شهدت ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ذروة العاطفة القومية والمد التضامني بين الشعوب العربية، حيث كانت الملاعب ساحة لتجسيد وحدة المشاعر في مواجهة المنتخبات الأجنبية. فقد حظي المنتخب المغربي بدعم جماهيري وإعلامي عربي منقطع النظير باعتباره أول منتخب عربي يتأهل للمونديال عبر التصفيات. فخلال مباراته التاريخية ضد ألمانيا الغربية آنذاك ، تسمرت الجماهير من المحيط إلى الخليج خلف الراديو والشاشات البسيطة، واحتفلت بالهدف المغربي الأول وكأنه هدف لمنتخباتها المحلية. كما شكل فوز تونس على المكسيك (3-1) كأول فوز إفريقي وعربي في تاريخ كأس العالم عاصفة من الفرح في كل العواصم العربية. في حين خرجت الجماهير في عواصم كالقاهرة، وبيروت، وبغداد للاحتفال بفوز المنتخب التونسي، حيث اعتبر الإعلام العربي آنذاك أن تونس ثأرت كروياً لكرامة الكرة العربية بأكملها في مواجهة المدارس الأجنبية. وخلال نهائيات كأس أمم إفريقيا 1976 في إثيوبيا، والتي حقق لقبها المنتخب المغربي، كانت الجماهير والبعثات الرياضية التونسية والجزائرية المتواجدة هناك تدعم وتؤازر المغرب في مبارياته ضد المنتخبات الإفريقية غير العربية. وعندما كانت منتخبات مثل مصر أو الجزائر تواجه فرقاً أوروبية عريقة ودياً، كان مدرجات الملاعب تمتلئ بجماهير من مختلف الجنسيات العربية المتواجدة في بلد المباراة، معتبرة اللقاء مواجهة بين الكرة العربية والمنظومة الغربية. غير أنه وقع خلال السنين الأخيرة تحول كبير بلغ حد التعصب الكروي انتشر ليشمل جماهير عربية في مختلف الوطن العربي، حيث أصبحنا نشاهد جماهير عربية في الملاعب وعلى شاشات التلفزة وحتى في المقاهي وفي الأحاديث الخاصة تفضل تشجيع منتخب أجنبي سواء كان عربيا أو أمريكو لاتيني أو حتى افريقي متمنية خسارة المنتخب العربي حتى ولو كان الأفضل بالملعب . ولعل ما جرى حاليا في كأس افريقيا الأخير والمنظم من طرف المغرب عندما خرجت جماهير جزائرية للهتاف بفوز المنتخب السنغالي ضد نظيره المغربي أو ما يجري في كأس العالم الحالية عندما تساند جماهير تونسية أو مصرية أو مغربية منتخبا أجنبيا في مباراة تجمعه مع منتخب عربي سواء كان جزائريا أو أردنيا أو مغربيا او مصريا مع ما ينجم عن ذلك من آثار سلبية على شعور التضامن الذي يشكل لحمة الثقافة العربية الاسلامية. ليتم التساؤل عن بواعث هذا التعصب الكروي سواء داخل الجماهير العربية أو داخل الجماهير المغربية ، وعن الوسائل والإجراءات لاحتوائه و الحد من انتشاره.
1-بواعث التعصب الكروي داخل الجماهير العربية
يمكن القول بأن التعصب الكروي داخل الجماهير العربية اتخذ منحىً متسارعاً وحاداً عبر ثلاث محطات مفصلية نقلت الجماهير من “زمن التضامن القومي” إلى “زمن الاستقطاب والتشرذم الكروي”. فقد بدأ التحول الفعلي مع تراجع الفكر القومي العربي التقليدي بعد أحداث سياسية كبرى (مثل توقيع معاهدة كامب ديفيد 1979 وانقسام الموقف العربي، ثم حرب الخليج الثانية 1990) بعدما تحول التنافس الرياضي إلى “مسألة كرامة وطنية ضيقة” للأنظمة السياسية. حيث برز ذلك بوضوح في مباريات تصفيات كأس العالم 1990 الشهيرة بين مصر والجزائر، وما رافقها من أحداث عنف وشحن إعلامي غير مسبوق في القاهرة وعنابة، وهو ما وضع أول شرخ علني في جدار الأخوة الكروية. غير العديد من الدراسات السوسيولوجية تجمع على أن عام 2009 هو نقطة التحول الكبرى والعلنية في وعي المشجع العربي. فخلال تصفيات مونديال 2010، جندت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة في البلدين ترسانتها لشحن الجماهير بأسلوب غير مسبوق تجاوز الخطوط الحمراء. حيث تحولت المباراة الفاصلة في السودان (أم درمان) إلى أزمة دبلوماسية حقيقية بلغت حد سحب السفراء بين البلدين ، واستخدمت فيها تهم التخوين التاريخي. ليسقط مفهوم “العمق العربي التلقائي” رسمياً، وحل محله منطق “المكايدة السياسية” عبر المستطيل الأخضر. وقد انضاف إلى هذا الشحن السياسي تطور ظاهرة الانفجار الرقمي وعولمة الكرة المتمثلة في الهيمنة المطلقة لمنصات تيك توك، وفيسبوك، وX، التي حولت هذا التعصب من أزمة عابرة ترتبط بمباراة محددة إلى سلوك يومي مستدام. إذ أتاحت الهواتف الذكية لكل مشجع عربي متعصب أو مراهق منصة شخصية لبث خطاب الكراهية وصناعة “الميمز” المسيئة للدول المجاورة، خاصة وأن ذلك قد تزامن مع تفاقم الخلافات السياسية البينية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ليصبح تشجيع الفريق الأجنبي ضد العربي أداة نكاية سياسية يومية مجانية يتداولها الشباب عبر الشاشات.وهكذا مهدت أزمة 2009 (المعروفة بـ “موقعة أم درمان”) بين مصر والجزائر لانتشار ظاهرة التعصب الكروي المعاصر، لأنها وضعت القواعد الهيكلية والنفسية لما نراه اليوم من استقطاب في الشارع الرياضي العربي. حيث لم تكن الأزمة مجرد مباراة كرة قدم انتهت بوقوع أحداث شغب، بل كانت المختبر الأول الذي تشكلت فيه آليات العداء الكروي الحديث عبر المظاهر التالية:
-مأسسة خطابات الكراهية، فبعدما كان التعصب يقتصر على مدرجات الملعب قبل سنة 2009، تولت القنوات التلفزيونية الرسمية والخاصة في كل من مصر والجزائر (عبر برامج التوك شو) قيادة الحملة وتوجيه الشتائم والتخوين بشكل علني ويومي. حيث خلقت هذه المحطة “نموذجاً تجارياً” للإعلام يعتمد على الشحن الرياضي لجلب أعلى نسب مشاهدة (Rating،) وهو النموذج الذي يسيطر على المنصات الرقمية اليوم.
