قال محمد أبلاغ، أستاذ الفلسفة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن الذكرى السبعين بعد السبعمائة لميلاد العالم المغربي ابن البنا المراكشي، والذكرى السبعمائة لوفاته، تشكلان لحظة علمية تستوجب إعادة النظر في موقع هذا العَلَم داخل الذاكرة الثقافية المغربية والعربية الإسلامية، معتبراً أن هذا الحدث يمر في صمت غير مبرر.
وأضاف أبلاغ، في تدوينة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي، أن سنة 1998 عرفت احتفاء واسعا بمرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد، كما يتم تخليد تسعة قرون على ميلاده هذه السنة، غير أن هذه المناسبات لم تخلُ من أخطاء فادحة، حيث تم تداول معطيات غير دقيقة، من بينها تقديم ذكرى ميلاد ابن رشد على أنها الذكرى العاشرة، وهو ما اعتبره مؤشراً على ضعف الحس العلمي وغياب الدقة في التعامل مع الرموز الفكرية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذا الخلل يعكس أزمة أعمق في علاقة جزء من النخب بالمعرفة، حيث يغلب التعميم على حساب التحقيق، والقول على حساب الفعل، مبرزاً أن العقل في جوهره ممارسة حسابية دقيقة، مستحضراً في هذا السياق المقولة الفلسفية Raisonner c’est calculer، أي إن التفكير هو حساب.
واعتبر أبلاغ أن بعض التجارب الدولية المعاصرة تقدم نموذجا في التدبير العقلاني القائم على الحساب الدقيق للخطوات، “بغض النظر عن الموقف منها”، في مقابل تجارب عربية سابقة اتسمت بالعشوائية وأفضت إلى نتائج كارثية بسبب غياب التخطيط العلمي.
وفي المقابل، أكد الأستاذ الجامعي أن ابن البنا المراكشي ظل خارج دائرة الاهتمام، رغم أن سنة 2021 مرت دون أي احتفاء يُذكر بمرور سبعة قرون على وفاته، معتبراً أن هذا الإهمال غير مبرر بالنظر إلى راهنية مشروعه العلمي القائم على التدقيق والتقريب.
وأوضح أبلاغ أن الأفق الفكري لابن رشد ارتبط بسياق فلسفي تجاوزه المسار العلمي منذ القرن السابع عشر مع بروز الثورة العلمية، في حين أن إسهامات ابن البنا تظل أكثر التصاقاً بمتطلبات العصر، لكونها مؤسسة على الحساب والقياس والتنظيم العلمي للمعرفة، وهي العناصر التي تقوم عليها قوة الدول اليوم.
وسجل المتحدث أن أحد أبرز أسباب هذا التغييب يتمثل في عدم اعتبار العلم مكوناً ثقافياً، والاكتفاء بالنظر إليه كأداة تقنية، مشيراً إلى أن ابن البنا أسهم، من خلال اشتغاله بالرياضيات والفلك، في جعل العلم جزءاً من الثقافة المغربية في عصره، وهو ما تعتمده اليوم الدول المتقدمة.
وذهب أبلاغ إلى التأكيد على عزمه جعل هذه السنة محطة للاحتفاء بابن البنا المراكشي، حتى وإن اقتضى الأمر القيام بذلك بشكل فردي، داعياً في الوقت ذاته إلى انخراط الباحثين والمؤسسات الأكاديمية في هذا المسار.
وختم الأستاذ الجامعي تدوينته بالتنويه بمجهودات عدد من الباحثين المغاربة الذين يشتغلون على التراث العلمي الوطني، معتبراً أن “حب المغرب وتعزيز مناعته الثقافية يجب أن يظلا في صلب كل مشروع أكاديمي جاد”.



تعليقات الزوار ( 0 )