يشهد المجال العسكري المغاربي تطوراً لافتاً أعاد فتح نقاش قديم حول توازن القوى الإقليمي، وذلك عقب إبراز مجلة “أتالايار” الإسبانية لوصول مقاتلات روسية من الجيل الخامس إلى الجزائر.
واعتبر الخطوة تحولا نوعياً في بنية التفوق الجوي شمال إفريقيا، مع ما قد يترتب عنه من ردود فعل أمريكية، سواءً عبر تسريع التعاون الدفاعي مع المغرب أو من خلال أدوات الضغط القانونية المرتبطة بالتعاملات العسكرية مع موسكو.
وهذا التطور لا يقرأ فقط في سياق اقتناء عتاد جديد، بل ضمن دينامية أوسع لإعادة تموضع استراتيجي في منطقة تتسم بحساسية التوازنات العسكرية.
#POLÍTICA | La llegada de los Su-57 a #Argelia reabre el debate sobre el equilibrio militar #magrebí
Por Enrique Fernándezhttps://t.co/wxQAJVmXP8
— Atalayar (@Atalayar_) February 18, 2026
-تفوق جوي
تؤكد المعطيات التي عرضتها المجلة أن الجزائر أصبحت أول دولة إفريقية وعربية تشغل المقاتلة الروسية الشبحية “سوخوي” من فئة “Su-57” وهو إنجاز يضعها ضمن دائرة ضيقة من الدول التي تمتلك تكنولوجيا الجيل الخامس.
وهذه الطائرة، المصنفة لدى حلف شمال الأطلسي باسم “Felon”، صممت لتجمع بين التخفي الراداري، والقدرة العالية على المناورة، والطيران بسرعة فوق صوتية دون حارق لاحق، إضافة إلى منظومة استشعار مدمجة تمنح الطيار وعياً ميدانياً متقدماً.
وأهمية هذا التطور لا تكمن فقط في المواصفات التقنية، بل في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها، إذ إن امتلاك منصة قتال بهذه القدرات يرفع سقف الردع ويدخل معايير جديدة في التخطيط العسكري الإقليمي، حيث تصبح القدرة على اختراق الدفاعات الجوية والاشتباك بعيد المدى عاملاً حاسماً في أي معادلة قوة.
كما أن إدماج هذه المقاتلات يندرج ضمن مسار تحديث طويل الأمد، يعكس توجهاً نحو امتلاك تفوق نوعي وليس فقط كمي، وهو ما يغير طريقة تقييم التوازن العسكري بين دول المنطقة.
-تحديث متسارع
استقبال الطائرات تم داخل قاعدة أم البواقي الجوية، وهي منشأة سبق تجهيزها لاستيعاب منصات روسية متقدمة، وهذا الاختيار يسهل عملية الدمج اللوجستي ويقلص فترة التكيّف التقني، خاصة أن القاعدة تستضيف بالفعل أسراباً من طائرات سوخوي أخرى ومروحيات قتالية.
ويشير التقرير إلى أن الصفقة تعود إلى تعاقد سابق يشمل نسخاً تصديرية من المقاتلة، موزعة على مراحل تسليم تمتد لعدة سنوات، حيث وقعت عقداً مع موسكو في 2021، لشراء 14 مقاتلة من هذا النوع، حيث استلمت 6 في 2025، وستحصل على 6 آخرين خلال شهور 2026، على يكتمل العدد في 2027؛ بالتوصل بآخر طائرتين مقاتلتين.
ورغم التحديات الصناعية التي تواجهها روسيا، فإن استمرار البرنامج يعكس رغبة جزائرية في تسريع تحديث القوة الجوية وتوسيع طيف القدرات القتالية، بما يشمل مهام التفوق الجوي والهجمات الدقيقة.
وهذا التوجه لا ينفصل عن استراتيجية أوسع لتحديث البنية العسكرية، حيث يجري العمل على توحيد المنصات ذات الأصل الروسي بما يضمن قابلية تشغيل مشتركة وتقليص كلفة الصيانة والتدريب على المدى المتوسط.