-تطبيع كسر الروابط التاريخية والقومية: فلأول مرة في تاريخ العلاقات العربية الحديثة، تم استحضار الملفات التاريخية الحساسة (مثل شهداء الثورة الجزائرية والدعم المصري لها) واستخدامها كأدوات للمعايرة والسخرية الكروية. هذا الأسلوب نزع صفة “القداسة” عن العلاقات الأخوية، وجعل المشجع المعاصر يستسهل اليوم الطعن في تاريخ الدول المجاورة عند أي خسارة كروية.
-تأصيل منطق “النكاية” والتشفي: حيث رسخت أزمة 2009 فكرة أن خسارة المنتخب العربي الجار هي “انتصار وطني” لبلدك، حتى لو كان الفائز منتخباً أجنبياً. وتولد عن ذلك جيل من المشجعين يرى في تشجيع الفرق الأجنبية (الأوروبية أو الإفريقية) ضد الأشقاء أداة شرعية للتعبير عن الموقف السياسي أو الرياضي.
-توليد النواة الأولى للتعصب الرقمي الممنهج: حيث تزامنت الأزمة مع البدايات القوية لانتشار موقع “فيسبوك” والمنتديات الرياضية الإلكترونية في العالم العربي (مثل منتدى كووورة). وهكذا شكلت الأزمة أول حرب إلكترونية عربية واسعة النطاق من خلال حملات القرصنة (الهاكرز) للمواقع الرسمية، وصناعة أولى “الميمز” الهجومية، مما مهد الطريق لظهور اللجان الإلكترونية والذباب الرقمي الحالي. باختصار، نزعت أزمة 2009 “غطاء الحياء” عن التعصب الإقليمي، وحولته من سلوك منبوذ إلى ممارسة شعبية مقبولة ومبررة، مما مهد الأرضية الخصبة لتلقفها وتضخيمها بواسطة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات اللاحقة.
-كما كان تفاعل الفنانين والمثقفين خلال أزمة 2009 محطة سلبية زادت من تعميق الهوة، حيث انجرف قطاع واسع منهم وراء الشحن الإعلامي والسياسي، وتخلوا عن دورهم التقليدي كجسر للتواصل بين الشعوب. فقد تحولت برامج “التوك شو” الرياضية والسياسية إلى منصات استضافت كبار نجوم الفن (خاصة في مصر)، والذين أطلقوا تصريحات نارية وحادة تجاوزت حدود الرياضة لتطال كرامة الشعب الجزائري وتاريخه. وقد ساهمت هذه التصريحات، الصادرة عن شخصيات تحظى بحب واحترام الجماهير العربية، في منح “شرعية شعبية” للتعصب، وجعلت المواطن البسيط يشعر بأن العداء أصبح أمراً واجباً. خاصة بعدما أعلن عدد من الفنانين المصريين إلغاء مشاركاتهم في مهرجانات وحفلات بالبلد المنافس، وصدرت دعوات لمقاطعة الإنتاجات الدرامية والسينمائية المتبادلة. في حين تحولت نقابات فنية إلى إصدار بيانات سياسية تدين الطرف الآخر، مما جمد العلاقات الثقافية لعدة أشهر بين مصر والجزائر . وقد استغل بعض الفنانين بأرض الكنانة حساباتهم الناشئة على المواقع الرقمية لإظهار “الوطنية المفرطة” عبر مهاجمة الرموز الوطنية للبلد الجار، كسباً لتعاطف جماهيرهم المحلية.
