في لقاء خاص مع جريدة الشعاع الجديد، أكد الأستاذ عبد الجليل بودربالة، المحامي بهيئة الرباط وعضو مكتب جمعية المحامين الشباب بالرباط، في حوار الزميل الإعلامي الدكتور نورالدين لشهب، أن التوقف الحالي للمحامين عن ممارسة مهامهم لا يمكن فهمه خارج سياق النقاش الدائر حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، معتبراً أن الأمر يتعلق، في جوهره، بالدفاع عن استقلالية المهنة وضمانات المحاكمة العادلة، وليس بمجرد احتجاج فئوي أو مهني محدود.
وقال بودربالة إن بداية المسار عرفت توافقا بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزارة العدل، قبل أن يتم، حسب تعبيره، “الالتفاف” على ما تم الاتفاق بشأنه، مضيفاً أن المحامين عادوا إلى التوقف بعد أن تبيّن لهم، أثناء مناقشة المشروع بمجلس المستشارين، أن الصيغة المعروضة لم تحمل جديداً يستجيب لمطالبهم الأساسية. وأوضح أن جوهر الخلاف يكمن في ما اعتبره “مزيداً من التضييق على استقلالية المهنة”، ولذلك اتُّخذ قرار التوقف عن ممارسة المهام داخل المحاكم وخارجها.

وأضاف المتحدث أن المحامين لا ينكرون أن لهذا التوقف آثاراً على المتقاضين، خاصة في الملفات ذات الطابع الاستعجالي أو المرتبطة بالاعتقال الاحتياطي، لكنه شدد على أن المسؤولية لا ينبغي أن تُلقى على المحامين وحدهم، بل على مختلف الفاعلين في منظومة العدالة، وفي مقدمتهم وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة. واعتبر أن حرية المواطنين تصبح مهددة عندما يتم، حسب قوله، المساس باستقلالية مهنة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع.
وفي رده على من يتهمون المحامين برفض الرقابة الإدارية أو المالية أو التأديبية، قال بودربالة إن هذا الطرح “حق أريد به باطل”، مؤكداً أن مهنة المحاماة تخضع أصلاً لآليات تأديبية ورقابية داخلية وقضائية، وأن هناك محامين شُطب عليهم أو عوقبوا تأديبياً عند ثبوت خروقات مهنية. وأوضح أن المواطن المتضرر من محاميه يملك مسارات قانونية، سواء عبر النقيب والهيئة في ما يتعلق بالممارسة المهنية، أو عبر القضاء المدني للمطالبة بالتعويض عند ثبوت الضرر.
وشدد بودربالة على أن الخلاف الحقيقي لا يرتبط برفض التخليق، بل برفض المساس باستقلالية الدفاع. وذكر أن الصيغة الأولى للمشروع كانت تعتبر المحامي “مساعداً للقضاء”، قبل أن يتم تعديلها بعد مذكرات ومرافعات جمعية هيئات المحامين، لتؤكد أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة. وقال إن المحامي ليس تابعاً للقاضي ولا مساعداً له بالمعنى الإداري، بل هو طرف أساسي في ميزان العدالة، يدافع عن حقوق موكله باستقلال، بينما يحكم القاضي وفق سلطته وتقديره.

وفي سياق حديثه عن خلفيات المشروع، اعتبر بودربالة أن النقاش حول قانون المحاماة جزء من سياق أوسع يمس استقلال القضاء وفصل السلط. ورفض وصف المشروع بأنه “مشروع دولة”، موضحاً أن الدولة ليست الحكومة وحدها، بل تشمل الشعب والمؤسسات والسلط والرموز، وأن استعمال عبارة “مشروع الدولة” قد يتحول، بحسب تعبيره، إلى حجة سلطوية لفرض الأمر الواقع. وقال إن المشروع، إذا لم يحترم المنهج التشاركي، يبقى مشروع حكومة لا مشروع دولة.
كما توقف المحامي عند ملف الوكيل القضائي للمملكة، معتبرا أن تعيين قضاة في مناصب تابعة للسلطة التنفيذية يطرح إشكالاً دستورياً عميقاً. وأوضح أن الوكيل القضائي للمملكة هو مديرية مركزية تابعة لوزارة المالية، وظيفتها الدفاع عن مصالح الإدارات أمام القضاء، وبالتالي فإن إسناد هذه المهمة لقاضٍ يخلق، في نظره، التباساً بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وقد ينعكس على ثقة المواطن في حياد القضاء.
وقال بودربالة إن حماية المال العام لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق المواطنين أو استقلال القضاء، مضيفا أن معالجة كلفة الأحكام الصادرة ضد الإدارة يجب أن تتم عبر إصلاح التدبير الإداري، ومحاسبة المسؤولين عن الأخطاء، واحترام مساطر نزع الملكية، لا عبر إضعاف موقع المواطن أمام الإدارة. واستدل بملفات مرتبطة بالتعويض عن العقارات والاعتداء المادي، معتبراً أن بعض الأحكام أصبحت، في نظره، تطرح تساؤلات جدية حول ضمانات الإنصاف.
وبخصوص توسيع فئات الولوج إلى مهنة المحاماة، أوضح بودربالة أن المحامين ليسوا ضد الكفاءات، سواء تعلق الأمر بأساتذة جامعيين أو كتاب ضبط أو غيرهم، لكنهم يطالبون بإخضاع الجميع لنفس الشروط، خاصة شرط السن والمباراة والتكوين. واعتبر أن فتح الباب دون ضوابط قد يؤدي إلى تضخم عدد المحامين، وإلى منافسة غير متكافئة، وإلى إضعاف قدرة الهيئات على ضبط المهنة وتخليقها.

واعتبر بودربالة أن مهنة المحاماة ليست مهنة امتيازات كما يُروَّج أحياناً، بل مهنة مسؤولية ومخاطرة، وأن عدداً كبيراً من المحامين يعانون اقتصادياً واجتماعياً، خاصة خلال فترات التوقف عن العمل. وأضاف أن للمحامي دوراً مهنياً واجتماعياً واقتصاديا داخل منظومة العدالة وحول المحاكم، وأن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من الحوار الجاد، لا من شيطنة المهنة أو تصويرها باعتبارها عائقاً أمام الإصلاح.
وأكد أن الحل، في نهاية المطاف، يمر عبر الاستجابة للمطالب الجوهرية للمحامين، وعلى رأسها حماية استقلالية الدفاع، وضمان التوازن داخل منظومة العدالة، وإعادة بناء الثقة بين الوزارة والمؤسسات المهنية، بما يخدم المواطن أولاً، ويصون الحق في المحاكمة العادلة.
لمتابعة الحوار كاملا بالصوت والصورة المرجو الضغط على الفيديو



تعليقات الزوار ( 0 )