محدودة فقط.




تعليقات الزوار ( 0 )