في المقابل، حاولت قلة من المثقفين والفنانين الكبار من الطرفين إصدار “بيانات حكماء” تدعو إلى ضبط النفس وتذكر بالروابط التاريخية والدم المشترك. لكن واجهت هذه الأصوات هجوماً شرساً واتهامات بـ “ضعف الوطنية” و”الخيانة” من طرف الإعلام الجماهيري المشحون، مما أجبرها على الصمت والتراجع. وبالتالي فقد ساهم هذا الانزلاق الفني في إقناع جيل الشباب بأن الخلاف لم يعد رياضياً عابراً، بل هو “معركة هوية” يشارك فيها الجميع، مما مهد الطريق لظهور النمط الحالي من التعصب الذي نعيشه اليوم، حيث يغيب العقلاء ويقود المشهد صناع المحتوى الباحثون عن الإثارة. فقد تجلت هذه الظاهرة بوضوح في عدة محطات كروية كبرى أظهرت انقسام الشارع الرياضي العربي.ففي كأس العالم (قطر 2022) و رغم الأجواء التضامنية الواسعة التي رافقت الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي، إلا أن منصات التواصل شهدت انقساماً حاداً. حيث شجعت فئات من الجماهير (خاصة من دول الجوار بسبب الخلافات السياسية المعروفة) منتخبات مثل إسبانيا، والبرتغال، وفرنسا ضد المغرب. وفي المقابل، شجعت بعض الجماهير منتخب الأرجنتين ضد السعودية في ذات البطولة نكاية في التنافس الإقليمي. أما في بطولات كأس الأمم الإفريقية (2024 و2025): في نسختي كوت ديفوار والمغرب، ظهرت “المكايدة الرياضية” في أقصى صورها. فقد احتفلت فئات واسعة من الجماهير بخروج منتخبات عربية منافسة (مثل مصر، والجزائر، وتونس، والمغرب) على يد منتخبات إفريقية غير عربية، وتحولت هذه المنتخبات الإفريقية إلى “بطل شعبي مؤقت” لدى الجماهير المنافسة. كما انه في كأس العرب والمنافسات القارية للأندية: فقد خلقت المباريات التي تجمع أندية مثل الأهلي المصري، والوداد أو الرجاء المغربي، والترجي التونسي، والهلال السعودي، حالة استقطاب تجعل المشجع العربي يفضل فوز أي فريق أجنبي أو قاري على حساب غريمه العربي التقليدي.
2-بواعث التعصب الكروي داخل الجماهير المغربية
على الرغم من أن المغرب ظل لسنوات طويلة بعيداً عن حدة الاستقطاب التي خلفتها أزمة 2009 (بين مصر والجزائر)، إلا أن هذه الظاهرة تسللت وقيدت المشهد الرياضي المغربي بشكل متسارع، لاسيما خلال الحقبة الأخيرة الممتدة حتى عام 2026. وتتحدد ملامح وأسباب انتشار هذه الظاهرة داخل الجمهور المغربي في العوامل التالية:
*انتقال التوتر السياسي إلى المدرجات الرقمية حيث ساهم جمود العلاقات الدبلوماسية والأزمات الإقليمية الأخيرة في منطقة شمال إفريقيا في شحن جيل جديد من الشباب المغربي. وتحول تشجيع المنتخبات المنافسة (سواء الإفريقية أو الأوروبية) ضد منتخبات الجوار إلى رد فعل تلقائي، وتبنى الكثيرون منطق “المعاملة بالمثل” بعد رصد احتفال جماهير أخرى بخسارة المنتخب المغربي.
*بروز شعار “المغرب أولاً” مثل تحولا سيكولوجيا بارزا لدى فئات واسعة من المشجعين المغاربة، خاصة بعد الطفرة التاريخية في مونديال قطر 2022؛ حيث قوبل الثناء والتعاطف العربي الأولي بنوع من التراجع والتشفي في البطولات اللاحقة (مثل كأس إفريقيا 2024 و2025).نتج عن ذلك ولادة تيار جماهيري يرفض فكرة “التضامن الكروي المجاني”، ويرفع شعارات تركز على المصلحة الوطنية الكروية الصرفة دون اعتبارات قومية أو إقليمية.
*تأثير صناع المحتوى و”اليوتيوبرز” المغاربة: حيث ساهم انتشار قنوات التوك شو البديلة والـ “Reaction” على منصات (تيك توك، يوتيوب، وفيسبوك) في نقل التعصب إلى البيوت المغربية.إذ يعتمد الكثير من صناع المحتوى الرياضي على “المكايدة الكروية” وجلب مقاطع لمشجعين أجانب أو عرب يسيئون للمغرب، وذلك لتأليب رأي عام محلي وحصد ملايين المشاهدات تحت دافع “الدفاع عن الراية الوطنية”.
*ثقافة “الترولينغ” وسط مراهقي الشاشات: حيث يمثل فصيل واسع من المشجعين الجدد فئة المراهقين والشباب الذين لم يعيشوا زمن “الروابط القومية أو المغاربية المشتركة”.فبالنسبة لهؤلاء، فإن السخرية من خسارة منتخب عربي جار أو تشجيع فريق أجنبي ضده ليست موقفاً سياسياً عميقاً، بل هي مجرد “مادة دسمة” لصناعة الميمز، والضحك الرقمي، وإثارة غيظ المشجعين في الطرف الآخر.ورغم الانتشار الواضح لهذه الظاهرة في الفضاء الرقمي المغربي، إلا أن المشهد لا يخلوا من مقاومة ثقافية تقودها النخب العاقلة وبعض فصائل الألتراس، والتي تحاول باستمرار تذكير الجماهير بضرورة الفصل بين الخلافات السياسية العابرة وبين الروابط الإنسانية والشعوبية الثابتة.