-ميزان إقليمي
المقارنة مع المغرب تفرض نفسها تلقائياً في هذا السياق، فالرباط تعتمد حالياً على أسطول حديث من مقاتلات “إف‑16 فايتينغ فالكون” في نسخته المطورة، وهي طائرات من الجيل الرابع، الاي أثبتت فعاليتها في ميادين متعددة.
وغير أن الفارق الجوهري يتمثل في عنصر التخفي ومنظومات الاستشعار الشبكية التي توفرها طائرات الجيل الخامس.
ومن منظور عملياتي، يمنح التخفي قدرة أكبر على اختراق الدفاعات المعادية وتقليص زمن رد الفعل لدى الخصم، وهذا يعني أن أي طرف يمتلك هذه التكنولوجيا يحقق أفضلية نظرية في الاشتباكات الجوية المعقدة.
والتقرير يرى أن هذا التفوق يظل نسبياً ومشروطاً بعوامل التشغيل والتكامل مع باقي منظومات الدفاع، لكنه مع ذلك يعيد صياغة حسابات الردع في شمال إفريقيا، ويفتح نقاشاً حول الحاجة إلى توازن تقني مماثل.
-رد أمريكي
التحرك الجزائري لم يمر دون انتباه واشنطن، التي تراقب صفقات السلاح المرتبطة بروسيا في إطار قانون قانون “كاتسا” (CAATSA)، المصمم لمعاقبة التعاملات العسكرية الكبرى مع موسكو.
وسوابق تطبيق هذا القانون على دول أخرى تجعل احتمال فرض ضغوط أو عقوبات وارداً، وإن كان خاضعاً لحسابات سياسية أوسع.
وفي المقابل، يبرز سيناريو تسريع التعاون الدفاعي الأمريكي مع المغرب، خاصة فيما يتعلق بإمكانية حصوله مستقبلاً على المقاتلة الشبحية “إف‑35 لايتنينغ”.
وهذه الخطوة إن تحققت، ستعيد التوازن التقني وتؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن.
والمعادلة هنا لا تقتصر على بيع طائرات، بل ترتبط بإعادة تموضع جيوسياسي يعكس التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا على أسواق التسليح والنفوذ الإقليمي.
-تحديات تشغيل
امتلاك مقاتلة من الجيل الخامس يمثل قفزة تكنولوجية، لكنه يفرض تحديات تشغيلية كبيرة، حيث إن هذه الطائرات تتطلب صيانة عالية التخصص، وتحديثات برمجية مستمرة، وبنية تدريب متقدمة للطيارين والفنيين، وأي خلل في سلسلة الإمداد أو الدعم التقني قد يقلل من الجاهزية القتالية.
بالنسبة للجزائر، يعني ذلك تعميق الاعتماد على الخبرة الروسية، وهو خيار يحمل مزايا في نقل المعرفة، لكنه يربط القدرة التشغيلية باستقرار العلاقات الصناعية والسياسية مع موسكو.
ويحذر التقرير من أن التفوق التكنولوجي قد يتحول إلى مكسب رمزي إذا لم يدعم بمنظومة لوجستية قوية تضمن الاستدامة على المدى الطويل.
-أبعاد رمزية
حتى على المستوى الرمزي، يشكل إدخال مقاتلة شبحية إلى الخدمة رسالة ردع واضحة، حيث إن وجود منصة منخفضة البصمة الرادارية يجبر الخصوم على تحديث أنظمة الرصد والدفاع، ما يرفع كلفة التوازن العسكري.
وهذا البعد الرمزي يتداخل مع خطاب استراتيجي يركز على تعزيز الردع والدفاع الوقائي، وكما أنه يعكس سباق تسلح تكنولوجي غير معلن، تتحول فيه المنطقة إلى ساحة تنافس بين مدارس تسليح مختلفة.




تعليقات الزوار ( 0 )