تشير تقديرات أمنية أوروبية حديثة إلى أن القارة قد تكون مطالبة بتسريع تطوير منظومات مراقبة متقدمة لرصد التهديدات الإشعاعية المحتملة، في ظل تصاعد المخاوف من استخدام مواد نووية أو مشعة في عمليات إرهابية من نوع “القنبلة القذرة”، وهي سيناريو لا يقوم على تفجير نووي تقليدي، بل على نشر مواد إشعاعية بهدف إحداث الذعر وتعطيل الحياة العامة.
وبحسب تحليل نشره “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، للخبير الأمني البولندي السابق جاك سيفييرا، فإن التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والحرب الإقليمية الأخيرة تعيد إلى الواجهة مخاطر استخدام المواد النووية في أغراض غير تقليدية، خصوصاً في ظل ما وصفه التقرير بتراجع السيطرة المركزية على بعض مخزونات المواد المشعة واحتمال انتقالها عبر شبكات غير نظامية.
ويشير التحليل إلى أن المواد النووية، حتى عندما لا تكون مخصبة بدرجة كافية لصناعة سلاح نووي، قد تتحول إلى مصدر خطر كبير في حال استخدامها في أجهزة نشر إشعاعي داخل مناطق حضرية، مثل محطات النقل والمراكز التجارية والمطارات، حيث يمكن أن تسبب حالة ذعر واسع النطاق وتأثيرات نفسية وأمنية تفوق حجم الأضرار المادية المباشرة.
ويحذر التقرير من وجود فجوات في أنظمة الرصد الأوروبية الحالية، رغم امتلاك القارة لشبكات مراقبة بيئية وإشعاعية متقدمة نسبياً. غير أن هذه الشبكات، وفق التحليل، تظل موجهة أساسا لرصد الحوادث النووية الصناعية أو الكوارث البيئية، ولا تغطي بشكل كاف “التهديدات النقطية” داخل المدن الكبرى، ما يخلق هامشا أمنيا يمكن استغلاله في سيناريوهات هجينة.
وفي المقابل، يقارن التقرير الوضع الأوروبي ببرنامج “تأمين المدن” في الولايات المتحدة، الذي يعتمد على شبكة واسعة من الحساسات الإشعاعية الموزعة داخل المدن الكبرى، والمربوطة مباشرة بأنظمة استجابة فدرالية سريعة، ما يسمح باكتشاف أي نشاط إشعاعي غير طبيعي والتعامل معه فوراً.
ودعا الخبير البولندي السابق إلى تبني مقاربة أوروبية مشتركة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: تعزيز التنسيق المؤسسي على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتطوير بنية تحتية حضرية لرصد المواد الإشعاعية داخل محطات النقل والمرافق الحيوية، إضافة إلى تحسين آليات تبادل المعلومات والاستجابة بين الدول الأعضاء.
ويؤكد التحليل أن التعامل مع هذا النوع من التهديدات لا ينبغي أن يقتصر على المستوى الوطني، بل يتطلب إطارا أوروبيا موحداً قادراً على ربط البيانات في الزمن الحقيقي وتنسيق الاستجابة عبر الحدود، في ظل طبيعة المخاطر العابرة للدول.
كما يشدد على أن الاستثمار في قدرات الكشف المبكر لا يهدف إلى إثارة الذعر العام، بل إلى تعزيز الجاهزية الأمنية، معتبرا أن “الوعي بالمخاطر يشكل خط الدفاع الأول” في مواجهة التهديدات الإشعاعية المحتملة في سياق دولي يتسم بتزايد تعقيد المخاطر الأمنية والهجينة.



تعليقات الزوار ( 0 )