وبالتالي فقد تزايد هذا التعصب داخل الجمهور المغربي بشكل ملموس، وتحول من مجرد منافسة رياضية تقليدية إلى استقطاب حاد، خاصة في السنوات الأخيرة (بين 2022 و2026). إذ انعكست الأزمات السياسية والدبلوماسية مباشرة على سلوك فئات واسعة من المشجعين المغاربة. حيث ظهرت ردود فعل عنيفة رقمياً تمثلت في تشجيع المنتخبات الإفريقية أو العالمية ضد المنتخبات الجارة (مثل الجزائر ومصر)، كنوع من الرد بالمثل على مواقف مشابهة.كما انخرط جزء من الشباب المغربي في حملات تخوين وسخرية ممنهجة على منصات التواصل (خاصة تيك توك وX ، حيث تحولت منصات تشجيع الأندية الوطنية (كالرجاء والوداد والجيش الملكي) في المسابقات الإفريقية إلى ساحات لتصفية حسابات قومية مع مشجعي الأندية العربية الأخرى مما أدى إلى تغير مفهوم التضامن الكروي.فبعد الطفرة التاريخية في مونديال قطر 2022، حيث حظي المغرب بتعاطف عربي جارف، تراجع هذا الزخم تدريجياً في البطولات اللاحقة (كأس إفريقيا 2024 و2025). حيث قوبل هذا التراجع ببرود من طرف فئات من الجمهور المغربي التي بدأت تتبنى شعارات مثل “المغرب أولاً” و”لا تضامن كروي مع من لا يدعمنا”.
وقدعكس هذا التحول بشكل مباشر على الأجواء اليومية داخل المقاهي والشوارع المغربية أثناء المباريات، حيث تحولت هذه الفضاءات من مساحات للتعاطف التلقائي مع الأشقاء إلى ساحات لـ “المكايدة الرياضية” والاستقطاب الحاد.وتتجلى أبرز مظاهر هذا الأثر في النقاط التالية:
*انقسام شاشات المقاهي:اختفى المشهد الكلاسيكي الذي كان يجتمع فيه المغاربة على قلب رجل واحد لتشجيع أي منتخب عربي يواجه فريقاً أجنبياً. حيث أصبحت المقاهي تشهد انقساماً علنياً؛ حيث تفضل فئات واسعة (خاصة الشباب) تشجيع المنتخبات الأوروبية أو الإفريقية ضد منتخبات الجوار، ويرافق ذلك تبادل النكات والسخرية عند تسجيل الأهداف.
* تغير طبيعة النقاشات في الشارع: حيث تحولت نقاشات الشارع بعد المباريات من تحليل تكتيكي أو فني إلى نقاشات مشحونة بالخلفيات السياسية والإقليمية.إذ يبرر المشجعون في الشارع تشجيعهم للفرق الأجنبية بمنطق “المعاملة بالمثل”، مستشهدين بمقاطع فيديو يروجها صناع المحتوى تظهر تشفي جماهير أخرى في خسارات سابقة للمنتخب المغربي.
*تراجع “الحرج الاجتماعي”: ففي الماضي، كان المشجع المغربي يستحي أو يخفي رغبته في خسارة منتخب عربي جار تماشياً مع قيم الجوار والعروبة. بينما اليوم، أصبح إظهار الفرح بخسارة المنافس الإقليمي وتشجيع خصمه الأجنبي أمراً علنياً وعادياً، بل وينظر إليه أحياناً في أوساط المراهقين كنوع من “الوطنية الرياضية”.
*سيادة لغة “التريند” الرقمي في الفضاء الواقعي: حيث انتقلت مصطلحات السوشيال ميديا وحروب الهاشتاغات (مثل مصطلحات التحدي والتهكم) من الهواتف الذكية إلى لغة التداول اليومي في المقاهي. إذ يتجمع الشباب لمشاهدة المباريات لا للاستمتاع بكرة القدم فحسب، بل لجمع “مادة دسمة” تمكنهم من التنافس الرقمي وصناعة “الميمز” فور نهاية المباراة.
لكن رغم هذا السلوك السائد لدى شريحة واسعة من جيل الشباب، لا يزال رواد المقاهي من الأجيال السابقة (الذين عاصروا حقبتي السبعينيات والثمانينيات) يحاولون الحفاظ على النبرة العاقلة، حيث يظهرون أسفهم على هذا التحول ويحنون إلى زمن كانت فيه الفرحة الكروية عابرة للحدود وبلا حسابات ضيقة.بينما يتعامل أصحاب المقاهي في المغرب مع هذا الاستقطاب الحاد بكثير من الحذر والذكاء التجاري، حيث يمثل امتلاء المقهى بالزبائن فرصة ربح كبرى، لكنه يحمل في نفس الوقت خطر اندلاع مشاحنات قد تؤدي إلى تخريب الممتلكات أو خسارة الزبائن الأوفياء. ولضمان تسيير هذه الأجواء المشحونة وتفادي أي اصطدامات، يتبع أصحاب المقاهي على توفير أكثر من شاشة عرض (تلفزيونات أو أجهزة عرض ضخمة Projectors) ) في المباريات الحساسة، حيث يتم تخصيص شاشة للجمهور الذي يشجع المنتخب العربي، وشاشة أخرى في زاوية منفصلة للشباب الراغبين في تشجيع الفريق الأجنبي، مما يخلق نوعاً من الفصل الجغرافي داخل نفس الفضاء.كما يحرص صاحب المقهى والعاملون فيه (على تبني موقف محايد تماماً وعدم الانحياز لأي طرف أثناء الصراخ الكروي. إذ قد يتدخل مسيروا أو نادلو المقهى بسرعة لتلطيف الأجواء عبر “الدعابة” أو تغيير مجرى الحديث إذا ارتفعت حدة النقاشات بين الطاولات لمنع تحولها إلى عراك لفظي. في حين قد يضع أصحاب المقاهي حدوداً صارمة للمظاهر الاستفزازية؛ فبينما يسمح بالفرح والتشجيع العادي، يمنع إطلاق الشتائم النابية، أو تسييس النقاش بشكل مبالغ فيه، أو توجيه إهانات مباشرة للأشخاص المتواجدين في المقهى. حيث يتم أحياناً طرد أو تنبيه المشجعين (خاصة المراهقين) الذين يحاولون إثارة الفوضى حفاظاً على سكينة وراحة العائلات والزبائن الآخرين.خاصة وأن أصحاب المقاهي يتعاملون مع هذه المباريات كـ “مواسم تجارية”. فهم يستغلون الحماس والندية لفرض نظام “الاستهلاك الإجباري” (Consommation Obligatoire )أو رفع أسعار المشروبات قليلاً خلال هذه القمم الكروية، مستفيدين من رغبة الجميع في حجز مقعد لمتابعة مثل هذه المباريات . مما يثبت أن المقهى المغربي، رغم كونه مرآة عاكسة لتعصب الشارع الرياضي، فهو يظل محكوماً بـ منطق تجاري واجتماعي يفرض التهدئة ويمنع الانزلاق نحو العنف المادي، محولاً الصراع إلى مجرد “مناوشات كلامية” تنتهي بانتهاء المباراة.
وعادة ما تؤثر هذه الحساسية الرياضية بشكل مباشر وملموس على الحياة اليومية لـ الطلبة والعمال العرب والأفارقة المقيمين في المغرب، وبالمثل على المغاربة المقيمين في الدول الشقيقة، حيث تحولت مباريات كرة القدم إلى محطات مشحونة بنوع من الضغط النفسي والاجتماعي المؤقت.ويمكن رصد هذا التأثير المتبادل عبر المستويات التالية:
أولاً: تأثير الحساسية على المقيمين الأجانب في المغرب والاضطرار إلى التشجيع الصامت (أو المنزلي) حيث بات الكثير من الطلبة والعمال (خاصة من دول الجوار كـ الجزائر، تونس، أو مصر) يفضلون تجنب مشاهدة مباريات منتخباتهم في المقاهي الشعبية المكتظة، تفادياً لسماع تعليقات مستفزة أو الدخول في مشاحنات لفظية، واختيار مشاهدتها في البيوت أو المطاعم الخاصة.
ثانيا :الحرج الاجتماعي في فضاءات العمل والدراسة.ففي اليوم الموالي للمباراة، يتعرض المقيمون الأجانب لـ “مكايدات رياضية” وتنمر كروي من طرف زملائهم المغاربة في العمل أو الجامعة. ورغم أن هذا التنمر يأخذ غالباً طابع المزاح (الضحك)، إلا أنه يخلق أحياناً حساسية أو شعوراً بالانعزال والضيق.
ثالثا :تخوف مؤقت من ردود الفعل العنيفة، إذ في حال فوز منتخب أجنبي على المنتخب المغربي، قد يشعر بعض المقيمين الأجانب بنوع من التوجس من إظهار الفرحة علناً في الشارع، تجنباً للاصطدام مع مشجعين محليين غاضبين أو متعصبين.
رابعا : تأثير هذه الحساسية الكروية على المغاربة المقيمين في الخارج حيث يواجه أفراد الجالية المغربية (خاصة الطلبة والعمال في تونس، ومصر، أو دول الخليج) نفس الضغوط المضادة. فعند خسارة المنتخب المغربي، يجدون أنفسهم مادة دسمة للسخرية الكروية في مقاهي وشوارع تلك البلدان، بناءً على حسابات وتراكمات رقمية سابقة. كما يضطر الكثير من المغاربة المغتربين إلى ضبط منشوراتهم وتفاعلاتهم الكروية على منصات التواصل لتفادي خسارة أصدقائهم أو زملائهم من أبناء البلد المضيف، بعدما تحولت كرة القدم إلى معيار لتقييم “الولاء والود” بين الأفراد.
لكن وسط مظاهر هذا التعصب وهذه الحساسيات والضغوط، المفرطة، تشهد العديد من الجامعات المغربية (التي تضم آلاف الطلبة العرب والأفارقة ضمن برامج التعاون الدولي) ومقرات الشركات الكبرى، مبادرات واعية؛ حيث يسارع العقلاء من الطلبة والعمال المغاربة إلى حماية زملائهم الأجانب من المضايقات، والتأكيد على أن “ما يقع في الملعب أو السوشيال ميديا لا يمثل عمق الترحيب المغربي وحسن الضيافة المتجذر”. كما أنه رغم هذا المنحى التعصبي الذي تقوده فئات شابة وموجهة رقمياً، لا تزال هناك تيارات عاقلة داخل الجمهور المغربي والجمعيات المساندة تحاول الفصل بين السياسة والرياضة، والدعوة إلى إحياء قيم الروح الرياضية وحسن الجوار.فقد تفاعلت فصائل الألتراس المغربية مع هذه الظاهرة بالذكاء والوعي، حيث حاولت جاهدة النأي بنفسها عن التسييس، ورفضت الانجرار وراء حملات الكراهية الرقمية والفصل الصارم بين الرياضة والسياسة. وهكذا أصدرت فصائل كبرى (مثل “إيغلز” و”جرين بويز” المساندة للرجاء، و”وينرز” المساندة للوداد بلاغات تؤكد أن “عدائها” الرياضي ينتهي بصفارة الحكم. كما أبدعت فصائل الألتراس المغربية في تحويل المدرجات إلى منابر للتعبير عن نبض الشارع العربي، متجاوزة الخلافات الضيقة عبر أغانٍ وشعارات رددتها ملايين الحناجر، وتحولت إلى “أيقونات” عابرة للحدود . المجموعات توجيه شعارات سياسية أو عنصرية ضد الأشقاء العرب في المدرجات بينما ركزت الألتراس المغربية على إبقاء القضية الفلسطينية كشعار موحد يجمع حيث رددت المدرجات المغربية أغاني شهيرة (مثل “رجاوي فلسطيني”) التي لاقت إشادة واسعة وتداولاً إيجابياً في كل العواصم العربية حيث تُعد الأغنية الأكثر شهرة وتأثيراً في العالم العربي.وقد حرصت الفصائل على استقبال ألتراس الأندية العربية التي تزور المغرب سواء كانت إلتراس مصرية، ليبية أو غيرها. كما هاجمت فصائل الألتراس في بياناتها من أسمتهم “مراهقي الشاشات” وصناع المحتوى الذين يقتاتون على الفتنة والخصومات السياسية بين الأنظمة العربية .لكن رغم كل ذلك ، فإن سيطرتها تظل محصورة داخل أسوار الملاعب وعلى أعضائها المنظمين، بينما يبقى الفضاء الرقمي المفتوح عرضة لتعصب الجماهير غير المنتمية للمجموعات
3- محركات التعصب الكروي داخل الجماهير العربية
تعزى ظاهرة تشجيع بعض الجماهير العربية للفرق الأجنبية ضد المنتخبات العربية إلى خلفيات سياسية، ورياضية، واجتماعية متداخلة، تتجاوز مجرد الانتماء الكروي. حيث تبرز هذه الظاهرة بشكل واضح في البطولات الكبرى، ويمكن تفكيك أسبابها إلى المحاور التالية:
*الخلافات السياسية والإقليمية: حيث تنعكس التوترات الدبلوماسية بين بعض الدول العربية مباشرة على المدرجات ومنصات التواصل الاجتماعي. ويتحول النكث الرياضي أحياناً إلى أداة للتعبير عن موقف سياسي أو تصفية حسابات قومية.
*البُعد الرياضي والتنافسي الكلاسيكي: حيث تلعب “الندّية التاريخية” دوراً كبيراً، مثل التنافس التقليدي بين منتخبات شمال إفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس، مصر). إذ تفضل بعض الجماهير خسارة المنافس المباشر لتجنب “المكايدات الرياضية” (التنمر الكروي) بعد المباريات.
*غياب الهوية الكروية المشتركة: حيث تراجع مفهوم “القومية العربية” في الرياضة لصالح الهويات الوطنية الضيقة. إذ يرى مشجعون أن كرة القدم لعبة محلية تعتمد على الانتماء للوطن أولاً، ولا تلزمهم بالتعاطف الإقليمي.
*العولمة الرياضية والانبهار بالغرب: من خلال ارتداد النزعة الاستهلاكية لبطولات مثل الدوري الإنجليزي أو الإسباني، مما يربط المشجع عاطفياً بنجوم غربيين (مثل ميسي أو رونالدو أو مبابي) على حساب فرق منطقته.
* مساهمة الاعلام الرسمي في هذه تكريس هذه الظاهرة .فالإعلام الرياضي الرسمي (المقروء، والمرئي، والمسموع) عادة ما أصبح يساهم في تغذية هذه الظاهرة بشكل مباشر وغير مباشر، حيث تحول في كثير من الأحيان من وسيلة لنشر الروح الرياضية إلى أداة لتعميق الخلافات من خلال تسييس الخطاب الرياضي وإسقاط الخلافات الحدودية أو التاريخية على المستطيل الأخضر.حيث يتم استخدام لغة عسكرية (مثل: “معركة”، “حرب”، “ثأر”) لوصف مباريات المنتخبات الجارة.ا بالإضافة إلى التركيز على الأخطاء التحكيمية أو السلوكيات الفردية للاعبي الخصم لتبرير الخسارة وتأليب الجماهير. كما يتم استضافة محللين يفتقرون للموضوعية ويعتمدون على “الصراخ الرياضي” لجذب المشاهدات. إلى جانب تضخيم سقطات المنتخبات العربية المنافسة والاحتفاء بهزائمها تحت مسمى “القراءة التحليلية”. بينما يتم تجاهل الإنجازات الرياضية للدول المجاورة أو التقليل من حجمها لتفادي إحباط الجماهير المحلية. مع التباكي على المؤامرات الخارجية عند الخسارة بدلاً من نقد المنظومة الرياضية المحلية.
4- الانعكاسات السلبية للتعصب الكروي داخل الجماهير العربية
يمكن القول بأن تأثير هذا التعصب الكروي يتجاوز حدود الملاعب ليلمس عمق العلاقات الاجتماعية والشبابية بين الشعوب العربية، محولاً لعبة ترفيهية إلى جدار فصل نفسي واجتماعي. حيث تتمثل أبرز هذه التأثيرات في المظاهر التالية:
*تآكل الرصيد العاطفي المشترك من خلال تراجع شعور التضامن التلقائي بين الشباب العربي في الأزمات واستبدال قيم “العروبة” و”الجوار” بنظرة نمطية عدائية مبنية على لقطة كروية أو تصريح مستفز.
*تسميم العلاقات في بيئات الغربة والعمل: من خلال انتقال المشاحنات الكروية إلى مقار العمل والدراسة التي تجمع الجاليات العربية في الخارج. وخلق حساسية وخلافات مكتومة بين زملاء العمل أو السكن من جنسيات عربية مختلفة.
*صناعة “جيل رقمي” مشحون بالكراهية: من خلال نشوء فئات من المراهقين والشباب لا يعرفون عن الدول المجاورة سوى “الميمز” الساخرة والشتائم المتبادلة. و انسياق الشباب وراء أي حملات تخوين أو تحريض سياسي مستقبلي بسبب الشحن الرياضي المسبق.
*تراجع السياحة والتبادل الثقافي الشبابي:ت حيث يتخوف بعض الشباب من زيارة دول عربية مجاورة بسبب انطباعات شكلتها كرة القدم.
*عزوف المؤثرين وصناع المحتوى عن تنظيم فعاليات مشتركة تجنباً لـ “الهجوم الإلكتروني” من جماهير بلدانهم.
:انتقلت لغة “المكايدة الكروية” القاسية إلى التعليقات على الصفحات الرسمية للاتحاد الإفريقي (كاف) والاتحاد الدولي (فيفا).تم استغلال أي هفوة تحكيمية أو تنظيمية لشن حملات رقمية واسعة تسيء للعلاقات الأخوية بين الشعوب.
5-وسائل احتواء التعصب الكروي
إن احتواء التعصب الكروي بين الجماهير العربية يتطلب مقاربة متعددة المستويات، لأن هذه الظاهرة لا ترتبط بالرياضة وحدها، بل تتداخل فيها عوامل اجتماعية وإعلامية وثقافية وسياسية ونفسية. لكن هذا لا يمنع من العمل على احتواء هذه الظاهرة سواء المستوى الإقليمي أو على المستوى الوطني.
أولاً: على الصعيد الإقليمي العربي
يمكن للاتحادات الرياضية العربية والحكومات ووسائل الإعلام أن تتعاون في بناء ثقافة رياضية عربية مشتركة، من خلال إقرار ميثاق عربي لمناهضة التعصب الرياضي تلتزم به الاتحادات الكروية والإعلام الرياضي يحدد ضوابط الخطاب الإعلامي والتغطية الرياضية يتضمن عقوبات على خطاب الكراهية والتحريض . وبهذا الصدد فيبدو من الغريب بأن جامعة الدول العربية رغم كثرة اجتماعات مؤسساتها الدورية لم تعتمد أو تصادق لحد الآن على ميثاق عربي خاص بمناهضة التعصب الكروي أو التعصب الرياضي على غرار المواثيق الدولية أو الإقليمية المتخصصة. إذ تظهر مراجعة الوثائق المتاحة أن الجامعة اعتمدت مواثيق في مجالات أخرى، مثل الميثاق العربي لحقوق الإنسان، لكنها لم تعتمد ميثاقاً عربياً مستقلاً يعالج التعصب بين الجماهير الرياضية . فقد شهدت الجامعة العربية إصدار بيانات وتوصيات في بعض الاجتماعات العربية للشباب والرياضة تدعو إلى نبذ العنف والتعصب في الملاعب لكنها لم يتم بلورتها في شكل ميثاق عربي ملزم صادر عن جامعة الدول العربية . وبالتالي ، ففي ظل الاستعدادات العربية لاستضافة وتنظيم أحداث رياضية كبرى، بما فيها استضافة كأس العالم 2034 في المملكة العربية السعودية، يمكن أن يشكل الإسراع في تبني مثل هذا الميثاق خطوة عملية لتعزيز الأمن الرياضي والتعاون العربي في مواجهة التعصب الكروي. بالإضافة إلى ضرورة تنظيم حملات توعوية من قبل الاتحادات الكروية العربية يتم فيها إشراك نجوم الكرة العرب في الدعوة إلى الروح الرياضية ومناهضة كل أشكال التعصب الكروي بين المشجعين العرب. وبما أن الإعلام العربي أصبح يمثل أحد أهم مصادر تأجيج التعصب الكروي عندما يعتمد على الإثارة والبحث عن نسب المشاهدة، ذلك ينبغي الاتفاق بين الدول الأعضاء، ممثلين في وزراء الشباب والرياضة العرب، على منع البرامج الكروية التحريضية، و معاقبة خطاب الكراهية وكذا العمل على تكوين الصحفيين في أخلاقيات الإعلام الرياضي مع إعطاء مساحة أكبر للتحليل العلمي بدل السجال الكروي. بالاضافة إلى قيام الإعلام الرسمي بتسليط الضوء على المحترفين العرب الذين يلعبون في الدوريات المحلية أو العكس، لتعزيز قيم الأخوة. وإنتاج برامج وثائقية مشتركة تبرز التاريخ الكروي المشترك والمحطات التي توحدت فيها الجماهير العربية.
ولاحتواء أنجع للتعصب الكروي تعتبر قيادة فصائل الألتراس لحملات التوعية الخيار الأكثر فعالية وتأثيراً على أرض الواقع، لأن هذه المجموعات تمتلك شرعية الميدان وسلطة معنوية قوية على مئات الآلاف من الشباب واليافعين، وهي قوة لا تمتلكها إدارات الأندية أو حتى القوانين الزجرية.ولكي تنجح الألتراس في قيادة هذا التغيير ونبذ التعصب الإقليمي والمحلي، يجب أن ترتكز خطتها على المحاور التالية:
1- آليات التوعية من داخل المدرجات حيث يعتبر الكابو الشخصية الأكثر تأثيراً؛ وتوجيهه للجماهير أثناء المباريات لرفض الهتافات المسيئة أو العنصرية ضد الخصوم يغير سلوك المدرج فوراً.كما ينبغي السهر على استخدام اللوحات واللافتات المرفوعة لتوجيه رسائل كونية وإنسانية تدعو للروح الرياضية وتذكر بالروابط التاريخية بين الشعوب العربية.
2- إصدار بلاغات مشتركة بين فصائل الأندية المتنافسة (محلياً أو عربياً) تعلن فيها “هدنة رقمية” وتتبرأ من أي مشجع يسب أو يخون شعوباً أخرى باسم الألتراس.و فرض رقابة داخلية من المجموعات على صفحاتها وحسابات أعضائها، ومعاقبة أي عضو ينخرط في حروب الهاشتاغات المسيئة أو صناعة “الميمز” التي تغذي الكراهية.
3. الاعتراف المؤسساتي بالالتراس ، فرغم القدرة الكبيرة للألتراس على التغيير، فإن نجاحها يظل مشروطاً بأن تتعامل السلطات الرياضية والأمنية مع الألتراس كـ “شريك في الحل” وليس كـ “متهم دائم”، وفتح قنوات حوار مستمرة مع قياداتها وضمان الحفاظ على استقلاليتها.
ثانيا: على الصعيد الوطني
إن احتواء التعصب الكروي على الصعيد الوطني يقتضي اعتماد سياسة عمومية شاملة، لا تقتصر على المقاربة الأمنية، وإنما تجمع بين التشريع والتربية والإعلام والحكامة الرياضية. فالتعصب لا ينشأ داخل الملاعب فقط، بل يتغذى من الخطاب الإعلامي، ومن شبكات التواصل الاجتماعي، ومن بعض الممارسات داخل الأندية والاتحادات الرياضية . وفي هذا الاطار يمكن إقرار استراتيجية وطنية لمناهضة التعصب الرياضي و إصدار ميثاق وطني لمناهضة التعصب الكروي يوقع عليه الاتحاد الوطني أو الجامعة الوطنية لكرة القدم ، و رؤساء الأندية. وجمعيات اللاعبين والمدربين والحكام والذي يتضمن مبادئ مثل: احترام المنافس ورفض العنصرية والجهوية. والالتزام بالتشجيع الحضاري. وبالنظر لأن ا لإعلام يعد من أكثر الفاعلين تأثيراً في تشكيل اتجاهات الجماهير، ولذلك ينبغي منع البرامج القائمة على الاستفزاز ، واعتماد مواثيق أخلاقية للمعلقين والمحللين و محاربة الأخبار الزائفة المتعلقة بالأندية ، وكذا تشجيع التحليل الرياضي الرصين. وفرض عقوبات على القنوات التي تبث محتوى يذكي الفتنة مع دول الجوار.الارتقاء بمستوى البرامج الحوارية: استبعاد المحللين المتعصبين والاعتماد على أطر رياضية واكاديمية تعتمد لغة الأرقام والموضوعية لتوجيه وعي المشجع. بالإضافة إلى مكافحة “التريند” الرقمي من خلال تجنب نقل الشائعات والحروب الكلامية من منصات التواصل إلى شاشات التلفزيون الرسمي، والترويج بدلاً من ذلك لقصص التضامن والروح الرياضية . لكن إلى جانب هذه الإجراءات القانونية والإعلامية ، من الضروري تطوير أنظمة كاميرات ذكية للتعرف على الوجوه داخل المدرجات لضبط أي مشجع يطلق هتافات عنصرية أو سياسية ، وإنشاء وحدات أمنية متخصصة في مراقبة المنتديات الرقمية ورصد المحرضين قبل تحركهم . وكذا تفعيل قوانين الجرائم الإلكترونية لمعاقبة محركي صفحات الفتنة وصناع محتوى “خطاب الكراهية”، و فرض عقوبات قاسية من طرف الاتحادات الرياضية (مثل غرامات مالية، أو خوض مباريات بدون جمهور) على الأندية التي تتساهل جماهيرها في إطلاق هتافات عنصرية أو سياسية ضد الأشقاء.وعلى الصعيد التربوي والتعليمي العمل على دمج مفاهيم “المواطنة الرقمية” والأخلاق الرياضية في المناهج التعليمية لتوعية الأطفال منذ الصغر بأن الرياضة وسيلة للتقارب لا التنافر، وتشجيع الأنشطة المدرسية والجامعية التي تحتفي بالهوية العربية المشتركة، وتنظيم دورات رياضية ودية بين شباب من جنسيات مختلفة. وكذا تعزيز النقد الإعلامي من خلال تزويد الشباب بمهارات فكرية تمكنهم من تمييز “البروباغندا” الإعلامية والشحن الموجه عبر منصات التواصل الاجتماعي وعدم الانسياق وراءها.
وعموما ،فإن احتواء التعصب الكروي في العالم العربي لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب مشروعاً ثقافياً وتربوياً وإعلامياً متكاملاً يجعل من كرة القدم فضاءً للتنافس الشريف والتلاقي بين الجماهير. وكلما نجحت المؤسسات الرياضية والإعلامية والتعليمية في ترسيخ قيم الاحترام والقبول بالاختلاف، تراجع منطق التعصب والعنف، وتحولت المنافسة الكروية إلى رافعة للتماسك الاجتماعي والتقارب بين الشعوب العربية بدل أن تكون مصدراً للتوتر والانقسام.



تعليقات الزوار ( 0 )